سلطت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، الضوء على مقاطعة المسلمين للمنتجات الفرنسية، إثر إصرار إيمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي، على الاستمرار في نشر الرسوم المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم.
فتحت عنوان “دفاع فرنسا المُتشدِّد عن كاريكاتير النبي محمد قد يقودها إلى فخ”، تناولت الصيحفة تاريخ الجمهورية الفرنسية في التعامل رسمياً مع نشر تلك الرسوم، التي سبّبت حالة من الغضب العارم في العالم الإسلامي عند نشرها أول مرة في الدنمارك قبل 15 عاماً.
وتقول الصحيفة، إنه حين أعادت المجلة الفرنسية الساخرة شارلي إيبدو الكاريكاتيرات التي تصوِّر النبي محمد “صلى الله عليه وسلم” في مطلع سبتمبر/أيلول، حفَّزَت سلسلةً من الأحداث التي اشتملت على عمليتيّ طعن، واحتجاجاتٍ في الدول المسلمة، ومقاطعةٍ للبضائع الفرنسية، ونقدٍ من جانب حلفاء فرنسا. وتصاعَدَت التوتُّرات بصورةٍ أكبر حين ذَبَحَ مُعلِّم فرنسي بالقرب من باريس في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ونَحَرَ شخصان وسدَّدَ طعنةً قاتلةً لثالث، داخل كنيسة في مدينة نيس الجنوبية هذا الأسبوع.
لكن المسؤولين الفرنسيين لم يدافعوا فحسب عن حقِّ إعادة نشر الكاريكاتيرات، بل تمادى بعضهم إلى أبعد من ذلك، بما يشمل إعلان بعض القادة الإقليميين أن كتاباً يحوي هذه الصور سوف يُسلَّم لطلاب المدارس العليا، في إطار الالتزام بـ”الدفاع عن قيم الجمهورية”.
وعلى مدار التاريخ المُعذَّب للرسوم الكاريكاتيرية في فرنسا طيلة 14 عاماً، شهد الردُّ على الصور هناك تحوُّلاً كبيراً. أُدينَت من قبل هذه الرسومات من جانب رئيس الدولة، لاستفزازها وعدم احترامها للمسلمين، ثم بعد ذلك ابتَعَدَ المسؤولون عنها بمسافةٍ حذِرة، ثم تبنَّت المؤسَّسة السياسية هذه الرسومات اليوم بالكامل، وغالباً ما يُخلَط بينها وبين التزام فرنسا بحرية التعبير.
فرنسا في مأزق خطير
وضعت الرسوم الكاريكاتيرية فرنسا في مأزقٍ خطير، إذ وسَّعَت انقسامها مع الدول الإسلامية، وزرعت الشعور بالغربة لدى الكثير من المسلمين الفرنسيين. وبالنسبة للمسلمين خارج فرنسا، وبعض من في الداخل، تُعتَبَر الرسوم ببساطة مستفزة، ومهينة لدينهم بصورةٍ لا مبرِّر لها.
تعنت فرنسا
وتشديد دفاع فرنسا عن الصور فصلها حتى أيضاً عن الولايات المتحدة وغيرها من الديمقراطيات الغربية التي أصبحت أكثر حذراً -في مواجهة مجتمعاتٍ مُتنوِّعةٍ بشكلٍ متزايد- بشأن الحديث الذي قد يُعتَبَر هجومياً، بالأخص بالنسبة للأقليات العرقية أو الدينية أو غيرها. وينظر الكثير من الفرنسيين إلى هذه المواقف باعتبارها شكلاً من الصوابية السياسية الأمريكية التي تهدِّد الثقافة الفرنسية.
وفي يوم الجمعة، 30 أكتوبر/تشرين الأول، بعدما اتهم شابٌّ تونسي مهاجر، يبلغ من العمر 21 عاماً، بقتل ثلاثةَ أشخاصٍ في الكنيسة الرئيسية في نيس، أعلنت الشرطة أنها ألقت القبض على مُشتَبَه ثانٍ، وتجمَّع حوالي 50 شخصاً أمام الكنيسة إجلالاً للقتلى الثلاثة. وما بدأ باعتباره لحظةً من التضامن قاطعه شخصان من السكَّان المحليين الذين ألقوا باللائمة على الإسلام لوقوع هذه الهجمات، ودَعَتَ سيدةٌ مُحجَّبة المحتشدين إلى عدم الخلط بين المسلمين والإرهابيين.
وقال عمدة مدينة نيس إن الدستور لا بد أن يُعدَّل حتى يمكن لفرنسا أن “تشن حرباً” ضد المتطرِّفين “الإسلاميين” حسب زعمه.
وأعلن وزير داخلية فرنسا المُتشدِّد غيرالد دارمانان، بصورةٍ أوضح، قائلاً: “نحن في حرب ضد عدوٍ يكمن بالداخل والخارج على السواء”.
وتعكس لغة الدفاع هذه تشدُّداً شاملاً للرؤية الفرنسية للإسلام المتطرِّف. لقد وضع الدفاع الشرس عن الرسوم الكاريكاتيرية الفرنسيين في موقفٍ لا يتيح مجالاً كبيراً للمناورة، إذ يمكن أن يُنظَر إلى أيِّ حلٍّ وسط على أنه تقويضٌ لقيمةٍ أساسية؛ ألا وهي العلمانية الفرنسية الصارمة.
الرسوم تقود فرنسا إلى فخ
ويقول بيير هنري تافويلو، الفيلسوف والخبير في العلمانية الفرنسية بجامعة السوربون، إن الصراع حول الرسوم الكاريكاتيرية يقود فرنسا إلى “فخ”، مضيفاً: “في الواقع، لقد أصبحوا رموزاً، وهذا يحوِّل الموقف إلى صراع، لكنه صراعٌ حتميٌّ في رأيي: إذا تخلَّت علمانية فرنسا عن هذه النقطة، فسوف يتعيَّن عليها التخلي عن كلِّ النقاط الأخرى”، متابعاً: “إذا تخلّينا عن الكاريكاتيرات من أجل شخصٍ فرنسي، فسنتخلَّى بذلك عن حرية التعبير، حيث إمكانية انتقاد الأديان”.
وفي عام 2015، أدَّى الهجوم على شارلي إيبدو لمقتل 12 شخصاً -بمن فيهم رسامو كاريكاتير وكُتَّاب صحفيون- إلى تعبئةٍ عامة في فرنسا تحت شعار “أنا شارلي”، وانضمَّ مُمَثِّلون عن دولٍ مسلمة، مثل لبنان والجزائر وتونس والأردن وقطر، إلى المسيرة ضد الإرهاب، ومن أجل حرية التعبير، لكن كلَّ هذه الدول في الأيام الأخيرة أدانت إعادة نشر الكاريكاتيرات، بحجة أنها أساءت للمسلمين.
وكان مُحرِّرو شارلي إيبدو قد أعادوا نشر الكاريكاتيرات نفسها إيذاناً ببدء المحاكمة التي طال انتظارها لشركاءٍ مزعومين في هجوم العام 2015، قائلين إنهم يؤكِّدون على ديمقراطية فرنسا.
وأعقب إعادة النشر خطابٌ رفيع المستوى للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فصَّلَ فيه خططه لمكافحة الإسلاميين، والحملة الحكومية واسعة النطاق على من وصفهم بالأفراد والمنظمات الإسلامية، وهي خطواتٌ ساهمت في تغيير المنظور في الخارج.
وقالت آن غوديتشيلي، الخبيرة الفرنسية في شؤون العالم العربي التي عملت في وزارة الخارجية الفرنسية، إن “النشر وإعادة النشر ليسا نفس الشيء، إعادة النشر يُنظَر إليها باعتبارها إرادةً عنيدة لمواصلة الإذلال. وهذا يختلف عن العام 2015. الآن هناك شعورٌ بأن فرنسا لديها مشكلة مع الإسلام، بينما في العام 2015 كانت فرنسا ضحيةً للإرهابيين”.
وفصلت العلمانية الفرنسية الكنيسة عن الدولة، وكان ذلك مُتجذِّراً في قانونٍ رُسِّخَ في العام 1905، حين كانت فرنسا لا تزال تفتقر إلى مجتمعٍ مسلم ذي شأن، ويقول الفيلسوف تافويلو إن العلمانية الفرنسية استندت إلى فكرة أن الإيمان هو مسألة خاصة، وبالتالي يجب أن يقتصر على المجال الخاص.
وقال جان بوبيرو، المؤرِّخ البارز للعلمانية الفرنسية، إن الفكرة كانت إعطاء الأسبقية للدولة. وقال: “فرنسا الحديثة تعتبر أنها أقامت نفسها ضد الدين”، وتعزَّزَت العلمانية الفرنسية الصارمة بشكلٍ غير مباشر من خلال زيادة علمنة المجتمع الفرنسي. ووفقاً لتقريرٍ صدر عام 2016 عن معهد مونتين في باريس، يمارس 8% فقط من الفرنسيين شعائر دينهم بانتظام.
وقال بوبيرو إن طريقة عيش العلمانية وفرضها ازدادت تصلُّباً كردِّ فعلٍ على ارتفاع عدد المسلمين في فرنسا. ويشكِّل المسلمون اليوم 10% من سكَّان فرنسا، وهم أكثر تديُّناً بكثير من نظرائهم المسيحيين واليهود. وأفاد التقرير أيضاً أن 31% من المسلمين يتردَّدون على المساجد مرةً واحدةً على الأقل في الأسبوع.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات