وافق “برلمان التحية العسكرية”, المسمى مجلس النواب المصري، أمس من حيث المبدأ على تعديل قانون «هيئة الرقابة الإدارية»، ما يعني فتح الطريق لتعديلات تُطيح باستقلالية الهيئة الرقابية، وتنقل تبعيتها إلى رئيس سلطة الانقلاب العسكري؛ عبد الفتاح السيسي.
وأعلن رئيس «ائتلاف دعم مصر» (أكبر كتلة برلمانية!) تمسكه بالموافقة على مشروع القانون بحذافيره, وعدم أجراء أي تعديل على مشروع القانون الوارد من الحكومة، زاعمًا أن “التعديلات تصب في استقلالية الهيئة، بهدف تطويرها، وتأهيل العاملين بها”.
وقال رئيس البرلمان، علي عبد العال، إن إرجاء الموافقة النهائية على القانون إلى اليوم، جاء لعدم اكتمال نصاب التصويت بثلثي أعضاء البرلمان، اللازم للتشريعات المكملة للدستور.
وأضاف عبد العال أن التصويت بأغلبية ثلثي الأعضاء على التعديلات، سينعكس إيجاباً على واحدة من أهم الهيئات الرقابية، وفق قوله.
وكان رئيس اللجنة التشريعية في البرلمان، بهاء الدين أبوشقة، قد استعرض تقرير لجنته عن مشروع القانون، الذي نص على أن الرقابة الإدارية هيئة مستقلة تتبع رئيس الجمهورية، تكون لها الشخصية الاعتبارية، وتتمتع بالاستقلال الفني والمالي والإداري، بهدف منع الفساد، ومكافحته بكل صوره، واتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة للوقاية منه.
ونص مشروع القانون على أن يكون تعيين رئيس الهيئة بقرار من رئيس الجمهورية، بعد موافقة مجلس النواب بأغلبية أعضائه، لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة، ويكون تعيين نائب رئيس الهيئة بقرار من رئيس الجمهورية بناء على ترشيح رئيس الهيئة، على أن يجرى تعيين باقي أعضاء الهيئة، ونقلهم منها بقرار من رئيس الجمهورية، بناءً على عرض رئيس الهيئة.
وبحسب التعديلات الحكومية، فإن الهيئة ستتشكل من رئيس بدرجة وزير، ونائب بدرجة نائب وزير، وعدد كاف من الأعضاء، ويعامل رئيس الهيئة المعاملة المقررة للوزراء، ويعامل نائب رئيس الهيئة المعاملة المقررة لنواب الوزراء، مع إنشاء جهازين لمنع الفساد، ومكافحته، من بين أعضائها، ومركز متخصص تحت اسم «الأكاديمية الوطنية لمكافحة الفساد».
وتتضمن التعديلات مباشرة الهيئة اختصاصاتها في كل أجهزة الدولة، والهيئات العامة، والقطاع العام، وشركات قطاع الأعمال العام، وأي جهة أخرى تديرها أو تراقبها أو تشرف عليها الدولة، أو يسهم المال العام في رأس مالها، ووحدات القطاع الخاص التي تباشر أعمالاً لصالح الجهات المذكورة، عدا وزارة الدفاع وأجهزتها!
ومنحت التعديلات الهيئة حق الاستعانة برجال الشرطة، وبغيرهم من رجال الضبطية القضائية، وذوي الخبرة، دون الإخلال بقواعد الإجراءات والضمانات المتعلقة بالضبط أو القبض أو التفتيش المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية، مع جواز تعيين أعضائها عن طريق النقل من أجهزة الدولة، سواء كانت مدنية أو عسكرية، وفقاً لاحتياجات الهيئة.
وقائع فساد
وقد كشفت هيئة الرقابة الإدارية مؤخرا، عن العديد من قضايا الرشوة والفساد، آخرها ضبط حازم القويضى؛ محافظ حلوان الأسبق، لحصوله على سيارة مرسيدس قيمتها تقدر بنحو مليون جنيه، على سبيل الرشوة، من رئيس مجلس إدارة شركة بالمعادى، جنوب القاهرة، مقابل تسهيل الاستيلاء على قطعة أرض أملاك دولة، بالاشتراك مع مدير إدارة الأملاك بالمحافظة، وتخصيص قطعة الأرض التى تبلغ مساحتها 800 متر بشارع 9 بالمعادى لشركة سيارات، بدلا من طرحها بالمزاد أثناء فترة شغله منصب المحافظ.
وأعلنت الهيئة أنها تمكنت من ضبط “تشكيل عصابي ضم 12 مهندسًا وفنيًا بالوحدات المحلية والإدارة الزراعية لمركز ومدينة تمى الأمديد بمحافظة الدقهلية”، وسط دلتا النيل, أصدروا العديد من التراخيص المزورة، وارتكبوا جرائم تربيح الغير والتزوير والإضرار العمدي بالمال العام بما قيمته 15 مليون جنيه.
وضبطت الرقابة الإدارية، المهندس الاستشاري للاتحاد التعاوني لجمعيات الإسكان، عقب تقاضيه 1.8 مليون جنيه رشوة، مقابل اعتماد تنفيذ مشروعات جمعيات إسكان العاملين بالملاحة الجوية، والعاملين في القرى السياحية بالغردقة، والتطبيقيين، وذلك كجزء من مبلغ رشوة متفق عليه، قدره 35 مليون جنيه.
وقالت الهيئة، إنها ضبطت مدير المشتريات بوزارة التخطيط عقب تقاضيه رشوة 1.3 مليون جنيه من إحدى الشركات الموردة لأجهزة حواسب آلية ومعدات إلكترونية وكابلات للوزارة, مقابل تسريب معلومات عن عروض الشركات المنافسة وتسهيل صرف المستخلصات المالية التي تزيد قيمتها عن 100 مليون جنيه.
وضبطت الهيئة، رئيس قسم النساء والتوليد بمستشفى النساء والأطفال في جامعة المنيا، وأمين المخازن بذات المستشفى، بتهمة تسهيل استيلاء إحدى شركات الأدوية والمستحضرات الطبية والكيماوية على المال العام، بما قيمته 940 ألف جنيه.
وفي مؤشر على توسع نشاط الهيئة، سقط مدير عام المشروعات الصغيرة في أحد البنوك، وآخرين، بتهمة تقاضي مليوني جنيه على سبيل الرشوة، مقابل منح وتخصيص قروض بموجب مستندات مصطنعة، كما سقط مفتش آثار، بمحافظة الجيزة، بتهمة تقاضي مليون و150 ألف جنيه رشوة.
وتحت عنوان «سقوط أكبر شبكة دولية للاتجار فى الأعضاء البشرية»، برزت هيئة الرقابة الإدارية، على الساحة الإعلامية، بعد الكشف عن شبكة تضم مصريين وعربا، تقوم بالاتجار في الأعضاء البشرية، مقابل مبالغ مالية زهيدة في حين يحصلون هم على مبالغ مالية باهظة.
وصادرت الهيئة ملايين الدولارات والجنيهات لدى المتهمين من متحصلات الاتجار فى الأعضاء البشرية، ومن بين أعضاء الشبكة أساتذة وأطباء وأعضاء هيئة تمريض وأصحاب مراكز طبية ووسطاء وسماسرة.
علامات استفهام
لكن ثوب «الرقابة الإدارية» المزخرف بالثناء والإشادة، لوثته تجاوزات حقوقية في مقار الاحتجاز التابعة لها، والتي شهدت في ينايرالماضي، موت المستشار وائل شلبي؛ الأمين العام لمجلس الدولة منتحرا وفقًا للرواية الرسمية التي يُشكك الكثيرون في صحتها. وأكدت المصادر، أن شلبي لم ينتحر، مؤكدة أن جهة سيادية ضالعة في إنهاء حياته بشكل لا يثير الشكوك.
كما أنه من الشائع على نطاق واسع, أن الرقابة الإدارية لديها ملفات فساد كثيرة, لكنها لا تحرك إلا القليل جدا منها.
وعلى الرغم من دورها البارز في ترشيح الشخصيات العامة لتولي الحقائب الوزارية والمناصب العامة، فإنها أيضا قبضت على شخصيات كان قد سبق أن وافقت عليها، ومن أبرز القضايا التي كشفتها كانت قضية وزير الزراعة الأسبق صلاح هلال، الذي اُلقي القبض عليه من قبل الرقابة الإدارية في سبتمبر 2015 من ميدان التحرير، وسط القاهرة، بعد دقائق من تقديم استقالته.
وكان هلال قد عين وزيرا للزراعة في مارس 2015 بعد ترشيحه في عدد من التقارير الصادرة عن جهات رقابية، بينها هيئة الرقابة الإدارية.
ويحتفظ أرشيف الفساد في مصر، بالتهم المباشرة الموجهة لبعض القيادات السابقة في الهيئة نفسها، من بينهم اللواء هتلر طنطاوي؛ الرئيس الأسبق للرقابة الإدارية، المتهم باستغلال النفوذ للحصول على أراضٍ بغير وجه حق، كما قُدّمت بلاغات بحق اللواء محمد التهامي الرئيس الأسبق للرقابة الإدارية بتهمة التورط في فرم مستندات كانت تدين المخلوع حسني مبارك؛ ما دفع بالرئيس محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب في البلاد، إلى إقالته من منصبه، لكن البلاغات المقدمة ضده لم تنته إلى شئ، بل كوفئ بأن عُيّنَ رئيسًا للمخابرات العامة في عهد عدلي منصور، عقب الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013.
وأسست الرقابة الإدارية عام 1964 كهيئة رقابية مستقلة، قبل أن يحلها الرئيس الأسبق أنور السادات عام 1980، ثم عادت للعمل عام 1982 مع بداية عهد حسني مبارك، لتطلق يدها وفق إرادة ساكن القصر الجمهوري.
وتختص هيئة الرقابة الإدارية، وهي جهة استخبارات مدنية، بالكشف عن المخالفات الإدارية والمالية والفنية التي تقع من العاملين في الدولة، وضبط الجرائم الجنائية التي تقع من غير العاملين، بالإضافة إلى بحث الشكاوى التى يقدمها المواطنون عن مخالفة القوانين أو الإهمال.
ولها حق الاطلاع والتحفظ على البيانات والمستندات بالجهات, وترفع تقاريرها بنتيجة تحرياتها وأبحاثها ومقترحاتها لرئيس الوزراء والوزراء والمحافظين، وكذا جهات التحقيق المختصة لاتخاذ ما يرونه بشأنها.
وتوسعت صلاحيات «الرقابة الإدارية» في الشهور الأخيرة، مع الأخذ في الاعتبار أن معظم العاملين في الهيئة ضباط جيش في الأساس، حيث باتت تقوم بمهام مؤسسات حكومية ورقابية وأمنية أخرى، بحسب مراقبين، وأعلنت عن كشف العديد من قضايا الفساد داخل مؤسسات الدولة.
ويقول مراقبون إن سر التنامي السريع في نفوذ الهيئة، يرجع إلى أن مصطفى, نجل الجنرال السيسي يعمل ضابطا فيها، ولذلك يتم تجميل «هيئة الرقابة الإدارية» من قبل الإعلام وباقي أجهزة الدولة المختلفة إرضاء للجنرال، خصوصا أن اسم نجله ذكر في أكثر من قضية تم كشفها باعتباره محارب الفساد!
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات