كشفت مصادر مقربة من رئيس أركان الجيش المصري المقال، الفريق محمود حجازي، جانبا من الكواليس التي قد تقف وراء قرار الإقالة المفاجئ للرجل الثاني في جيش مصر، يتعلق جانب منها باتفاقية تنازل عبد الفتاح السيسي عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، وجانب آخر يتعلق بالتزام حجازي بأي مسار تتخذه القوات المسلحة دون النظر إلى التزامه العائلي تجاه عبدالفتاح الذي تجمعه به علاقة مصاهرة.
وقال مصدر مقرب من حجازي، إنه بعد قرابة ثلاثة أسابيع على إعفاءه من مهام منصبه العسكري الرفيع والحيوي، ومنحه منصب مستشار رئيس الجمهورية للتخطيط الاستراتيجي، دون صلاحيات محددة، فإن تحركاته تبدو محدودة للغاية, حسب موقع (مدى مصر) .
ووفق المصدر ذاته، فإن حجازي يشعر بالإهانة من الطريقة التي انتهت بها مهمته، والتي بدت كعقاب على ردة فعل متراخية في التعامل مع مجزرة الواحات، التي قتل فيها 58 شرطيًا يوم الجمعة 20 أكتوبر الماضي، أو بتحديد أكثر كعقاب لقيام قوات وزارة الداخلية بمهمة صحراوية دون تنسيق مسبق مع القوات المسلحة.
رئيس الأركان المقال، لم يتم تخصيص مكتب له لممارسة مهام عمله الجديد كمستشار للرئيس، ولا يعلم المصدر الذي طلب عدم الإفصاح عن هويته، ما هي المهام السياسية التي عهدت إليه، بحسب مدى مصر.
يذكر أن حجازي كان يتولى الملف الليبي, الذي يشمل التدخل المصري لدعم الجنرال المتمرد خليفة حفتر, وهو مسئول عن عدة هجمات بالطيران المصري على مواقع ليبية خلفت ضحايا مدنيين, كما أنه كان مدير المخابرات الحربية وقت التجهيز للانقلاب على الرئيس مرسي.
المصدر نفسه قال إن هناك بالفعل عملية تقسيم ثلاثي للملفات التي كان حجازي يتولاها، بين مساعد وزير الدفاع للعلاقات الخارجية، ورئيس المخابرات العامة، ووزير الخارجية، تحت الإشراف المباشر لمدير مكتب رئيس الجمهورية.
وكشف المصدر، عن أن هناك تعليمات ألا يتم إلقاء الكثير من الأضواء في الإعلام على العمل الذي يقوم به رئيس الأركان الجديد أو غيره ممَن تولوا ملفاته السابقة، وقال أيضًا إن هناك تنبيهًا بأن تتم مخاطبة رئيس الأركان الجديد باسم محمد فريد فقط، وليس محمد فريد حجازي، ربما منعا للبس، على حد قوله.
ويحمل خروج محمود حجازي من الدوائر العليا للحكم دلالات كثيرة حول الطريقة التي يتعاون بها السيسي مع المقربين منه من العسكريين والسياسيين.
قصة ظهور
كان لحجازي حضور واضح في الاجتماعات التي جرت في الأيام التالية لاندلاع ثورة 25 يناير 2011، وبخاصة في مؤتمر صحفي أعقب مظاهرات ماسبيرو، في 9 أكتوبر 2011، والتي راح ضحيتها 28 مواطنًا منهم 26 من الأقباط, ومع مظاهرات 30 يونيو 2013، المدبرة للتمهيد للانقلاب على د. محمد مرسي؛ الرئيس المدني الأول لمصر، حيث ظهر باعتباره المقرب من عبد الفتاح؛ الذي كان وزيرا للدفاع.
وبينما كانت هناك محاولات لطرح فكرة إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، تمهد الطريق لخروج الرئيس مرسي, كان حجازي، يرفض هذه الفكرة إذ كان معارضًا بشدة للسماح بمشاركة الإخوان في الانتخابات الرئاسية أو وصولهم للحكم، بحسب أحد المعاونين لمرشح رئاسي سابق في الانتخابات الرئاسية الأولى بعد الثورة عام 2012.
ويعد صاحب منصب رئيس الأركان الأقوى عسكريًا لأنه مَن بيده القدرة على الأمر بتحريك الدبابات، وزاد على ذلك بالنسبة لحجازي صلة المصاهرة التي جمعته بعبد الفتاح؛ إذ تزوج ابن السيسي؛ محمود، داليا؛ ابنة رئيس الأركان، وربما كان ذلك سبب اختياره قائدًا للأركان.
محلل قريب من الدوائر العسكرية، قال إن حجازي كان الأقرب للسيسي وكان يلتقيه منفردًا على الأقل مرة كل أسبوع، مما كان يثير غيرة الجميع، واتفق مع هذا التقدير سفير أوروبي قال: الرجل أقوى من وزير الدفاع فيما يتعلق بعلاقته مع السيسي، يمكنني أن أؤكد ذلك بدون تردد، وهذا يتضح في الكثير من التعاملات المباشرة.
ميدفيديف وبوتين
مصدر عسكري، خرج من الخدمة، يعرف حجازي عن قرب، قال عنه إنه لم يكن لينحاز بعيدًا عمّا يقرره أغلب قيادات القوات المسلحة، ويقال إنه أبلغ من يثق بأنهم يشعرون بقلق إزاء خيارات السيسي، خاصة في التعاطي مع قضية التنازل عن تيران وصنافير بأن انتماءه العائلي لن يحول دون التزامه بأي مسار تختاره القوات المسلحة في أي لحظة.
اللافت أن كثيرا من المسؤولين الغربيين الذين التقوا حجازي في السابق كانوا يخرجون بتساؤل حول حقيقة طموحه الذي ربما يطرح نفسه كبديل محتمل، بحسب سفير أوروبي.
السفير نفسه قال إنه يسمع كثيرًا من بعض مَن يلتقيهم في القاهرة أن السيسي ربما ينظر إلى حجازي باعتباره ميدفيديف، أي رئيس الوزراء الروسي الذي جاء به الرئيس بوتين في عام 2008 محللًا لحين عودته ثانيةً لرئاسة البلاد حيث يمنع الدستور الروسي الترشح لفترة رئاسة ثالثة متتالية، فأصبح رئيس الوزراء رئيسًا ثم عاد بوتين للرئاسة بعد انتهاء فترة ميدفيديف في عام 2012, ولكن السفير أضاف أنه شخصيًا يستبعد ذلك، لأن حجازي لا يقبل أن يكون بديلًا مؤقتًا.
التهميش والإقالة
وقت أن كان حجازي في منصبه, كانت مهامه تتسع على المستوى السياسي والعسكري، من قبيل الإشراف على أعمال المخابرات العسكرية، والأوضاع في سيناء، والتدخل الأمني والسياسي في ليبيا، وملف العلاقات مع الولايات المتحدة .
ولكن الأمر تغير وبدأت عملية تهميشه، مع تعيين محمد الشحات رئيسا للمخابرات الحربية، وأسامة عسكر مساعدًا للقائد العام للقوات المسلحة لشؤون تنمية سيناء.
كان حجازي في زيارة للولايات المتحدة لحضور اجتماع لرؤساء أركان التحالف ذد الإرهاب, وحين عاد للقاهرة طلب منه على الفور التوجه للقاء عبد الفتاح حيث تم إبلاغه بعزله من منصبه, وذلك قبل الإعلان الرسمي يوم السبت 29 أكتوبر الماضي.
علاقة الإقالة بحادث الواحات ما زالت ملتبسة, إذ يقول مصدر حكومي إن مَن قام بتسريب التسجيل الصوتي الذي أذاعه أحمد موسى، بما فيه من إشارة لتأخر الطيران في مساعدة دورية الشرطة، أراد إلقاء اللوم على القوات المسلحة، ويبدو أن وزير الداخلية تمكن من إثبات ذلك.
لكن مصدرا قال إنه لا يمكن القول إن حجازي ذهب بسبب ما حدث في الواحات، بعد أربع سنوات من حوادث لا تقل إزعاجًا تحدث في سيناء, وربما يتعلق الأمر بجزيرتي تيران وصنافير؛ إذ رفض حجازي عقد لقاءات ثنائية مع مسؤولين سعوديين رفيعي المستوى زاروا القاهرة للنقاش حول تفاصيل إتمام نقل جزيرة تيران بعد أن تم الانتهاء من نقل جزيرة صنافير, فقد يكون رفض التورط في أمرٍ يعلم أنه مرفوض داخل صفوف القوات المسلحة, ولو تغير الواقع السياسي في مصر بعد سنوات فإن صفقة تيران وصنافير قد تكون محل مساءلة قانونية، وهو وضع لا يريد أن يضع نفسه فيه.
مصدر حكومي، قال إن ما حدث مع حجازي يعد تحذيرًا لكل من يتصور أن السيسي يتردد في التخلص من أي من معاونيه دون أي اعتبار لأي صلات شخصية أو علاقة العمل سابقة, مذكرًا بواقعة التخلص من محمد التهامي، رئيس المخابرات العامة السابق، الذي كان محل ثقة عبد الفتاح, والشيء المؤكد أن معظم من أحاطوا بالسيسي عند وصوله إلى السلطة، أصبحوا تقريبًا خارج الدائرة المباشرة عدا وزير الدفاع ومدير مكتب السيسي, حتى لو احتفظ بعضهم بمناصب رسمية.
الحلقة المحيطة بـالسيسي تضم الآن عباس كامل، رئيس مكتبه، وخالد فوزي، رئيس المخابرات العامة، ومحمد سعيد العصار، وزير الإنتاج الحربي المشارك لرئيس الوزراء شريف إسماعيل في مهامه!!، ومحمد فرج الشحات، مدير المخابرات الحربية، ووزير الدفاع، صدقي صبحي, المحصّن من العزل وفق دستور الانقلاب.
النقطة التي يتفق عليها كثيرون أن إقالة حجازي إشارة إلى أن السيسي ما زال في طور التخلص من الذين كانوا إلى جانبه في رحلة صعوده إلى السلطة الغاشمة التي بدأت في صيف 2012.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات