المرأة.. يا لها من كلمة! حارت لها القلوبُ والعقول، وجمعت كلَّ المتناقضات في كائن واحد.
انخلعتْ لها قلوب الرجال، وطاشت بسببها عقولُ الشباب، وتغنَّى بجمالها الشعراء والأدباء، واستأنس بمودَّتها الأزواجُ العقلاء، ودسَّها في التراب قساةُ القلوب الجاحدون، واعتبرها عارًا وعورة، وقذرًا وأذًى مَن سُلِبت الحكمة من عقولهم, والرحمة من قلوبهم، واتَّخذها متاعًا وشهوة من جُرِّدوا من إنسانيتهم.
وجاء الإسلام، فما رضي لها إلَّا أن تكون أمًّا حنونًا، وأختًا عطوفًا، وزوجة مُكرمة، وبنتًا رؤومًا، وسيدة مُبجلة.
مكانة المرأة قبل الإسلام
اختلفتْ مكانة المرأة على مرِّ العصور؛ فأحيانًا نراها ملِكة مُتوجة، مَصونة ومُهابة الجناب، وأحيانًا كثيرة مُحتقرة مهضومة الحقوق، لا قدر لها ولا وزن؛ بل هي ومتاع البيت وأساسه ودوابه سواءٌ بسواء.
المرأة في ظلِّ الحضارة الفرعونية: (بدأت في حوالي العام 3150 ق. م، واستمرت حوالي 3 آلاف سنة). اهتمَّت الحضارة الفرعونية بالمرأة ويكفينا أن نقرأ هذه السطور حيث وصى أحدهم قائلًا: “إذا كنت عاقلًا فأجد تموين بيتك، وأحبب امرأتك ولا تشاحنها، وغذِّها وزيِّنها، وعطرها ومتِّعها ما حييت؛ فهي ملك يجب أن تكون جديرة بالمالك، ولا تكن معها فظًّا غليظًا”. وظل الحال هكذا إلى أن جاء البطالمة لحكم مصر، فتغيَّر الحال، وحطوا من مَكانة المرأة ومنزلتها، وأهانوها.
الحضارة البابلية: (بين القرنين 18 ق. م، و6 ق. م، وبابل دولة أسَّسها حمورابي في بلاد ما بين النهرين “العراق حاليًّا”). كانت المرأة مهضومة الحقوق؛ فلا ترث ولا تمتلك؛ بل كانت تُورث للغير، وأحيانًا تُوهب للغير وتستخدم في سداد الديون، ومن حقِّ الرجل أن يُسخِّرَها فيما يشاء، ويحكم عليها بما شاء، وذكر هيرودوت أنَّه كان على كل امرأة بابلية أن تقدِّم نفسها لما يسمونه بالدعارة المقدسة ولو مرة واحدة في حياتها.
الحضارة الفارسية: (كانت الإمبراطورية الفارسية شرق وشمال شبه الجزيرة العربية، تأسَّست عام 559 ق. م، بواسطة الملك كورش). لاقت المرأة في ظلِّها نفسَ ما لاقته في ظل الحضارة البابلية، وزادوا على ذلك اعتبارها مخلوقًا نجسًا يجب تجنُّبه، وخاصَّة في أيام الحيض والنفاس، وبالرغم من ذلك لم يكن هناك قانون لتنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة، فكانت مَشاعًا لكل راغب، بغضِّ النظر عن درجة قرابتها للرجل، وشجع على ذلك ملكهم (مزدك)، الذي ادَّعى أن الله بعثه ليأمر بذلك.
وعلى الجانب الآخر كانت الطَّبقة الحاكمة ومَن في مستواها يقومون بحجب النساء حجبًا كُليًّا؛ فلا يسمح لها برؤية أب ولا أخٍ بعد الزواج؛ بل كانوا يقومون بخصي من يشرف على خدمتهنَّ من الغلمان.
الحضارة اليونانية: (بدأت عام 1100 ق. م، وامتدَّت حتى عام 146 ق. م).
كان اليونانيون يعتبرون المرأة مخلوقًا مُنحطًّا؛ لزعمهم أنَّها مصدر للمصائب التي تحيط بالرجل. وشبهها فيلسوفهم سقراط بالشجرة المسمومة؛ ظاهرها جميل، ولكن عندما تأكل منها العصافيرُ فإنَّها تموت. ومن أقوال الفيلسوف أرسطو: “إن المرأة للرجل كالعبد للسيِّد، والعامل للعالم، والبربري لليوناني؛ لأنَّ الرجل أعلى منزلة منها”.
ورأى أفلاطون في مدينته الفاضلة أن تكون المرأة ذات الجسم السليم الخالي من العيوب البدنيَّة متاعًا مشاعًا للرجال الأصحاء الأقوياء لإنجاب أطفال أصحاء.
الحضارة الرومانية: (بدأت عام 275 ق. م، من إيطاليا، وامتدت إلى باقي أوروبا وبعض أجزاء من آسيا). لم تكن المرأة أفضل حالًا من الحضارات السابقة، وتشهد على ذلك المسارح والمعابد والهياكل والعمارة الرومانيَّة، التي تَحمل على جدرانها كلَّ مظاهر الخلاعة والتبرُّج، والعري المشين، وكانت الدعارة تمارس داخل الهياكل الرومانية وبين مذابحها.
في اليهودية: اعتقد اليهود أن حوَّاءَ هي المسؤولة عن طرد آدم من الجنَّة، فكانت الخطيئة الأولى التي أصابت البشر، والمرأة في التوراة نجسة في المحيض لمدَّة سبعة أيام، فكل ما تلمسه من طعام أو كساء أو إنسان وحيوان ينجس.
وجاء في سفر التكوين أنَّه كان للأب الحقُّ المطلق في أن يزوِّجها بمن يشاء، وكانت تُشترى منه عند نكاحها؛ لأن المهر كان يُدفع لأبيها أو لأخيها على أنَّه ثمن شراء، ثم تصير مملوكة لزوجها، وهو سيدها المُطلق.
وجاء في سفر الخروج أنَّ المرأة مملوكة لأبيها قبل الزَّواج، وكان في وسعه إن كان فقيرًا أن يبيعها قبل أن تَبلغ الحلم لتكون جارية.
وجاء في سفر الإصحاح أنَّ المرأة في مكانة دُنيا تنزلق إلى مستوى الماشية والأشياء؛ فهي جزء من البيت الذي يتكوَّن من المرأة والعبد، والثورِ والحمار، والأشياء الأخرى.
وجاء في التلمود أنَّ اليهودي لا يُخطئ إذا اعتدى على عرض الأجنبية؛ لأنَّ كل عقد نِكاح عند الأجانب فاسد؛ لأنَّ المرأة غير اليهودية تُعد بهيمة، والعقد لا يوجد بين البهائم.
وجاء فيه أيضًا أنَّ نكاح الدبر جائز؛ لأنَّ الزوجة بالنسبة للاستمتاع كقطعة اللَّحم التي اشتراها، يمكنه أكلها مسلوقة أو مشوية حسب رغبته.
في المسيحية: بالرغم من أنَّ المسيحية أعطت المرأة بعضَ حقوقها التي سلبتْها الحضارات والعقائد والمفاهيم السابقة، إلَّا أنها عاملت المرأة على أنَّها مخلوق أقل درجة من الرجل؛ فقد اعتبرت أن الرجل خُلق على صورة الله، أمَّا المرأة فإنها مَخلوقة من جنب الرجل، ولقد تعامل رجال الدين المسيحي على أنَّ المرأة ساقِطة المكانة، وأنها خُلقت للرجل, وهم يعتبرون أن العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة نجس يجب أن تُجتنب ولو كانت عن طريق نِكاح وعقد رسمي مشروع، ومن هنا ساد الاعتقاد بأنَّ العزوبة أفضل من الزواج.
قال بولس: “إنَّ من يزوِّج ابنته يأتي عملًا طيبًا، ولكن مَن لا يزوجها يأتي ما هو خير”.
ومن هنا سارت الرهبانية والعزوبة جنبًا إلى جنب بجوار تفشِّي الفجور والإباحية.
ولقد سادت فكرة أنَّ التعاويذ والأذكار تغفر هذه الممارسات، حتى تطوَّرتْ فيما بعد لفكرة (صكوك الغفران)، التي هي عبارة عن الإعفاء الكامل أو الجزئي من العقاب الدنيوي على الخطايا التي تمَّ الصَّفح عنها، ويتم منح هذه الصكوك من الكنيسة مقابل مبلغ من المال بعد أن يَعترف الشخص الآثِم بخطاياه ويتوب عنها.
البلاد العربية قبل الإسلام: بلغ التناقض في أحوال المرأة العربية قبل الإسلام مداه؛ فنراها أحيانًا ملِكة مُتوجة، تُجيش الجيوش وتخوض الحروب وبيدها مقاليد الأمور، مثل (زنوبيا – بلقيس – زبيبة – شمسي – يطيعة – يافا – عادية… وغيرهن).
وأحيانًا نراها البنت التي تُوءَد، والجارية التي تُباع وتشترى، مَهضومة الحقوق؛ لا تَملِكُ ولا ترث، وليس لها من أمر نفسها شيء؛ فهي ملكٌ لسيدها أو لزوجها أو للورثة من بعده، يُكرهونها على البغاء ليأخذوا أجرها… إلى غير ذلك من الممارسات التي حطت من قدر المرأة ومكانتها.
المرأة في ظل الإسلام
اهتمَّ الإسلام بالمرأة أيما اهتمام، وقد عرض القرآن الكريم الكثير من أحوال المرأة، ونظم أحكامها في أكثر من عشر سور منه؛ وهناك سورتان في القرآن الكريم عُرفت إحداهما بسورة النساء الكُبرى؛ وهي سورة النساء، والأخرى سورة النِّساء الصُّغرى؛ وهي سورة الطلاق.
بعض الآيات التي تحدَّثتْ عن المرأة في القرآن الكريم: على عكس الحضارات والأديان السابقة؛ جاء الإسلام ليرفع مكانةَ المرأة من الثرى إلى الثريا؛ فجعل منها أمًّا حنونًا، وأختًا عطوفًا، وزوجة مُكرمة، وبنتًا رؤومًا، وسيدة مُبجلة، فلم يفرِّق بين الرجل والمرأة تفريقًا مُجحفًا يسلبُها حقَّها؛ بل تفريقًا يميزها، ويُعلي من شأنها، ويتوافق مع فطرتها التي فطرها الله تعالى عليها.
قال تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ﴾ [البقرة 228]. وقال تعالى: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾ [آل عمران 195].
وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء 1].
وقال: ﴿ لِلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ [النساء 7].
وقال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21].
وقال تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ [لقمان: 14].
المرأة في السنَّة النبويَّة المطهَّرة: كما أن السنَّة النبوية زاخرة بالعديد من الأحاديث والمواقف التي تُعلي من قَدر المرأة:
أ) عن عقبة بن عامر قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:”مَن كان له ثلاث بنات، فصبَرَ عليهنَّ وأطعمهنَّ وسقاهن وكساهن من جِدَتِه، كنَّ له حِجابًا من النار يوم القيامة”؛ رواه ابن ماجه وأحمد، وصححه الألباني.
ب) عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلتْ عليَّ امرأة ومعها ابنتان لها تَسأل، فلم تجد عندي شيئًا غير تَمرة واحدة، فأعطيتُها إياها، فدخل صلى الله عليه وسلم علينا فأخبرتُه فقال: (من ابتُلي من هذه البنات بشيء فأحسَنَ إليهنَّ، كنَّ له سترًا من النار)، وفي لفظ: (مَن ابتُلي من البنات فصبر عليهنَّ، كن له حجابًا من النار)؛ رواه البخاري ومسلم والترمذي.
ج) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَن كانت له أنثى فلم يئدها، ولم يهنها، ولم يؤثِر ولده عليها – يعني الذُّكور – أدخله الله الجنَّة)؛ رواه أبو داود.
د) عن عبدالله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنهما قال: جاءت فتاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: “إنَّ أبي زوَّجني من ابن أخيه ليرفع بي خَسيستَه”، فجعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الأمرَ إليها، فقالت: “قد أجزتُ ما صَنع أبي، ولكن أردتُ أن تعلم النساء أنْ ليس إلى الآباء من الأمر شيء”؛ رواه ابن ماجه وأحمد والنسائي.
هـ) عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: (فاتَّقوا اللهَ في النساء؛ فإنكم أخذتموهنَّ بأمان الله، واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله، ولكم عليهنَّ أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تَكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهنَّ ضربًا غير مبرح، ولهنَّ عليكم رزقهنَّ وكسوتهن بالمعروف)؛ رواه مسلم.
و) عن معاوية بن جاهمة رضي الله عنه، أن جاهمة جاء إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أردتُ أن أغزو وقد جئتُ أستشيرك، فقال: (هل لك من أمٍّ؟)، قال: نعم، قال: (فالزمْها؛ فإنَّ الجنةَ عند رِجلها)؛ رواه أحمد والنسائي والبيهقي في شعب الإيمان.
ز) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ فقال: إنِّي أذنبت ذنبًا عظيمًا، فهل لي من توبة؟ فقال: (هل لك من أمٍّ؟)، قال: لا، قال: (فهل لك من خالة؟)، قال: نعم، قال: (فبِرَّها)؛ رواه الترمذي واللفظ له.
كما احترم الإسلام حقَّ المرأة في الميراث، وسمح أن تكون لها ذمَّة ماليَّة خاصة، ولم يَحرمها من حقِّها في التعليم وتقلُّد المناصب التي تتناسب مع فطرتها, إلى غير ذلك من الحقوق. وظلَّت هذه الروح ساريةً، وهذه المبادئ مُمتدة، تنظم للمرأة شؤونها، وتُعلي من قدرها ومكانتها، إلى يومنا هذا.
ولكننا نرى بين الحين والآخر من يحاول طَمْسَ هذه المعالم، وإهدار هذه الحقوق، تحت ما يسمُّونه المساواة، ومن يحاول جرَّ المرأة لمستنقع الرذيلة تحت ما يسمونه الحرية. مساواة لا تتفق مع فطرة المرأة التي فطرها الله عليها, وحرية تجعلها كلأ مشاعا لكل طامع.
نداء إلى المتشدقين بيوم المرأة
برهنوا على صدق نواياكم وشعاراتكم بالمطالبة بحقوق المعتقلات في الحرية.. بالمطالبة بحقوق أمهات المعتقلين وزجاتهم وبناتهم في حياة أسرية كريمة في كنف ذويهم, فإن سمعنا لكم في هذا الجانب صوتاً تكونون قد برهنتم على صدق شعاراتكم، ولكن دون ذلك فسأكررها أنكم ما تريدون من المرأة إلا جسدها المجرد من العقل والروح وما تريدونها سوى دُمية تلهون بها.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات