تمر الدعوات في طريقها الذي هداها الله إليه بسنن ثابتة لا تتغير ولا تتبدل؛ تثبت لأصحابها صحة ما يسيرون عليه، وقد أوضح الله ذلك رحمة بعباده ونصحًا لهم، فقال تعالى: )أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيب( [البقرة:214].
وقد تعرضت الدعوة الإسلامية على مدار تاريخها لمحن شديدة، ذاق خلالها أنصارها شتى أنواع التعذيب والتنكيل، ومارست معهم كل نظم الانحراف على مدار التاريخ الإكراه ليدخلوا معهم في زمرتهم وملتهم.
وقد مرت الدعوة الإسلامية في العصر الحديث بمثل ما مرت به الدعوات على مدى التاريخ؛ ففي عهد جمال عبد الناصر تعرض أفراد الدعوة الإسلامية لتعذيب وتنكيل وإكراه ومارست معهم قوى البغي ما عرف بفتنة التأييد؛ وكانت وسائلهم لتحقيق ذلك ما بين ترغيب وترهيب من جانب الضباط بسرعة الإفراج، وشيء من التوسعة في إدخال الطعام أو مدة الراحة، واستعمال بعض الشيوخ في إلباس الباطل بالحق؛ ليزينوا للمكرهين التأييد بدلًا من تثبيتهم على الحق. فماذا كان يحدث لمن يؤيد؟ لا يتحقق له أي وعد، ثم الشعور بالذل والمهانة حينما يضيق من تزيين النفس والشيطان. وكان الظلمة المجرمون ينشدون من وراء ذلك شق الصف وإضعافه وتحقيق مصالح دنيوية للمجرمين، وإبعاد المجتمع عن طريق الدعوة.
إننا نأتي بهذا المثال ليعلم الصادقون من أصحاب الدعوات أن الابتلاء هو سنة الله فيهم، وأن الصبر والتحمل هو عدتهم، وأن الظالمين ليس لهم وعود، فما وعودهم إلا الأباطيل، فمن كان يرجو منهم نفعا فلن يجده، وإن الانبطاح لهم مرة واحدة بداية الانحدار، ومآله الخسران.
وما أشبه الليلة بالبارحة، فما زالت محاولات الفت في عضد التيار الإسلامي والنيل من صموده في مواجهة الانقلاب الغاشم الذي اعتدى ظلما على الحاكم الشرعي مستمرة؛ من خلال كتاب وصحفيين، ورجال فكر ودين، يروجون لمبادرات صلح وهمية، تقوم على الاعتراف بالانقلاب والاستسلام له والاعتذار عن مواجهته ومقاومته بكل صور النضال السلمي، ومحاولات دائمة لشق الصف وإحداث فتنة فيه.
إن الرئيس “محمد مرسي” حاكمٌ مسلمٌ انعقدَتْ له البيعةُ الشرعية، واعترفَت به الهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية رئيسًا لمصر، وهو حاكم عدل لم يفعل ما يستوجب عزلَه شرعًا، فقد خرج الانقلابيون على من اختاره الشعب، غادرين به بعدما أعطوه المواثيق على الطاعة، وهم الذين نسفوا كل معالم التجربة الديمقراطية السلمية.
ولا بد أن يكون واضحا لكل ذي عينين المآلات التي يمكن أن تحدث بمناصرة الظالمين وتأييدهم من تمكين للظالم وتماديه في الغي والباطل، وخذلان للحق وأهله الصامدين، والتخلي عنهم وتركهم فريسة سهلة ولقمة سائغة لعدوهم، وفتح طريق للاستسلام والخضوع لهم، وضياع حقوق الشهداء والمصابين وكل من أضير بسبب هذا الانقلاب الجائر.
وليس بخاف على أحد ما أحدثه الانقلاب في المجتمع من انتهاك لحرمات الدين وانحدار في القيم والأخلاق والتفكك الأسري، والقضاء على كل مظاهر التدين والعفة والكرامة، ومناصرته وتأييده على هذا الوضع خيانة لله ولرسوله.
إن رفض الانقلاب والصمود في مواجهته رؤية ناصعة البيان للصامدين، فعندما يتمسك الإنسان بمبادئه وقيمه، ويصمد في مواجهة الشدائد والأزمات، ولا يحني قامته لضر أصابه، فإنه يحطم بذلك معنويات العدو الذي يستهدف إهانته وإذلاله وكسره معنويًّا، فالهزيمة النفسية هي الهزيمة الحقيقية، والصمود هو بداية الصعود؛ والإنسان المؤمن يفعل ذلك ببواعث الإيمان فتزداد قوته وثباته وصموده أضعافًا.
وعلى الصامدين أن يثبتوا على موقفهم في مواجهة هذا الظالم محتسبين لله معتصمين به، فهم رؤوس للإصلاح يقتدى بهم ويؤخذ عنهم، واستجابتهم للتأييد يعد فتنة لغيرهم، وهدما للدين، ويتأكد الصبر في حقهم، مقتدين في ذلك بإمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل – رحمه الله – حين سئل عن العالم وهل يأخذ بالتقية؟! قال: “إذا أجاب العالم تقية، والجاهل يجهل فمتى يتبين الحق؟” ومن ثم فقد صبر على التعذيب ولم يتلفظ بما يريده منه الظلمة، فقد جاءه تلميذه ابن أبي زهير وقال له في المحنة: أيها الإمام ما عليك أن تجيب (أي: تنفذ لهم ما يريدون)؛ فإن لك عيالا، ولك أولادا، ولك كذا.. فلو أجبتهم والنية عند الله، فنظر له الإمام أحمد نظرة ملية وقال له: يا أبا سعيد، إن كان هذا عقلك فقد استرحت (أي: أديت ما عليك من النصح)، ويأتيه آخر من تلامذته ويقول: أيها الإمام ما عليك أن تجيب، فيقول له: نعم، انظر من خـلال الشرفة، وأخبرني ماذا ترى فينظر فيقول: إني أرى أهل بغداد قد اجتمعوا كلٌّ معه القرطاس والقلم ينتظرون ما تقول به. قال: “أف، أنجو بنفسي وأضل جميع هؤلاء!”.
فأنتم أيها الصامدون المثل والقدوة الذين يقتدى بهم في مثل تلك الملمات، فصبركم أعظم الجهاد، وصمودكم وثباتكم خير ما تواجهون به عدوكم، فالصمود هو نصر المرحلة، وهو الذي يؤهل للنصر الحاسم، فلا صعود إلا بعد الصمود، ولا يصل إلى نهاية الطريق إلا من سار دون التفات، وقاوم كل دعاوى القعود أو الرجوع من منتصف الطريق، واستمر رغم كل المثبطات، وغالب كل الظروف رغم قسوتها وشدتها. )وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِين. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُون. وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُون ([الصافات:171- 173].
وبناء على ما سبق، فإن عدم قبول الظلم ومدافعته يعد واجبا شرعيا على كل مسلم ومسلمة بقدر طاقته وجهده، وأقلها عدم الرضى عن الظلم، وعدم المشاركة في تأييده، وإن الصمود في وجهه من أعظم أبواب الجهاد في سبيل الله، ولا يجوز بحال من الأحوال الترويج للتأييد والاستسلام في مواجهته، حتى يبدل الله الشدة إلى رخاء، والجدب إلى نماء، والضر إلى سراء، وما ذلك على الله بعزيز ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: من الآية ٥١].
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات