يجب أن يقال ابتداءً أن الرئيس الأمريكي أوباما هو من قرر إطلاق معركة الموصل، وليس رئيس الوزراء العراقي؛ حيدر العبادي، ولا قائد الحرس الثوري الإيراني؛ قاسم سليماني، ولا حتى مرشد الثورة الإيرانية خامنئي نفسه، وبالطبع لأنه يحب أن يختم ولايته بإنجاز يُحسب له، هو الذي كانت إنجازاته محدودة خلال ولايتيه، بخاصة في السياسة الخارجية، وإن اعتبر اتفاق النووي مع إيران أهمها.
هذا يعني بالضرورة أن الدور الأكبر في المعركة هو للتحالف بقيادة أمريكا، فمن دون غطاء طيرانها لا يمكن للجيش العراقي، فضلا عن المليشيات أن تتقدم في أرض المعركة وسط مقاومة شرسة من قبل تنظيم داعش عمادها العربات المفخخة، والألغام الأرضية.
لافت بالطبع أن إعلام التابعية الإيرانية لا يشير بحال إلى الدور الأمريكي في المعركة، وبالطبع لأن ذلك يفضح خطابهم السخيف حول عمالة من يسمونهم “التكفيريين” لأمريكا، فضلا عن الهجاء اليومي لها من قبل ساسة إيران ووسائل إعلامها، والحديث عن المقاومة والاستكبار وغيره من بضاعة فاسدة لم تعد تقنع أحدا.
المعركة لا تحتاج إلى تحليل، فهي محسومة من الناحية العملية، تماما مثل سابقاتها، وإن كان من الصعب الجزم بمداها الزمني، فبوجود طيران يحرق كل شيء، وقوىً زاحفة على الأرض من القوات العراقية والمليشيات، وإلى جانبها القوات الكردية، لن يكون بوسع تنظيم الدولة أن يواجه ذلك كله، حتى لو تمكن من تكبيد المهاجمين خسائر كبيرة، ما يعيد إلى الأذهان فكرة ميزان القوى التي طالما أنكرتها أدبيات التنظيم، وتحدثنا عنها مرارا. وهو ميزان مختل بالكامل هنا، وفي عموم معارك تنظيم يواجه العالم أجمع (حسابات الجيوش غير حروب العصابات).
الخطاب الطائفي يحكم المعركة برمتها، على رغم أن العرب السنّة ليسوا ضدها بالكامل، إذ توجد نسبة منهم تقف معها، وترى أن تنظيم داعش لم يفعل شيئا سوى تدمير المدن السنيّة واحدة إثر الأخرى، بسياساته المعروفة.
من العبث بالطبع أن يجري حشر الناس بين ثنائية بائسة؛ فإما أن يصطفوا وراء أدوات إيران، ومعها أمريكا، وإما أن يصنفوا “دواعش”، لأن الأمر ليس كذلك، ومن يتعاطفون مع الموصل اليوم أكثرهم ضد التنظيم، لكن عدوان إيران الطائفي يستثيرهم، فضلا عن مخاوفهم على أهل المدينة الذين تعرضوا وسيتعرضون للانتقام، كما حصل مع أقرانهم في المدن الأخرى التي مرت بنفس التجربة.
هل يمكن القول تبعا لذلك إن الحرب ستضع أوزارها في العراق، وأن تنظيم داعش قد انتهى؟ من العبث قول ذلك، فهو سيغدو أكثر خطورة، وسيتحول إلى حرب العصابات كما كان حاله قبل 2010، أما الأهم فهو أن الصراع مع الأكراد سيتفاقم تاليا، هم الذين يعملون على اقتطاع أجزاء من المحافظة، فضلا عن كركوك، وضمها إلى كيانهم الطامح بالانفصال.
الجزء الثاني من الصراع هو الذي تابعناه خلال شهور طويلة، بين الشارع الشعبي، وبخاصة الشيعة، وبين طبقة سياسية فاسدة نصّبتها إيران، وهذا الصراع سيعود من جديد، بعد هدوء وسط صرخات الحشد الطائفي ضد تنظيم الدولة. ولا شك أن هذا الصراع هو الأكبر بعد أن عاش العراق في ظل تلك النخبة الفاسدة التي مارست أكبر عملية نهب في التاريخ البشري دون أن تقدم شيئا للناس.
في النتيجة؛ لا العراق سيستقر في ظل سيطرة إيران وطموحات قادة الأكراد العبثية، ولا سوريا ولا حتى اليمن أيضا، فهي كلها تدخل في إطار أوهام إيران بتغيير حقائق التاريخ والجغرافيا في المنطقة، ومن دون حل يرضي الغالبية، سيتواصل الصراع بأشكال شتى، حتى يصل خامنئي للحظة الرشد، ويقبل تسوية متوازنة يأخذ كلٌ فيها حصته بعيدا عن الأوهام ومنطق أخذ ثارات التاريخ.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات