لو وافق المجلس السيادي الحاكم في السودان حاليا على تسليم الرئيس السوداني السابق عمر البشير للمحكمة الجنائية الدولية، لمحاكمتهم بتهم تعذيب وقتل شعبه (جرائم دارفور)، فسوف تكون هذه اول سابقة من نوعها لمحاكمة رئيس عربي في لاهاي.
ولو أدانت المحكمة السودانية التي تحاكمه مع 27 شخصا آخرين حاليا بتهمة القيام بانقلاب عسكري عام 1989 على إدانتهم، فستصبح إدانة البشير هذه أيضا أول سابقة لأول محاكمة تجري لرئيس عربي متهم بالقيام بانقلاب في العالم العربي (العقوبة هي الاعدام)، ما سيجعل السودان يقلب المعايير العربية المعتادة.
ربما لهذا لا يتوقع خبراء السياسة أن تقوم ثنائي الحكم في السودان (المجلس العسكري والتيار اليساري ممثلا في “قوي الحرية والتغيير”)، بتسليم البشير لمحكمة لاهاي، لأن معني هذا أن تتكرر هذه السابقة مستقبلا، ويُحاكم قادة السودان الحاليين أنفسهم ويجري تسليمهم لـ “لاهاي”، خاصة أنهم كعسكريين لعبوا دورا في الحرب في دارفور.
ولا يتوقع من باب أولي أن يُحاكم البشير بتهمة الانقلاب، وإلا لحوكم رأس السلطة الحالي عبد الفتاح البرهان ايضا بتهمة الانقلاب علي البشير، ولحوكم المشير الراحل سوار الذهب لأنه قام بانقلاب على النميري، برغم أن السودانيون والعالم العربي والاسلامي ينظرون له باحترام وامتنان شديدين، وأقصي ما قد تذهب له المحكمة هو محاكمة عسكريين أخرين دون البشير وتوجيه تهمة أخري (ليست الانقلاب) للبشير لتبرير سجنه.
وهناك سبب اخر لعدم تسليم البشير للمحكمة الجنائية الدولية يتعلق برفض الاتحاد الافريقي التعاون مع هذه المحكمة أو تسليم البشير لها، والسخرية منها لأنها لا تحاكم سوي دول أفريقية وقادة أفارقه ولا تهتم بجرائم دول أخري ظاهرة للعيان.
خيارات محاكمة البشير الثلاثة
ربما لهذا قبلها أكد وزير العدل السوداني، نصر الدين عبد الباري، خلال مؤتمر صحفي، مشترك مع المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودا عقب لقاءها البرهان، أن الحكومة السودانية لديها عدة خيارات للتعاون مع المحكمة بشأن المتهمين بارتكاب جرائم حرب دارفور الأهلية، منها: تسليم البشير للجنائية الدولية لمحاكمته في لاهاي، أو محاكمته في السودان، أو تشكيل محكمة هجين مختلطة بين الحكومة السودانية والمحكمة الجنائية الدولية في السودان أيضا.
فلو كانت هناك نية لتسليم البشير، لتم تسليمه بالفعل عقب الانقلاب عليه والتخلص من عبء محاكمته في السودان، ولكن لأن البرهان وحميدتي ومن ساندوا انقلابهم ضد البشير، متهمون ايضا بالقيام بجرائم في دارفور بنفس منطق اتهام البشير، فقد جري رفض الامر في البداية ثم التسويف في ظل الضغوط الدولية والحديث عن 3 خيارات.
البرهان وحميدتي متهمان مثل البشير
فقد أكد المحلل السياسي السوداني “آدم جديد” لإذاعة مونت كارلو الدولية، أن زعيم المليشيا السوداني السابق “على كوشيب” أحد المتهمين بجرائم في دارفور، والذي سلم نفسه للمحكمة الجنائية في لاهاي، أخبره أن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة السوداني “كان ضالعاً في جرائم دارفور”.
ونقل عنه أن “المسؤولية تقع بالأساس على قادة كبار في القوات المسلحة والحكومة السودانية السابقة برئاسة عمر البشير”، وأن لديه مستندات لا تزال بحوزته تؤكد هذا، وتربط بشكل مباشر رئيس مجلس السيادة الحالي عبد الفتاح البرهان بأحداث دارفور.
أيضا محمد حمدان دقلو ويُلقب بـ “حميدتي”، نائب البرهان كان أحد قادة جماعات الجنجويد، وهي القوات التي تمت الاستعانة بها لقمع تمرد دارفور، وبالتالي ستوجه له ايضا الاتهامات ويُطلب محاكمته في لاهاي بنفس تهم البشير.
بل أن هناك مراقبون ومحللون سودانيون يؤكدون أن هناك قلق وتخوف من جانب البرهان وحميدتي وقادة عسكريين سودانيين أخرين مما قد يقوله “كوشيب” خلال محاكمته الدولية، وكشف وثائق تدين البرهان وحميدتي أيضا، لهذا يتوقعون ألا يجري تصعيد الامر لحد تسليم البشير، والاقتصار على محاكمة مطولة وممتدة للبشير بتهم جرائم في دارفور، كي لا يتم ادانتهم ايضا.
وفر كوشيب إلى جمهورية إفريقيا الوسطى في فبراير 2020 عندما أعلنت الحكومة السودانية الجديدة نيّتها التعاون مع تحقيق المحكمة الجنائية الدولية، ثم سلم نفسه للمحكمة الدولية، وتثار الكثير من التساؤلات في السودان عما يمكن أن يقوله القيادي في مليشيات الجنجويد، على كوشيب، أمام المحكمة الجنائية الدولية واحتمال تطرّقه لأدوار قيادات عسكرية في أعلى سدة الحكم حالياً في هذه الجرائم، ويهدّ المعبد على الجميع، ويورّط رفقاءه الذين شاركوه الحرب في دارفور، ومنهم رأس هرم السلطة الحالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، ونائبه الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي”، اللذين لم يكونا بعيدين عن الحرب في دارفور بعهد البشير.
وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية، في 2007 و2009 و2010 و2012، مذكرات اعتقال بحق كل من الرئيس السوداني السابق عمر البشير، ووزير الدفاع الأسبق عبد الرحيم حسين، ووزير الداخلية الأسبق أحمد محمد هارون، بتهم ارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في دارفور.
محكمة لأفريقيا فقط!
وترفض الدول الأفريقية تسليم البشير إلى الجنائية الدولية، وتقول إن سُمعتها سيئة لأنها تستهدف القارة الأفريقية فقط، حتى أن الاتحاد الأفريقي حث في وقت سابق الدول الأعضاء على عدم الامتثال للمحكمة وهددهم بعقوبات في حالة المخالفة.
وقد اصدرت الجنائية الدولية عدة أحكام خلصت إلى أن دول تشاد وملاوي والسودان وجيبوتي وأوغندا وجنوب أفريقيا، رفضوا تلبية طلبها باعتقال البشير ورفضوا التعاون معها.
وبالتالي، فإنه من شبه المؤكد أن السودان سيتكفّل بقضاياه، ويكتفي بمحاكمة البشير داخليًا، في إجراء من شأنه أن يحمي رؤساء الدول الأفريقية الأخرى من التعرض للمحاكمات في الخارج مستقبلًا.
وتأسّست الجنائية الدولية (تعد هيئة مستقلة عن الأمم المتحدة) بصفة قانونية عام 2002 بموجب “ميثاق روما” الذي صادقت عليه أكثر من 60 دولة، وبموجب “نظام روما الأساسي”، يُمكّن للمحكمة إصدار أحكام بشأن القضايا المعروضة عليها بغض النظر عن الصفة الرسمية للمتهمين، بما في ذلك رؤساء الدول السابقين والحاليين.
ويجب عدم الخلط ما بين المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية والتي تدعى اختصاراً في بعض الأحيان المحكمة الدولية (وهي ذراع تابع للأمم المتحدة يهدف لحل النزاعات بين الدول)، فهما نظامان قضائيان منفصلان.
لماذا تُحاكم المستضعفين وتمتنع عن المستكبرين؟
عندما نشأت المحكمة الجنائية الدولية بموجب اتفاقية روما 17 يوليو 1998 عام وبدأت عملها في يوليه 2002 كأول محكمة جزاء دولية (دائمة) بدلا من قيام مجلس الأمن بتشكيل محاكم خاصة لمحاكمة مجرمي الحرب في العالم، استبشر بها الضعفاء في عالم اليوم خيرا وظنوا أنها ستعوضهم عن ظلم الدول الكبرى وتعيد التوازن للعالم.
وشجع المستضعفين في العالم على هذه النية الحسنة في “الجنائية الدولية” مزاياها مثل:
- أنه كان مقررا أن تقبل هذه المحكمة دعاوى أفراد ودول وجماعات ضد دول أو أشخاص أخرين متهمين بجرائم حرب أو إبادة جماعية أو عدوان بشرط أن تكون هذه الجرائم تمت بعد الأول من يوليه 2002 وليس بأثر رجعي.
- أن عدم توقيع أي دولة علي المعاهدة لا يعفي مسئوليها من المحاكمة؛ إذ يمكن محاكمة أشخاص من أمريكا أو إسرائيل أو دول أخرى رفضت التوقيع على المعاهدة في أي قضية إذا ما كانت الدولة التي وقعت فيها الجرائم صدقت على المعاهدة.
- أن وجود المحكمة – بعد تعطيل إنشائها منذ معاهدة فرساي 1919-سوف يردع على الأقل العديد من الأشخاص والدول معتادي الإجرام والقتل الجماعي خوفا من محاكمة قادتها أو مسئوليها مما يتوقع معه تقلص لعدد هذه الجرائم نسبيا.
- أن الفارق بين هذه المحكمة الجنائية الدولية الجديدة وبين محكمة جرائم الحرب في لاهاي بهولندا أن الثانية تحاكم (دول)، في حين أن الأولي (الجديدة) سوف تحاكم (الأفراد) المتهمين بجرائم وترفض حكوماتهم أو تتغاضي عن محاكمتهم عن هذه الجرائم التي قد تكون في حق أفراد من دول أخري.
ولكن شيئا فشيئا ظهرت عيوب هذه المحكمة الجديدة التي لم تنظر منذ نشأتها سوي في أربع قضايا في دول أفريقية فقط هي: أوغندا -افريقيا الوسطى -الكونغو (زائير سابقا) – دارفور) حتى سخر منها الأفارقة وقالوا إنها مخصصة لمحاكمة الأفارقة فقط، وكان من أبرز عيوبها:
- ليس بإمكانها مقاضاة أحد عن جرائم سبقت تشكيلها وهو شرط وضعته دول كبري حتى تضمن عدم مطاردة قادتها أمام هذه المحاكم عن جرائم سابقة، بمعني أنه لا يمكن محاكمة قادة صهاينة او مستعمرون غربيون مثلا عن جرائم ارتكبوها قبل 30 يونية 2002 !؟ .
- ولاية المحكمة قاصرة على مواطني الدول التي وقعت وصدقت على اتفاقية إنشائها فقط (وقع عليها قرابة 180 دولة ولم يصدق عليها سوي 108 دولة)
- هناك عيب تقليص السيادة الوطنية لصالح العدالة الدولية لأنه سيكون من حق هذه العدالة الدولية أن تتدخل في سيادة الدول لتحاكم رئيس دولة مثلا أو أحد المسئولين فيها
- أن المعارضين لهذه المحكمة والراغبين في إجهاض دورها هم الدول الكبرى من الغرب والشرق على السواء بما فيها أمريكا وروسيا والصين وأخري مارقة مثل إسرائيل في حين أن الموقعين عليها هم من الدول الصغيرة أو المحايدة غير المؤثرة على الصعيد الدولي.
- أنه ليس هناك ضمانات لإجبار دولة ما – مثل أمريكا أو إسرائيل – علي التعاون أو تنفيذ أحكام هذه المحكمة لأنه ليس للمحكمة جهاز شرطة تنفيذي ينفذ أحكامها، وقد طلبت دولة مثل أمريكا إعفاء جنودها ومسئوليها من أحكام هذه المحكمة بدعوي أن أعداءها سوف يسعون لاستهدافهم
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات