ارتفعت وتيرة السجالات داخل البرلمانات الديمقراطية مؤخراً، وهي برلمانات قليلة في الوطن العربي، وتتحسس طريقها، سيما في تونس، ويتصدر مثل هذه السجالات في بعض الأحيان ذوي التوجه الماركسي، رغم قلتهم داخل قبة البرلمان، إلا أن وتيرتهم قد ارتفعت على عكس تلك البرلمانات الشعبوية الأبوية الداجنة التي لم يتاح لهم فيها مجرد الحديث، لطالما كانت برلماناتهم وأقصد أنصار التيار الماركسي مختزلة لصالح الحزب الأوحد والصوت الأوحد قبل أن تتغلب عليهم الملكيات التي امتهنت إعادة تدويرهم.
لازالوا صبيان ولن يحسنوا فهم المعادلات المحلية والإقليمية والدولية، هذه الأنماط من النخبة المؤدلجة أصبحت تتصدر المشهد خدمتاً لروسيا أو بهدف الظهور وإرباك المشهد، وتصب جام غضبها ضد تركيا والموروث العثماني، وتجهل في قرارة نفسها طبيعة العلاقة الروسية التركية.
تتجاهل هذه النخب المتصبينه أن روسيا اليوم ليست روسيا السوفيتية، وليست روسيا رائدة ثورة لبروليتاريا، روسيا اليوم تبرم صفقات مع تركيا وتغازل عملاء أمريكا في الخليج العربي، وتبرم اتفاق مع الاحتلال الإسرائيلي حول الملف السوري وتخلت عن الحليف الإيراني في سوريا كما تخلت عن صدام حسين والقذافي، حتى روسيا في العهد السوفيتي هي ثاني دولة اعترفت بدولة الاحتلال الإسرائيلي عند إعلان قيام دولته.
لا يوجد مبرر لهذه النخب لكي تظهر عنتريتها في أروقة برلمانات وليدة، هل يعلم هذا العضو البرلماني المتعنتر أن مداخلاته تلاقي صداها لدى منابر الإعلام الخليجي والمصري والحفتري وتحتفل به؟، ذلك الإعلام الذي يعلم رواد الماركسية أنه إعلام رجعي وامبريالي، لكن تبدلت الألبسة وأصبحت تحتفل المنابر الإمبريالية بخطاب صبي مبتدئ من دعاة ثورة ليبروليتاريا وأصحاب شعارات الرجعية، ألا يوجد من دهاقنة الماركسية من يلجم هذا الصبي وغيره من رواد ذات المدرسة التي تاهت في دهاليز العولمة، لقد أفسدت العولمة كل شيء، حتى أن هذا المثقف الذي يعيش بعقل ماركسي لا أدري أنه يعلم أو لا يعلم عن دوره الخادم للعولمة.
لا يليق بهذه النخب المتصبينة أن تهاجم الموروث العثماني في تونس نتيجة تلك العلاقة التي يتمتع بها الأستاذ راشد الغنوشي رئيس البرلمان التونسي مع الرئيس التركي، وتجاهل هذا المبتدئ والطارئ على التاريخ والجغرافيا أن القائد العثماني سنان باشا عام ١٥٧٤م قد حرر تونس من الاحتلال الاسباني، وبدون الدور العثماني لربما أصبحت تونس وغيرها مثل مصير سبتة و مليلية.
تجاهل هذا المرتجل الدور الروسي في البلدان العربية، ولم يكلف نفسه أعباء البحث والتنقيب عن حقيقة هذا الدور المتناغم مع تل أبيب والقاهرة وبنغازي ودمشق وأبو ظبي أو الدور المتناغم مع الأمريكان، لم يبحث عن تلك الصفقة الخليجية مع الروس مقابل أن تبتعد روسيا عن دعمهما لصدام حسين، لا زال هذا المبتدئ يحلم بماضي السوفيت، بينما الخرائط والأيديولوجيات والنظريات قد تبدلت مراراً وتكراراً.
كما نجحت العولمة ومن خلفها الأمريكان في إعادة تدوير مخلفات العسكريتاريا والأنظمة السياسية نجحوا أيضاً في إعادة تدور هذه النخب واستغلالها، ولربما كانت أو مازالت وريثة للماسونية وتجلياتها ومحافلها وأساليبها القائمة على لعبة الأضداد في هذا الشرق الهائم.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات