1000 يوم مرت من عمر المذبحة.. نضجت خلالها “رابعة” ولم تعد تلك الطفلة التي كانت في 2013، وأصبح لها لساناً تتكلم به وتفصح به عن نفسها وقول “أي رب سلّ هذا القاتل فيما قتلني؟”، بينما شهدائها منعمون عند ربهم،والصامدون في الزنازين خلف القضبان رافضين للقهر والظلم والبطش.
تحكي رابعة عن المجزرة وتدمع عيناها وتقول أن الجيش المصري صب النار على آلاف المعتصمين في الميدان، فيهم النساء والأطفال والشيوخ، فأثخن قتلا وحرقا وعاث فسادا ودمارا حتى ضج الميدان واختلط الأموات بالأحياء، وحُرّقت الجثث وتطايرت الأشلاء وضاعت الهويات، وغصت المستشفيات والمشارح.
وقد وصفتها منظمة هيومن رايتس ووتش بأنها “إحدى أكبر وقائع القتل الجماعي لمتظاهرين سلميين في يوم واحد في تاريخ العالم الحديث”.
ألف يوم مرت علي المطاردين في بلادهم بعيدين عن بيوتهم وأولادهم،يسطرون في كل ليلة حكاية ليكتبوا ألف حكاية وحكاية ..ألف يوم مرت علي المهجرين خارج أوطانهم. بعيدا عن الأهل والأحباب وتراب الوطن وذكريات الماضي يحملون ألف قصة وقصة ألف يوم مرت علي الصامدين في الميادين يسطرون أروع بطولات الصمود في وجه الانقلاب العسكري ليسطروا تاريخاً جديداً لم تعرفه البشرية من قبل ، يعلنون للعالم كل يوم أن معايير حقوق الانسان قد انتهت في مصر والعالم صامت لا يتحرك .
بداية الأحداث
المكان ميدان رابعة العدوية (نسبة إلى الزاهدة البصرية المعروفة المتوفاة سنة 180 للهجرة) شرقي القاهرة، والزمان صباح يوم 14 أغسطس/آب 2013، حيث يرابط عشرات الآلاف من المصريين الرافضين لانقلاب عبد الفتاح السيسي والمنادين بعودة الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي، وهذا هو شهرهم الثاني في الاعتصام.
كانت الأحداث قد بدأت تترى متسارعة بعد انقلاب 3 يوليو 2013، فانطلقت مظاهرات منددة بالانقلاب وأهله، وأخرى مرحبة مؤيدة، ولكن ميدان رابعة والنهضة وغيرهما من معاقل الرافضين للانقلاب كانت تستحوذ على اهتمام وسائل الإعلام العالمية، وكانت سلطة الانقلاب ضيقة الصدر تتربص بكل من يعارض الانقلاب أو يناوئ الحكم الجديد.

إعلام الخيانة
اتُّهم المرابطون في ميدان رابعة بحيازة الأسلحة، وبترويع الآمنين ومضايقة السكان، وأجمع الملأ من قوم الانقلاب على فض الاعتصام، وارتفعت أصوات أمنية وإعلامية تنادي بإدة المعتصمين، فكان ما كان.
يقول الكاتب الصحفي وائل قنديل” :”لم تتحمل مؤسسة الانقلاب أن يتحدّث أحد بموضوعية عن ذلك الاحتشاد المذهل في الميادين، واستشاطت غضباً، عندما أظهرت الصورة الحقيقية أنه لا يخصّ جماعة الإخوان المسلمين، أو الإسلام السياسي فقط، بل هو غضب شعبي عارم، ضد انقلاب عسكري يمتطي ثورة مضادة.
ويتابع:”وقد قلت، في ذلك الوقت، إن حالة العنصرية في التعامل مع معتصمي “رابعة” و”النهضة” بلغت حداً غير مسبوق في تاريخ عمليات غسيل المخ في العالم، حيث يسلك صانعو ومروجو هذا النوع من الدراما السوداء عن مجتمع المعتصمين، وكأنهم يخاطبون شعباً من الأطفال البلهاء، يستخدمون معه أساليب التنويم بالفزاعات، كما يحدث مع الصغار، عندما يريدون إدخالهم للنوم في فراشهم، تحت وابلٍ من حواديت الليل المرعبة”.
ندم أصحاب 30 يونيو!
1000 يوم مُرٍّ على مذبحة “رابعة” الأكبر في تاريخ مصر، والتي لم يقدم أحد للمحاكمة بشأن مقتل وجرح الآلاف من المعتصمين فيها، وقد يئس ذووهم من تحقق العدل، بينما رأى كثيرون أن الدماء ضاعت بلا جدوى.
من جهتها تمنت “منة شرف” أن يتم فض اعتصام “رابعة العدوية” المعطل لمسيرة الثلاثين من يونيو التي شاركت في إشعال شرارتها، وحينما وقع الفض الدموي، داهمها الهلع من المشاهد الوحشية، وتمنت ألا يكون أحد تعرفه بين الضحايا، ثم ما لبثت أن ارتدت عن تأييدها للعسكر، لتكتب مقالا بعنوان “فض رابعة الذي لم نعد بعده كما كنا”.
وبينما كانت قلة من الثوريين تكاد تصاب بالجنون من هول ما وقع في رابعة، كانت أغلبية ممن يسمون أنفسهم بـ”المدنيين” تتهلل فرحا، إذ رأى هؤلاء أن “الدم سيكون عراب عصر الحريات المدنية” كما يقول الكاتب والمحلل السياسي تامر وجيه، والسبب هو فكرة أصيلة عند كثير من التحديثيين مضمونها أن “الإبادة ثمن ضروري للحداثة”.
غدر العسكر
صبّح جيش الانقلاب المعتصمين وهم غارّون هاجعون بعد صلاة الفجر، وقد بدأ الهجوم من شارع طيبة مول ثم شمل كل المداخل الرئيسية، واقتحمت المدرعات والمجنزرات الميدان، وانتشرت سحب غاز الدموع، واعتلى القناصة أسطح المنازل وحلقت الطائرات الحربية في سماء الميدان.
وتدفقت جحافل الجيش والشرطة وبدأت تمطر الناس بالرصاص الحي، وتحاصر المنافذ الرئيسية للميدان، وكانت طائرات الأباتشي تصب قنابل الغاز وتقنص المصورين.
لقد بدأ ما يشبه المعركة الحربية فهبت رائحة الموت، واهتزت الأرض وماجت الشوارع وتقطعت بالمعتصمين الأسباب، واندفعوا يبحثون عن ملاذ آمن.
فاتجه البعض إلى المستشفى الميداني، واتجه آخرون إلى مسجد رابعة، ولاذ فريق بالفرار، ولكنْ جاء الموت من كل مكان وعصف بالمكان وأهله، وغشيت المعتصمين أمواج من الهول والكرب، وطفقت القوات المهاجمة تجْهز على الجرحى وتحرّق الموتى، ولم يسلم المستشفى الميداني، ولا الأطباء والمسعفون.
وكانت قنابل الصوت تعلو صراخ المستغيثين، وتَكظِم أنين الجرحى، ومع ذلك فقد قال شهود عيان إن الجنود المنتصرين كانوا يجلسون وسط ركام الأموات يأكلون ويشربون، ويبحثون عما في مخيمات الميدان المنكوب من الغنائم!
وبعد 1000 يوم من المذبحة لازالت مظاهرات الشرعية ترفع شعار رابعة، ألف يوم من الاحتجاجات المستمرة التي لم تنقطع يوماً، ألف يوم مرت علي الأمهات والزوجات والأطفال، وستمر من بعدها 1000 يوم أخرى، وسيسطر التاريخ نضال شعب مصر بأحرف من نور، وسيضطر العالم رغماً عنه أن يستمع لأصوات الثوار، وستنتهي دولة عسكر الانقلاب {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات