مفارقات سعودية .. اعتقال حقوقي والقاضي الذي حكم عليه!

مفارقة غريبة جرت في السعودية ..
فبعد أن كشفت منظمة «العفو الدولية»، أن السلطات السعودية ألقت القبض على ناشطين اثنين من المدافعين عن حقوق الإنسان في المملكة، هما عبد العزيز الشبيلي وعيسى الحامد، وهما من الأعضاء المؤسسين لجمعية الحقوق المدنية والسياسية في السعودية.
كشف المغرد السعودي «مجتهد» أنه تم اعتقال عدد من القضاة من بينهم رئيس المحكمة الجزائية المتخصصة محمد بن عثمان الزهراني، وهو الذي حكم على الشبيلي بـ8 سنوات سجن ومثلها منع سفر!
ويعد الشبيلي من أبرز الناشطين على شبكات التواصل الإجتماعي في الدعوة إلى الإصلاح والدفاع عن حقوق المواطنين في السعودية، وشارك في الدفاع نيابة عن عددٍ كبير من زملائه من أعضاء جمعية الحقوق المدنية والسياسية «حسم» في السعودية. ووصفت منظمات حقوقية الحملة بأنها تستهدف سحق الحركة الحقوقية في البلاد.
وشغل عيسى الحامد منصب رئيس جمعية «حسم» قبل حلها عام 2013، والتي طالبت الملك السعودي بتشكيل برلمان منتخب بصلاحيات أكبر, تمكنه من محاسبة المسؤولين.
وينتظر الشبيلي والحامد البت في الطعن على أحكام السجن التي صدرت ضدهما العام الماضي، في تهم بدءًا من الإساءة لأعلى هيئة دينية في المملكة ونشر أخبار كاذبة بهدف الإضرار بصورة الدولة.
سحق حقوق الإنسان
وقالت «سماح حديد» مديرة الحملات بالشرق الأوسط في منظمة «العفو الدولية»، في بيان «هذا وقت مظلم لحرية التعبير في السعودية… واقعتا الاعتقال أكدتا مخاوفنا من أن القيادة الجديدة بزعامة محمد بن سلمان عقدت العزم على سحق حركة حقوق الإنسان في المملكة».
وتأسست جمعية «الحقوق المدنية والسياسية – حسم» في السعودية عام 2009 ثم أغلقت في 2013, وزجت السلطات بأغلب أعضائها المؤسسين بالسجن منذ ذلك الحين.
وقالت «العفو الدولية» في بيانها، إن «مجتمع حقوق الإنسان الذي تحوطه المشكلات في السعودية عانى معاناة شديدة بالفعل على يد السلطات, ومع واقعتي الاعتقال الأخيرتين بات تقريبا جميع المدافعين البارزين عن حقوق الإنسان في البلاد في السجن بتهم وهمية متعلقة بالإرهاب».
وأضافت «هذان الناشطان السلميان تجب الإشادة بهما لشجاعتهما في الدفاع عن حقوق الإنسان وليس اعتقالهما وسجنهما».
وقد التحق الشبيلي، في عام 2010 بجمعية الحقوق المدنية والسياسية, ودافع عن أفراد احتجزوا تعسفيا لمدة أشهر وسنوات دون أن توجه لهم تهم، ووقع على بيانات عامة تدعو إلى إطلاق سراح المحتجزين تعسفيا، وتبني نظام ملكي دستوري، واحترام الحق في التجمع السلمي، والانتخاب الشعبي لأعضاء مجلس الشورى.
وفي 29 مايو 2016، أدانته المحكمة الجزائية المتخصصة، وحكمت عليه بالسجن 8 سنوات، ومنعته من السفر لنفس المدة، بسبب أنشطته السلمية.
وفي 10 يناير الماضي، أصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة حكما جديدا عليه بالسجن 8 سنوات، مع حظر سفر ومنع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنفس المدة، بعد الإفراج عنه.
وشملت التهم الموجهة إليه الدعوة والتحريض على مخالفة النظام العام؛ ووصف نظام الحكم بأنه نظام بوليسي؛ واشتراكه في جمعية غير مرخصة.
وفي أواخر يوليو الماضي، أيدت محكمة استئناف الحكم.

لم ينضموا إلى حملة التحريض الرسمية ضد قطر
وتعليقا على الحملة وما تتضمنه من مفارقات قال الكاتب السعودي المعروف، جمال خاشقجي، إن القاسم المشترك الوحيد الذي يجمع الشخصيات السعودية التي تعرّضت للاعتقال والملاحقة من قبل الأمن السعودي، مؤخرا، أنهم لم ينضموا إلى حملة التحريض الرسمية ضد قطر في وسائل الإعلام.
جاء ذلك في حديث مع صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، التي ذكرت أن الحملة التي تشنّها سلطات الأمن في المملكة أسفرت، حتى الآن، عن اعتقال أكثر من 30 شخصًا، بينهم رجال دين وصحفيون ومثقفون، وحتى ناشطات ومفكرات سعوديات أيضًا.
وأوضح خاشقجي، الموجود حاليًا في الولايات المتحدة، أن أيًا من المعتقلين لم يدع إلى إسقاط الحكومة السعودية أو القيام بأعمال متطرّفة.
وأضاف: أنهم الصامتون الذين رفضوا الانصياع وراء ركب الحملة الحكومية ضد قطر.. لقد رفضوا ذلك، لكنهم لم يتخذوا مواقف ضد الحكومة السعودية.
ووصف خاشقجي، حملة الاعتقالات بأنها عبث لا يوجد أي مبرر له، نافيًا ما يزعمه داعمو تلك الحملة من أن المعتقلين كانوا يخططون للقيام بأنشطة معادية لنظام آل سعود.
واستطرد الكاتب الصحفي السعودي: «لم تكن هناك أي مؤامرة. لم يكن هناك أي مبرر للاعتقالات؛ فجميع المستهدفين لا ينتمون إلى منظمة سياسية أو تيار معيّن، بل إنهم يعبّرون عن وجهات نظر مختلفة».
وذكرت «نيويورك تايمز» أن خاشقجي تلقّى تحذيرات بعدم العودة إلى المملكة في الوقت الراهن؛ حتى لا يتعرّض للاعتقال، خاصة أن السلطات السعودية منعت قبل أيام نشر مقالاته في صحيفة «الحياة».

قمع المعارضة الداخلية
في السياق ذاته، أكدت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية أن حملة القمع الواسعة والاعتقالات التي تشنها السلطات السعودية ضد الدعاة والرموز من مختلف الشرائح المجتمعية تستهدف «قطع دابر المعارضة الداخلية»، تمهيدًا للملك الشاب المرتقب.
ونقلت الصحيفة عن خاشقجي أيضًا قوله: «هذا لا يشبه أي شيء عاشه السعوديون من قبل، لقد أصبح الوضع خانقاً في الوطن، حتى بتُّ أخشى على نفسي».
وفي تعليقه على الوضع الاقتصادي والتحول المتوقع، أكد أن البلاد تمر بتغيير اقتصادي كبير يدعمه الشعب، وهو تغيير سيكون مؤلمًا وصعب التحقيق، وسيستلزم التكاتف والوحدة. بيد أنهم بدلًا من ذلك يروجون للترويع والتخويف.
من جانبهم رأى بعض المراقبين السعوديين والغربيين، الذين نقلت عنهم الصحيفة، أن الاعتقالات جزء من جهود يبذلها محمد بن سلمان، ليستجمع زمام القوة والسلطة في المملكة بين يديه.
وأوضحت الصحيفة أنه – في الأشهر الأخيرة – منعت الحكومة السعودية عدة أمراء من السفر خارج البلاد، حسب ما أدلى به عدة مقربين من العائلة المالكة، وكان منهم أخو الملك سلمان.
ونقلت عن مقربين من القصر الملكي، قولهم إن الملك سلمان ينوي فعلًا التخلي عن العرش لصالح ابنه، بيد أن زمن وتوقيت ذلك غير معروف بعد.
وقال أحد المستشارين في الحكومة إن بن سلمان قطعًا يتأهب لمنصب الملك، وهو يريد معالجة الجدل الداخلي الدائر حول توليه الحكم، ويريد التركيز على توطيد سلطته بدلًا من فعل كل ذلك، بينما يلهيه المعارضون.

دوافع سياسية وراء حملة الاعتقالات
من جانبها، ذكرت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، أن اعتقال عشرات الأشخاص، بينهم رجال دين بارزون، يبدو كأنه حملة قمع منسقة ضد معارضين.
وقالت مديرة قسم الشرق الأوسط في المنظمة «سارة ليا ويتسن»: «يبدو أن لهذه الاعتقالات دوافع سياسية»، مضيفة: «الاعتقالات علامة أخرى على أنه لا مصلحة حقيقية لولي العهد السعودي محمد بن سلمان في تحسين سجل بلاده في حرية التعبير وسيادة القانون».
وأوضحت أن الجهود التي يبذلها السعوديون لمعالجة ما أسمته التطرف ستضيع هباء إن بقيت الحكومة تسجن كل شخص بسبب وجهة نظره السياسية.
وأشارت المنظمة في بيان لها إلى أن السلطات السعودية لم تكشف عن أسباب محددة للاحتجاز، وأن الإجراءات السعودية ضد بعض الشخصيات تتناسب مع نمط انتهاكات حقوق الإنسان ضد المعارضين السلميين، بما في ذلك المضايقات والترهيب وحملات التشهير وحظر السفر والاحتجاز والملاحقة القضائية.
وأكدت أن الأحكام المستهجنة ضد الناشطين والمعارضين السلميين تظهر غياب أي تسامح من السعودية تجاه المواطنين الذين يعبرون عن آرائهم بخصوص حقوق الإنسان والإصلاح.
وقالت «هيومن رايتس ووتش»: إنه منذ عام 2014 حاكمت السلطات السعودية كل المعارضين تقريبا في المحكمة الجزائية المتخصصة؛ محكمة قضايا الإرهاب في السعودية.
ولفتت المنظمة إلى أن الرياض اعتقلت وحاكمت جميع الناشطين المرتبطين بجمعية «الحقوق المدنية والسياسية» (حسم) إحدى أولى المنظمات المدنية في السعودية، التي كانت تدعو إلى إصلاح سياسي واسع في تفسيرات الشريعة الإسلامية.
كما حلت محكمة سعودية المجموعة رسميا وحظرتها في مارس 2013، وواجه أعضاؤها اتهامات غامضة, بما فيها ذم السلطات وإهانة القضاء وتحريض الرأي العام وإهانة الزعماء الدينيين، والمشاركة في تأسيس جمعية غير مرخص لها، وانتهاك قانون جرائم المعلوماتية.
جدير بالذكر أن خاشقجي تعرّض في الأسابيع الماضية لحملة مضايقات وانتقادات في الإعلام الرسمي السعودي ومواقع التواصل الاجتماعي، بسبب دفاعه عن الإخوان المسلمين.
وبدأت الأجهزة الأمنية السعودية في 9 سبتمبرالجاري، حملة اعتقالات موسعة شملت أساتذة جامعات ومثقفين وكتابا واقتصاديين ودعاة ومحامين وشعراء وإعلاميين، في إطار حملة تستهدف فيما يبدو بعض الأصوات التي لها وجهات نظر مختلفة عن الحكم.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …