لا يعرف آلام الاغتراب إلا من كابدها، والأردنيون كغيرهم من العرب يعانون في اغترابهم، ولكن لكل جالية معاناتها التي قد تختلف عن معاناة غيرها، ومن أبرز ما يعانيه المغترب الأردني الهاجس الأمني وسحب الجنسيات, فضلا عن التغييب التام عن التفاعل السياسي الوطني.
جلسة تفكير مغلقة عقدها أردنيون في الخارج بحضور نخب بعضها في دوائر القرار وبعضها خارجها لتلمّسِ مقاصد المغترب, كشفت عن أن التعامل مع الأردني المغترب وكأنه ليس عضواً في “الإطار السياسي للوطن”, حسب قول سعيد أبو عودة في اللقاء الذي نظمته مؤسسة بحثية تعمل مع القطاع الخاص, وقد أدار اللقاء وزير الخارجية السابق عبد الإله الخطيب وحضره وزير الخارجية وشؤون المغتربين حالياً أيمن الصفدي ونشرت صحيفة “القدس العربي”” جانبا منه .
التقرير وضع أصابع اليد على «غياب المغترب الأردني سياسيا» وطبيعة علاقات السفارات والسفراء في الخارج بالجاليات ورموزها وفقط في مواسم الإحتفالات الوطنية ولأغراض التحشيد, مروراً بالمركزية البيروقراطية التي تخيف المغترب عند المراجعة, مروراً بشعور غالبية ساحقة من المستثمرين الأردنيين في الخارج بأن بلادهم لا تخاطبهم .
ملاحظة مهمة سجلها وزير سابق للتخطيط ومصرفي بارز عندما قال بأن شؤون المغتربين يستوجب أن تحظى بوزارة مستقلة وكاملة لأنها ستكون الوزارة الوحيدة التي تدر دخلاً سنوياً على البلاد يقدر بملياري دولار فيما تلتهم بقية الوزارات الخزينة ولا تغذيها.
تم الإقرار بأن «شؤون المغتربين» ورغم ارتباطها من حيث الاسم بوزير الخارجية منذ عدة سنوات, ما زالت ليست أكثر من «إدارة صغيرة وخاملة وغير ناشطة وفي بعض الأحيان لا تعمل» داخل مقر الوزارة.
الوزير الصفدي الذي كان يعمل صحفيا وجرى تصعيده في السلطة التنفيذية أقر بعدم وجود تحديث للبيانات والمعلومات. ويمكن الإستنتاج بأن ما يلفت الأنظار له سعيد أبو عودة الذي تحدث بإسم المغتربين يتعلق بشعور المغترب بأنه «جزء من المجموعة الوطنية» وبالحقوق السياسية للأردني بالخارج ومقدار حنينه للمشاركة.
الناشط السياسي والحزبي عبدالله غوشه لديه تقييم في المسألة؛ فالقصور واضح في المجال الحكومي في التواصل مع المغتربين الأردنيين في الخارج بما يعود بنتائج سلبية على حصتهم ودورهم في الاستثمار.
ويردد رجال أعمال بارزون في عدة مناسبات أن حجم الاستثمارات التي يعمل بها ويديرها أردنيون في الخارج يقدر في أسوأ الأحوال بنحو 120 مليار دولار، وفي الأسابيع القليلة الماضية فقط اهتم القصر الملكي بتحفيز الحوار للعمل على توطين ولو جزء من استثمارات الأردنيين في الخارج.
في تقريرها أشارت “القدس العربي” إلى أن رئيس مجلس النواب عاطف طراونة سبق له أن اشتكى أمامها من إخفاقه شخصيا رغم التشجيع المرجعي في إقناع المؤسسة الأمنية في عهد الجنرال المقال فيصل الشوبكي باتخاذ خطوات بيروقراطية بسيطة جداً تسمح بدفع نحو 2000 مليونير بالحد الأدنى من أبناء قطاع غزة المقيمين في السعودية فقط باستثمار مليون واحد من الدولارات في الأردن لكل منهم.
ما قصده طراونة هو غرق الكثير من تفصيلات الاستثمار في العقدة البيروقراطية والمبالغة في المخاوف الأمنية, إضافة للفساد, الأمر الذي يفسر عدم تحقيق ولو تقدم واحد من أي نوع على صعيد ملف المغتربين في وزارة الخارجية ولسبع سنوات في الماضي بدليل ان السنوات التي كان فيها وزير مثل ناصر جودة وزيراً للحقيبة المعنية لم يتخللها إنجاز مهمة بسيطة كتحديث البيانات.
مصدر في وزارة الخارجية سبق أن سرب لصحف عربية تصدر في الخارج أن الحكومة الأردنية لا تعرف أين يوجد الأردنيون بالخارج وماذا يفعلون وكيف وأين يستثمرون وماذا يعملون بصورة محددة وماهي إمكاناتهم وطاقاتهم؟.
ورغم استفحال الأزمة الإقتصادية والمالية في خزينة الدولة, تزايد الحديث عن ابتكار استراتيجيات لاستقطاب رأس مال أردني نشط يستثمر في الخارج أو يقود إستثمارات، تقف المشاعر السلبية للمغترب الأردني عند زيارته أو عودته ولا يحظى بأي إمتيازات تحفزه على توطين ولو جزء من أمواله.
والأهم حيث الآثار المدمرة لجدل سحب الجنسيات وسهولة تبديل القيود المدنية وإلغاء الوثائق عند عودة بعض المغتربين أصلا وتفكيرهم خصوصا على مستوى الطبقة الوسطى بالإقامة ونقل المال خلافا للنظرة السلبية في المطارات والحدود عند حضـور مغـترب أو عودته.
وخلاصة ما رصدته الندوة المغلقة من آلام للمغتربين أن الهاجس الأمني تحديدا يعد العائق الأسـاسي برأي كثير من المحللين أمام صاحب القرار لتطوير التواصل الوطني مع كتلة فاعلة وناشطة وناجحة من مغتربي الخارج.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات