يخطئ البعض في الظن بأن أقوي أسلحة السلطة الديكتاتورية هي آلة البطش العسكرية والشُرَطية، ولكن أقوى أسلحة السلطة هي شعب خانع طائع داعم .
ومن يشك في هذه الحقيقة فليستعرض أسماء الحكام الديكتاتوريين الذين انهاروا وفروا مع وجود الولاء لهم من عسكر وشرطة في اللحظة التي اجتمعت فيها قوى الشعب لرفض الطاعة والإذعان .
ومن هنا تأتي قوة الكفاح اللاعنيف لأنه يستهدف تغيير موازين القوي ويأخذ من رصيد قوة الديكتاتور المتمثلة في الشعب الخانع المطيع الداعم إلي رصيد قوة التحدي والمقاومة .
ويتميز الكفاح اللاعنيف في أنه مع ثباته وتقدمه تبدأ القاعدة الشعبية من الممارسين لهذا الكفاح والداعمين في اكتساب قدرٍ أكبر من الاعتزاز بالنفس والثقة بقدرتهم على التأثير في مسارات الأحداث ويصبحون أكثر وعيا بما يمتلكونه من قوة .
وتؤدي خبرة الكفاح اللاعنيف أيضاً إلى وحدة القوى المشاركة وتزايد تضامنها الداخلي، وتؤدي كذلك إلى تقوية المؤسسات غير الحكومية التي تمثل مرتكزات للكفاح، في الوقت الذي تؤدي إلى ارتباك السلطة وتخبطها وفشلها مما يؤدي إلى تصدع الكتلة الشعبية المؤيدة للسلطة الفاسدة .
إذاً .. أهم مكتسبات الكفاح اللاعنيف هو تغيير موازين القوي من سلطة قوية، إلي مجتمع قوي .
وهذه المعادلة الجديدة هي أكبر حصانة ضد عودة الديكتاتورية مرة أخرى، وهو ما لا توفره وسيلة أخرى من وسائل العنف.
فالشعوب ومؤسسات المجتمع تكون ضعيفة مقابل سلطة ديكتاتورية قوية، فإذا لم يحدث تغيير في موازين القوي هذه، فإن الحكام الجدد يستطيعون إن أرادوا أن يكونوا حكاماً ديكتاتوريين كأسلافهم، وبالتالي يجب أن ترفض الشعوب أي ثورة من داخل النظام، أو انقلاب عسكري عليه .
ولإلقاء الضوء على هذا التفوق النوعي والاستراتيجي للكفاح اللاعنيف مقابل الكفاح المسلح، نعقد مقارنة بين الحالة الهندية والجزائرية :
ففي الكفاح المسلح للشعب الجزائري ضد الفرنسيين قُتِل مليون من ضمن عشرة ملايين هم سكان الجزائر، أما في الكفاح اللاعنيف للهنود ضد الانجليز فقد قُتِل ثمانية آلاف من ضمن مائتي مليون .
والأهم من ذلك هو مآلات هذا الكفاح، فبعد الاستقلال الناتج عن الكفاح المسلح وقعت الجزائر فريسة الحكم العسكري إلى الآن، فضلاً عن تجربتها في الكفاح المسلح ضد الحكم العسكري فيما يُعرَف بالعشرية السوداء، وهي التجربة الماثلة أمام الشعب الجزائري والتي أثرت في نفسه وزرعت فيه الخوف من عدم الاستقرار لدرجة الرضا بانتخاب رئيس يكاد يكون ميتاً إكلينيكياً .
وعلى الوجه الآخر تجد مآلات الكفاح اللاعنيف في الهند، فقد أثمرت أكبر ديموقراطية من حيث عدد السكان وتنوعهم في العالم، واضطراد التنمية والتقدم فيها بما لا يجوز مقارنته بالبلاد التي خاضت تجربة الكفاح المسلح، أو التي تعرضت للانقلابات العسكرية .
ونستخلص من تلك التجارب أن الحرية التي تأتي من خلال الكفاح اللاعنيف تغير موازين القوى، من سلطة قوية إلى مجتمع قوي .
وفي هذه المعادلة الجديدة حصانة للحرية التي حازها المجتمع، وضمانة لعدم قابلية الشعب للخضوع لديكتاتورية جديدة .
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات