الوضع الراهن في ظل دستور النظام الحالي
لم يتناول دستور النظام الحالي مسائل تنظيم بناء وترميم وإحلال دور العبادة لغير المسلمين من أهل الكتاب بأحكامٍ خاصة، ولكنه أحال فيما يتعلق بشئونهم الدينية إلى شرائعهم الخاصة، فضلًا عن أنه لم يتناول بالتنظيم حالة ما إذا تعارضت الأحكام الخاصة لشرائع غير المسلمين مع الأحكام العامة للشريعة الإسلامية .
فقد نص بمادته الثانية على أن: ” الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسيُّ للتشريع”.
بينما نص في مادته الثالثة على أن ” مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسيُّ للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشخصية وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية “.
ويتبين من المادتين آنفتى الذكر أن مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسىُّ للتشريع كأصلٍ عامٍ، وتُستثنى من هذا الأصل مسائل الأحوال الشخصية لغير المسلمين وشئونُهم الدينية واختيار قياداتهم الروحية لتكون مبادئ شرائعهم الخاصة المصدر الرئيسىُّ للتشريعات المنظمة لها، والاستئناء لا يجوز التوسع فيه أو القياس عليه .
ومن ناجيةٍ أخرى فإنه إذا كان معنى عبارة ” شئونهم الدينية ” ينصرف ـ بالضرورة ـ ليشتمل في مدلوله على أشكال وهيئات دور العبادة الخاصة بغير المسلمين من أهل الكتاب بحيث تتفق في نمطها وهيكلها مع مبادئ شرائعهم الخاصة إلا أنه لا يتسع ليتناول إجراءات الترخيص ببنائها وترميمها وإحلالها وتجديدها أو تحديد مساحاتها وأعدادها أو اختيار البقاع التى تقام عليها أو غير ذلك من الأمور التى لا صلة لها بشئون الدين، إذ إن هذه الأمور تخرج عن نطاق الاستثناء الوارد بالمادة المشار إليها، وبالتالى فإن تنظيم جزئياتها ينعقد للتشريعات التى تخضع لمبادئ الشريعة الإسلامية كمصدرٍ عامٍ للتشريع لا إلى شرائعهم الخاصة، الأمر الذى تكون معه شروط الترخيص ببناء وترميم وإحلال وتجديد الكنائس خاضعةً لمبادئ الشريعة الإسلامية.
وإذ لم يتناول دستور النظام الحالي بالتنظيم حالة ما إذا تعارضت الأحكام الخاصة لشرائع غير المسلمين مع الأحكام العامة للشريعة الإسلامية فإنه ـ وفقًا للقواعد العامة وعلى نحو ما أسلفنا في مقدمة هذه الدراسة ـ تسري على المسائل التي تتنازعها الشريعة الإسلامية وشرائع غير المسلمين, الأحكام الواردة في الشريعة الإسلامية باعتبارها الشريعة العامة التى تسرى أحكامها عند التنازع و الاختلاف.
التعليق على مشروع قانون بناء الكنائس الجديد
تعريف الكنيسة وملحقاتها ومحلاتها: بيَّنت المادة رقم (1) من مشروع القانون تعريف الكنيسة وملحقاتها ومحلاتها بالبنود الأربعة الأول حيث جرى نصها على أنه:
” في تطبيق أحكام هذا القانون يُقصَد بالكلمات والعبارات التالية المعني المُبيَّن قرين كل منها:
1ـ الكنيسة: مبنًي مستقلٌ محاطٌ بسورٍ، تُمارَس فيه الصلاة والشعائر الدينية للمسيحيين على نحوٍ منتظمٍ، يتكون من طابقٍ واحدٍ أو أكثر وله سقفٌ واحدٌ أو أكثر، ويجوز أن يشمل على ما يلي:
أ- هيكل أو منبر: المكان الذي يقوم فيه رجال الدين المختصون بأداء الصلاة والشعائر الدينية وفقًا للقواعد والتقاليد الكنسية.
ب- صحن الكنيسة: المكان الذي يتواجد فيه المصلون لأداء الصلاة والشعائر الدينية مع رجال الدين.
ج- قاعة المعمودية: مكان يُستخدَم في أداء طقس العماد ويكون مزودًا بالمرافق من ماءٍ وكهرباء وصرفٍ صحيٍّ .
د- المنارة: جزءٌ مرتفعٌ من مبني الكنسية على شكل مربعٍ أو مستطيلٍ أو مثمن الأضلاع أو على شكلٍ اسطوانيٍّ أو غيرها من الأشكال، يكون متصلًا بمبني الكنيسة أو منفصلًا عنها وفًقا للتقاليد الدينية أو التصميم الهندسي.
2ـ ملحق الكنيسة: مبنىً للكنيسة داخل نطاق سورها، ويشمل بحسب الاحتياج على الأماكن اللازمة لقيام الكنيسة بخدماتها الدينية وإدارتها .
3ـ بيت الخلوة: مبنىً للكنيسة يشمل على أماكن للإقامة وأماكن لممارسة الأنشطة الروحية والثقافية والترفيهية.
4ـ مكان صناعة القربان: مكانٌ داخل الكنيسة أو ملحق الكنيسة مجهزٌ لصناعة القربان، ومستوفٍ لكافة الاشتراطات الصحية ومعايير السلامة والأمان على النحو المحدد بالقانون “.
تعريف الكنيسة
وفقًا لهذه المادة ولما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة رقم (2) من ذات مشروع القانون من أنه: “و يجوز أن تضم الكنيسة أكثر من هيكلٍ أو منبرٍ وأكثر من صحنٍ وقاعة معمودية ومنارة”, يمكننا تعريف الكنيسة بأنها: مبنًي مستقلٌ محاطٌ بسورٍ، تُمارَس فيه الصلاة والشعائر الدينية للمسيحيين على نحوٍ منتظمٍ، يتكون من طابقٍ واحدٍ أو أكثر وله سقفٌ واحدٌ أو أكثر، ويجوز أن يشمل على منارةٍ وصحنٍ ومنبرٍ أو هيكل وصحنٍ وقاعة معموديةٍ أو أكثر .
ومن هذا التعريف يتضح أن مشروع القانون المقترح قد اشترط في الكنيسة عدة شروطٍ تطلب توافرها مجتمعةً:
1ـ أن تكون مبنًى مستقلًا قائمًا بذاته، فإن لم تكن كذلك بأن كانت جزءًا أو طابقًا في مبنى فإنها لا تكون ـ وفقًا لهذا الشرط ـ من عداد الكنائس التى تخضع لأحكام مشروع القانون آنف الذكر.
2ـ أن تُمارَس فيها الصلاة والشعائر الدينية للمسيحيين، فلا يكون المكان الذى تمارس فيه الصلاة فقط أو الشعائر الدينية المسيحية فقط من عداد الكنائس التى تخضع لأحكام مشروع القانون آنف الذكر إذ ينبغى ــ وفقًا لهذا الشرط ـ أن تقترن الصلاة بممارسة الشعائر الدينية فيها معًا .
3ـ أن تكون ممارسة الصلاة والشعائر الدينية قائمةً على نحوٍ منتظمٍ أى بشكلٍ مستمرٍ في المواعيد المقررة للصلاة ولإقامة الشعائر الخاصة بالدين المسيحىِّ .
ويتناول التعريف السابق ثلاثة أحوالٍ للكنائس:
أ ـ الكنائس القائمة المرخص ببنائها: إذا افتقدت إحدى الكنائس القائمة بالفعل والمرخص ببنائها واحدًا من هذه الشروط أو أكثر فإنها لا تكون من عداد الكنائس التى تخضع لأحكام مشروع القانون المقترح، ويترتب على ذلك أنه في حالة طلب الترخيص بترميمها أو بتعليتها أو بتوسعتها بإحلالها وتجديدها فإن ذلك الطلب سيجابه من قبل جهة الإدارة بالرفض لافتقاد المبنى الذى يُرَاد الترخيص بإجراء مثل هذه الأعمال فيه لوصف الكنيسة.
ب ـ الكنائس القائمة غير المرخص ببنائها: أما بالنسبة للكنائس القائمة بالفعل والتى لم يُرخَص ببنائها بعدُ فإنها إذا افتقدت واحدًا من هذه الشروط أو أكثر فإنه لن يكون من الجائز ـ قانونًا ـ ترخيصها أو توفيق أوضاعها وفقًا للقواعد المقررة وقت إنشائها أو بعد إصدار مشروع القانون المشار إليه وسريان أحكامه لانحسار وصف الكنيسة عنها وفقًا للتعريف سالف البيان.
ج ـ الكنائس الجديدة التى يُراد الترخيص ببنائها: وفي حالة طلب الترخيص بإنشاء كنائس جديدة تفتقر إلى واحدٍ أو أكثر من هذه الشروط ، فإن طلب الترخيص سيجابه بالرفض من جهة الإدارة.
تعريف ملحقات الكنيسة:
-ملحق الكنيسة هو كل مبنًي للكنيسة يُقَام داخل نطاق سورها، ويشمل بحسب الاحتياج على الأماكن اللازمة لقيام الكنيسة بخدماتها الدينية وادارتها.
ـ وفقًا لهذا التعريف ـ وبإعمال مفهوم المخالفة ـ يخرج عن وصف ملحق الكنيسة كلُّ مبنًى يُنشَأ خارج سورها أيًا ما كان مسماه أو الغرض من إنشائه.
ـ مكان صناعة القربان الذى ورد تعريفه بالبند رقم (4) من هذه المادة على أنه ” مكانٌ داخل الكنيسة أو ملحق الكنيسة مجهزٌ لصناعة القربان، ومستوفٍ لكافة الاشتراطات الصحية ومعايير السلامة والأمان على النحو المحدد بالقانون. ” يُعتبَر إما جزءًا من الكنيسة في حال إقامته داخل مبناها وإما واحدًا من ملحقاتها في حال إقامته داخل سورها، ولا يجوز الترخيص بإنشائه خارج الكنيسة أو خارج أسوارها.
ـ بيت الخلوة الذى ورد تعريفه بالبند رقم (3) من هذه المادة على أنه ” مبنًى للكنيسة يشمل على أماكن للإقامة وأماكن لممارسة الأنشطة الروحية والثقافية والترفيهية” لا يُعتبَر ـ وفقًا لهذا التعريف ـ من ملحقات الكنيسة ما لم يكن مبنيًّا داخل سورها، ويجوز الترخيص بإنشائه في أىِّ مكانٍ آخر خارج سور الكنيسة.
مساحة الكنيسة:
لم يضع مشروع القانون محل الدراسة حدودًا دنيا أو قصوى لمساحات الكنائس وملحقاتها ومحلاتها التى يُطلَب الترخيص ببنائها إذ أورد بالمادة رقم (2) النص على أن: ” يُرَاعى أن تكون مساحة الكنيسة المطلوب الترخيص ببنائها وملحق الكنيسة على نحو يتناسب مع عدد وحاجة المواطنين المسيحيين في المنطقة التي تُقام بها، مع مراعاة معدلات النمو السكاني “.
فقد وضعت هذه المادة معيارين:
1ـ عدد المواطنين المسيحيين في المنطقة التى ستقام بها الكنيسة ومعدلات نموهم السكانىِّ, وفي ظل سياسة عدم الشفافية التى تنتهجها الحكومات المتعاقبة في مصر إزاء الكشف عن إجمالى العدد الإجمالىِّ للمسيحيين الذين يقطنون أراضى الدولة ككل أو تبيان التوزيع الجغرافىِّ لهم في القرى والأحياء والمراكز والمدن والمحافظات ومعدلات نموهم السكانىِّ بكلٍ منها على حده، فإن هذا المعيار يصبح مفرغًا من مضمونه تمامًا؛ ذلك أنه يُخضِع تحديد مساحات الكنائس الجديدة التى يُرَاد بناؤها لمطلق إرادة جهة الإدارة، إذ إنه بحسْب المختص بإصدار التراخيص أن يرتكن إلى أن أعداد المسيحيين القاطنين بالمنطقة التى يُرَاد بناء الكنيسة فيها أو معدلات نموهم السكانىِّ بها من القلة بمكانٍ بحيث لا تتناسب مع المساحة المطلوب الترخيص بها ليجبر طالب الترخيص على الانتقاص منها دون أن يتسنى للأخير تفنيد مزاعمه والرد عليها .
2ـ تناسب مساحة الكنيسة مع حاجة المسيحيين في منطقةٍ معينةٍ, وهذا المعيار أيضًا من الإبهام والإجمال بما يحتاج إلى توضيحٍ وتفصيلٍ؛ ذلك أنه لم يُعرِّف معنى لفظة “الحاجة ” التى تتحدد بمقتضاها مساحات الكنائس التى يُرَاد بناؤها، ولم يبين كيفية تحديد مقدارها والحد الذى تكون فيه موجبةً لإصدار الترخيص، وبالتالى فإن إعمال ذلك المعيار يخضع ـ أيضًا ـ لمطلق إرادة جهة الإدارة، وبحسْب المختص بإصدار التراخيص أن يرتكن إلى أنعدام أو ضعف الحاجة إلى بناء الكنيسة بالمساحة المطلوب الترخيص بها في المنطقة التى يُراد بناؤها فيها ليجبر طالب الترخيص على الانتقاص منها دون أن يتسنى للأخير تفنيد مزاعمه والرد عليها .
ومن ناحيةٍ أخرى, فإن المعيار القائم على الحاجة إلى إقامة الكنيسة في منطقةٍ معينةٍ بمساحةٍ معينةٍ تتناسب مع هذه الحاجة يتعارض مع المعيار القائم على أساس عدد المواطنين المسيحيين فيها ومعدلات نموهم السكانىِّ بها؛ ذلك أنه حتى في حالة ثبوت الكثاقة السكانية العالية للمواطنيين المسيحيين في منطقةٍ معينة على وجه اليقين فإنه لن يتسنى لهم بناء الكنيسة بالمساحة التى تتناسب مع أعدادهم بها طالما ارتكن المختص بإصدار التراخيص وفقًا لسلطته المطلقة في هذا الصدد إلى أن حاجة المسيحيين بتلك المنطقة لا تقتضى إقامة الكنيسة على المساحة المطلوب الترخيص بها, فلا يكون أمام طالب الترخيص إلا الالتزام بالمساحة المفروضة عليه دون أن يتسنى له تفنيد مزاعمه والرد عليها.
رئيس محكمة المنصورة الابتدائية ـ المستشار القانونى للبرلمان المصرى بالخارج
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات