محمد ثابت يكتب: فيلم “مولانا” .. السينما تجدد الفكر الديني!

 ما زالت أفلام سينمائية مصرية تتفلت, مُكرسةً في وعي الآلاف, بخاصة من الشباب الحديث السن, مفاهيم مغلوطة عن واقع الإسلام والأمة المعاصرين، فمنذ فيلم “الجزيرة 2” للمخرج شريف عرفة، وقد تم طرحه في أكتوبر 2014م، عقب الانقلاب بسنة واحدة وعدة أشهر، في استدعاء لنجاح فيلم كان مكتملاً (الجزيرة 2007)، بطولة (أحمد السقا، هند صبري، وخالد الصاوي) في كتابة سينمائية لشخصية حقيقية “عزت حنفي”؛ قاطع الطرق الصعيدي الذي هزّ مصر إبان حكم المخلوع مبارك، ليجىء الجزء الثاني من الفيلم مكرساً لواقع مصر الانقلابي عبر شخصيات المطاريد في الجبل، وقد ارتدوا مسوح الدين، ويهاجمون الجزيرة، وتفشل الدولة في صدهم، فينبري لهم قائد اللصوص، في إشارة لا تخطئها العين للإخوان والعسكريين في مصر.

وهكذا تمضي قافلة الانقلاب السينمائية، فيتم استدعاء كبار المخرجين المعروفين، في مثل “قدرات غير عادية” لداود عبد السيد, عام 2015، وتشجيعهم على إنتاج أفلام تتعرض للإسلام، وبشكل فجّ صريح، لا الذي اعتدنا عليه إبان حكم المخلوع, من تعرض لشىء من الثوابت، مع الإبقاء على شعرة معاوية، وعدم الإفراط في تناول الأصول، إذ كان النظام يدّعي أنه لا يحارب الدين، ولكنه يترك أذرعه في جميع المؤسسات المعنية تفعلها!

 

فيلم “مولانا” جديد السينما الانقلابية إذاً، تم طرحه في 4 من يناير الماضي في مصر في دور العرض السينمائي، وقالت جريدة “النبأ” المصرية إن بطله يلف على دور العرض، “كعب داير” لجذب الجماهير، فيما حضر عرضه الأول عمرو موسى؛ الأمين العام لجامعة الدول العربية؛ أحد قادة جبهة الإنقاذ سابقاً، والذي مهد للأحداث الدامية في مصر، وكان الفيلم تم عرضه في مهرجان دبي في ديسمبر الماضي فلم يحقق رد فعل، ولا مجرد تناول, فضلاً عن إشادة.

لكن الأهم أن الفيلم تم حجزه في العلب لمدة عام كامل، ومنعه من العرض بقرار من قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، بنفسه، ويبدو أن أجهزة المخابرات أرادت طرحه في وقت تكون الدعوة فيه إلى ما يُسمى تجديد الفكر الديني، على مذهب الإمام “السيسي”، قد تم “طبخها على نار هادئة”، ويأتي الدور على السينما لكي تتسلم “اللواء” من “الأزهر الشريف”، وهو ما استشعره كبير أئمة وزارة الأوقاف الدكتور منصور مندور, مُطالباً بوقف الفيلم، وهو الأمر الذي ضاع أدراج الرياح وسط تبني الدولة والنظام له!

 

ما وراء الأخطاء

 

حفلَ الفيلم بأخطاء تمس العقيدة الإسلامية في جوهرها، وانشغل المتصدين له، على قلتهم بالتركيز على سخرية الفيلم من بعض الشيوخ المعاصرين، وانشغلوا بدلالة بطله “حاتم الشناوي”؛ أهي تسقط على مالك قناة فضائية من علماء الدين أم غيره؟ وتركوا في الحالين سوءات الفيلم نحو ما هو أخطر, من تناول العقيدة الإسلامية على أنها تحولت إلى سياسية فور وفاة الرسول، صلى الله عليه وسلم، في مقابل المسيحية التي تحولت إلى سياسة فور خروجها من بيت لحم، أما ما هو أسوأ فإقرار الفيلم، على لسان بطله، الداعية رقم 1 في مصر، بحسب إصرار المحيطين بالشيخ “حاتم” أو الممثل “عمرو سعد” على القول له، ليُشنف الأخير بالجملة الفريدة من نوعها:

ـ الجنة ليست حكراً على أحد، الجنة سيدخلها الجميع من مسلمين ومسيحيين وملاحدة وأولاد (هرمة)!

هكذا يختصر الفيلم تجديد الفكر الديني، وفق مذهب الإمام العسكري “السيسي”، فالإقرار بأنه لا أحد يعرف مَنْ سيدخل الجنة، وهو الإقرار المُمثل لجوهر الدين الإسلامي، إذ إنها حكر على المخلصين، حتى من المسلمين، وهؤلاء لا يعلمهم على حقيقتهم إلا الله، يضاده حكم “السيسي” العسكري؛ صاحب الدبابة المُنقلبة، بأن الجنة سلعة ينالها الجميع، برأيه ورأي إعلامه، ولو ألحدوا، ولو ارتكبوا الموبقات، كما بطل الفيلم نفسه المتورط في علاقات غير طاهرة مع النظام السياسي المصري الأسبق، ورجال المال والأعمال، وايضاً مع فتاة كومبارس في الأفلام، وهو صاحب العمامة الأولى في مصر!

 

مولانا وعمنا

 كتب إبراهيم عيسى، الصحفي الذي يطرده الانقلابيون حالياً من حظيرتهم، الرواية، كما يطلق هو شخصياً عليها، ونشرتها إحدى دور النشر، ممثلة المفارقة المضنية في مجتمعاتنا، إذ لا يتم تصنيف الأعمال الأدبية وفق جودتها، بل وفق شهرة كتابها.

كتب عيسى الرواية منذ 4 سنوات، عقب الثورة المصرية، متضمنة آرائه في علماء الدين من مسلمين، ورجال الدين من شيعة ومسيحيين، ثم لما أراد المخرج مجدي أحمد علي, الإعداد للفيلم أمهل “عيسى” ليكتب حواره، أو ليكتب “نفسه” كما يقول البعض.

خطورة الأمر الأخير أنه يساوي المباشرة المطلقة في الكتابة، بل إعادة كتابة النص، الذي قيل إنه رواية ثانية، من نفس الكاتب، وهو ما تحرج منه الراحل “نجيب محفوظ” إذ كان يشارك آخرين كتابة السيناريو والحوار لأفلام غيره التي أنتجتها مؤسسة السينما المصرية في الستينيات ولم يكن يشارك في كتابة أفلامه بل يعتذر عنها.

في النهاية خرج الفيلم زاعقاً, بمرتبة مقالات عيسى السياسية أو برنامجه الذي كان يُذيعه على شاشة قناة دريم الفضائية الخاصة في رمضان 2010م عن الصحابيين أبو بكر وعمر، وإن لم يكن يُسفر آنذاك عن شاذ آرائه مثل الآن.

الفيلم يتناول عالم دين، وإمام مسجد مصري “نكرة”، يعرف الطريق إلى الأضواء والشهرة وخداع الجماهير عبر الفضائيات، فيما يدخل ابنه الوحيد في غيبوبة طويلة، ليفقد الشعور بلذة الحياة، ويأخذه صديقه الشيخ مختار (الممثل زين العدل الذي يظهر على الشاشات للمرة الأولى)، لمعالجته من الصدمة في مسجد الحسين ليخاطب البطل قالاً: رد على “عمك” الندا!

 

وذكر “الحسين”، رضي الله عنه، لا يفارقنا، فمشايخ مصر “العظام”، كما يجمعهم الفيلم، ينهشون الطعام، ويصفهم البطل بأصحاب الملهى الليلي والراقصة المصالح، ثم إن بعضهم يرقص على أنغام ابتهالات شيخ ردىء الصوت، يمدح الحسين، كما يُشهد الشيخ “مختار” (الحسين) رضي الله عنه على مظلوميته، وعدم نصرة بطل الفيلم له!

 

إحياء “الشعراوي” و”حسن شحاتة”

 

قال الناقد “طارق الشناوي” عن بطل الفيلم إنه ذكّره بالممثل أحمد زكي في تقليده الرئيس أنور السادات، لكنه لم يجرؤ على القول إن “سعد” إنما كان يُقلد أسلوب نطق، وطريقة دعوة، بل قفشات، وملاحة تعليقات الشيخ محمد متولي الشعراوي، رحمه الله، في محاولة لنسف الهيبة النفسية المستقرة في أعماق ملايين المسلمين للشيخ، وإلباسه خطايا البطل، وشيوخ السلطان.

  أما الخطيئة السياسية الأكثر ضراوة للفيلم فهي اختصار مذابح الشرفاء الثوار في مصر، من رابعة وسابقاتها ومماثلاتها ولاحقاتها، بتصوير الصراع على أنه بين مناصري أهل البيت (المتصوفة) في مواجهة (السلفيين)، مع تجسيد صور مماثلة لوفاة الداعية الشيعي حسن شحاتة في 2013م.

 تلى ذلك, محاولة إحياء النزعة الخلافية بين المسلمين وشركاء الوطن، والدخول في “لعبة خائبة” من مقارنة بين العقيدتين مع الانتصار للمسيحية كما العلمانية والإلحاد والمذهب الشيعي، في محاولة رديئة لإغاظة الإسلاميين.

خطايا

يبقى أن الفيلم أخطأ خطايا لا تغتفر في سبيل محاولته إرضاء نظام العسكر، الذي لم يتعرض له ببنت شفة أو مجرد مشهد، ولو ملغز، وعاد بزمنه إلى أيام المخلوع “مبارك”، ونسب إلى الإمامين “البخاري ومسلم” آلاف الأحاديث الموضوعة، كما أدعى أن الصحابيين “أبو بكر وعمر”، رضي الله عنهما، لم يكونا واثقين في الصحابة، فمنعاهم من تدوين الأحاديث، وهي الحادثة المغلوطة تماماً، وإن كان منع تدوين الأحاديث لعدم اختلاطه بالقرآن الكريم، قد أمر به الرسول العظيم من قبل، ثم القول بأن آلاف الأحاديث وضعت لمرضاة الأمويين، كما ادعى الفيلم وجود آية في القرآن لم ترد به من الأساس “ومن يتبع غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه”، ولعله يقصد الآية 85 من سورة آل عمران: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85).

رحمنا الله من خطايا الانقلاب السياسية والسينمائية .. وأعان المخلصين على حسن التصدي لها!

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …