موفق السباعي يكتب: بين الإفراط في التفاؤل والإحباط

التفاؤل صفة عظيمة الأهمية, وسجيةٌ عالية القيمة وذات شأن جليل في حياة الإنسانية.

إنه الصفة الإيجابية الدافعة للقيام بعظائم الأمور في الحياة.

إنه قلب الحياة النابض الذي يضخ الدم غير المرئي في شرايين جسم الإنسان ويغذي خلاياه بالطاقة والقوة التي تبقيه على قيد الحياة.

إنه المنارة التي تضيء درب السالكين في أتون الحياة المظلم.

إنه الطاقة والقوة التي يستعين بها الإنسان للتغلب على صعاب الحياة واختباراتها القاسية المريرة.

بدون التفاؤل تصبح الحياة كئيبة قاتمة, ويُشل عمل التفكير لدى الإنسان ويصبح محطما عاجزاً.

ولكن المصيبة الكبرى في الإفراط في التفاؤل!

مع الإفراط والمبالغة والتضخيم, يتحول التفاؤل إلى أماني عِذاب.. وأحلام وردية.. وتمنيات جميلة!

وخاصة إذا لم يترافق هذا الإفراط  بالعمل الجدي وبالتخطيط والإعداد والسعي الحقيقي, فإنه حينئذ يتحول إلى كارثة كبيرة تؤدي إلى الإحباط, بل, أشد من ذلك يتحول إلى اليأس والقنوط..

وقد يصبح نوعاً من الكذب والخداع والتضليل والضحك على الذقون وعلى الناس.

إنه يعطي صورة وهمية لما سيحدث في المستقبل فتتعلق بها النفوس وترنو إليها الأنظار, فيخف العمل ويضعف الجهاد.. ويخيم الخمول والجمود على الناس, مطمئنين إلى أن المستقبل سيكون حلواً جميلاً,  اعتمادا على الأماني العِذاب.

فتصاب النفوس بالغرور والعجب والإهمال والتهاون.. في تنفيذ المسؤوليات.

ولا أدل على صدق ذلك.. مما حدث عند فك الحصار عن حلب في المرة الأولى قبل أشهر.

أخذ الناس يرقصون ويغنونّ, ويطلبون إقامة الولائم

ولما اعترضت على هذه التصرفات جاءتني قذائف من السباب والشتائم!

وكانت النتيجة البئيسة الحزينة, عودة الحصار من جديد, بعد أيام لما أصاب المقاتلين من استرخاء وغرور.    

ما جرى مع الثورة السورية البريئة العظيمة السامية عبارة عن عرض.. وتقديم.. وتجريب كل الأفكار المبتسرة الطفولية اللقيطة من هنا وهناك,  إضافة إلى تجريب كل الأسلحة الجديدة الروسية والإيرانية والأمريكية والصينية وغيرها في أجساد أهل سورية.

تداعى كل الخطباء والدعاة والمشايخ.. وكل من حفظ آية أو حديثاً.. أو رأى رؤيا أو حلم حلماً.. ليتحدث إلى السوريين ويفتش في الأحاديث الشريفة التي تتكلم عن آخر الزمان وعن فضل الشام ليعرضها على الملأ.. ويسقطها على الواقع الحالي, مدعياً أنها تطابق هذا الواقع.. مستغلاً حماس الناس واندفاعهم ومشاركتهم القوية الفعالة بالثورة.

وبأن النصر.. لا محالة قادم.. بعد أيام.. أو أسابيع قليلة.

 بل كانوا يحلفون الأيمان المغلظة أن نهاية بشار أضحت قريبة جداً.. وستكون شنيعة.. أشنع من نهاية القذافي وأفظع من نهاية هتلر.

وانتظر الناس المخدوعون بكلام أئمة الخطابة أسابيع وأشهراً وسنوات.. ولم يحصل شيء.

فأصاب الناسَ الإحباط والفتور إلا ما رحم الله.. وهم قليل.

فقد كان عدد النشطاء والعاملين في مختلف مجالات الثورة بالألوف في بداية الثورة ثم أصبحوا بالمئات.. ثم أصبحوا بالعشرات.. ثم أصبحوا بالآحاد.

وبعدها انسحب أئمة الجهالة من المشهد ولم يعودوا يتجرأون أن يتكلموا بكلمة واحدة بعد أن خدعوا الناس وأوقدوا فيهم الحماسة القوية المبتورة عن سنن الله الثابتة.

إن الأحاديث الشريفة معظمها صحيحة, ولكن لا يجوز لأي إنسان أن يكذب على الله وعلى رسوله فيدعي أنها تطابق الواقع الحالي, وأن القيامة أوشكت أن تقوم غداً أو بعد غد.

من أنبأه بهذا؟

أيعلم الغيب؟

أيعلم أن هذه الأيام هي نهاية العالم؟

هذا رجم بالغيب وتنزيل الأحاديث الشريفة في غير موضعها.

إذا كانت بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم هي إحدى علامات يوم القيامة كما ورد في الحديث الصحيح: ( عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ – قَالَ : ” مَثَلِي وَمَثَلُ السَّاعَةِ كَهَاتَيْنِ ”  وَفَرَّقَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ ).

وهذا أكثر من 1400 سنة فكم ألف سنة أخرى تحتاج.. حتى تقوم الساعة؟

 ( يَسۡ‍َٔلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِۚ).. خاصة وأن اليوم عند الله كألف سنة مما يعد الناس.

فالله تعالى تكفل بالشام حقاً وصدقاً منذ أكثر من 1400 سنة, وهي أرض مباركة, وأجنحة الملائكة تحفها وترعاها.

لا شك في ذلك.. ولا ريب, ولكنها لا تخبرنا أنها تمنع من تسلط المجرمين عليها أو تمنع من قتل أهلها وسفك دمائهم وانتهاك أعراضهم.

وقد حصلت مجازر في الشام أثناء غزوها من قبل هولاكو وتيمورلنك زعيمي التتار وأثناء احتلال الصليبيين ما تشيب لهوله الولدان أشنع وأفظع.. مما يحدث الآن.

وهذا ليس للتهوين مما يحدث الآن أو لتبرئة المجرمين.. معاذ الله.

ولكن فقط للمقارنة.

ففي اليوم الواحد كان يُقتل مائة ألف إنسان وتُقطع رؤوسهم ويُبنى بها أبراج ومنارات!

أثناء مرور هولاكو بدمشق أباحها لجنوده ثلاثة أيام لم يتركوا بيتاً إلا وحرقوه ولم يتركوا إمرأة إلا واغتصبوها.

ونفس الشيء تكرر أيام تيمورلنك الذي مر أيضاً بحلب مرتين أثناء عبوره إلى الأناضول للقضاء على السلطان بايزيد ثم في العودة إلى دمشق وفي كل مرة كان يقتل ويخرب ويغتصب.

نعم, لقد مرت على الشام في الأيام السابقة أيام أشد سواداً وأحلك ظلمةً.. وأكثر هولاً من الآن.

ولم تمنع بركة الشام حصولها, بل لم تمنع القرامطة من دخول الحرم المكي. الذي هو أشد قدسية من الشام وقتل عشرين ألفاً من الحجاج واقتلاع الحجر الأسود وتغييبه عن الكعبة عشرين سنة..

بل أشد من هذا عظة وعبرة؛ أليس الأنبياء أكرم الخلق على الله؟

هل منعت كرامتهم عند الله من قتلهم؟

إن الذي يتغافل عن سنن الله وقوانينه الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل ولا تتعامل مع البشر.. بالعاطفة ولا المجاملة.. ولا تميز بين مسلم ولا كافر.

فالذي يواجه الدبابة بمسدس لا يستطيع أن يدمرها ولو كان وليًا أو تقيًا.

وكذلك الذي يستخدم رشاشاً ليسقط طائرة فإنه عاجز عن إسقاطها.

قد تحصل كرامة أو معجزة لشخص ما أو لنبي مرة ولكن لن تتكرر كل مرة.

فالنبي يونس عليه السلام التقمه الحوت كما يلتقم كل الناس.. ولم تشفع له نبوته!

وكذلك الذي يجهل أبجديات التخطيط العسكري ولا يعرف أن يضع خطة لمواجهة العدو, ويقاتله ارتجاليا ويرفض الاستعانة بعلوم الضابط العسكري.. الخبير بالإستراتيجية – غروراً- سيفشل ولو كان من أتقى الأتقياء.

أي شخص يتحدث إلى الناس بقصد تحميسهم وتنشيطهم إلى العمل والقتال.. ورفع معنوياتهم ويتغافل عن ذكر السنن الكونية الثابتة, فهو مخادع.. ومضلل.

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …