42.6 مليار جنيه خسائر الإعلام بمصر في 5 سنوات

في نهاية يوليو الماضي، أعلنت الهيئة الوطنية للإعلام تشكيل مجلس استشاري جديد، يضاف إلى سلسلة متزايدة من اللجان والكيانات الفرعية التابعة لها، من دون الكشف عن اختصاصات واضحة أو أهداف محددة.

جاء القرار في وقت تشهد فيه المنظومة الإعلامية الرسمية أداءً مرتبكًا، ما أثار جدلًا واسعًا حول جدوى هذا المجلس في ظل تعدد اللجان والمجالس القائمة.

ورغم هذا الزخم التنظيمي، لم تظهر نتائج ملموسة تعكس تحسن الأداء، فيما تتواصل الأزمات المالية وتتراكم الخسائر بلا سقف، حسب تقرير لموقع “زاوية ثالثة”.

ويضيف التقريرن أنه ووفقًا للبيان الصادر عن الهيئة يضم المجلس عددًا من الشخصيات الأكاديمية والتنفيذية، من بينهم: عبد الفتاح الجبالي، رئيس مجلس إدارة مدينة الإنتاج الإعلامي، والدكتورة ثريا البدوي، عميدة كلية الإعلام بجامعة القاهرة، والدكتور محمد سامح عمرو، عميد كلية الحقوق بجامعة القاهرة، بالإضافة إلى عدد من العمداء والأكاديميين البارزين مثل الدكتور عمر الحسيني، عميد كلية الهندسة بجامعة عين شمس، والدكتور حسام الدين عبد الفتاح، عميد كلية الهندسة بجامعة القاهرة، والدكتور أيمن شتيوي، عميد كلية الأعمال بجامعة الإسكندرية، إلى جانب الدكتور أحمد الجوهري، الرئيس السابق للجامعة المصرية اليابانية.

كذلك، يضم المجلس أسماء من خلفيات تنفيذية ومالية مثل المهندس علي سالم ممثل الهيئة الوطنية للإعلام، وهشام سليمان، المسؤول التنفيذي السابق بالشركة المتحدة، والكاتب الصحفي عزت إبراهيم، رئيس تحرير “الأهرام ويكلي”، بالإضافة إلى ممثلين عن وزارتي المالية والتخطيط، منهم الدكتور حسين عيسى، وأعضاء الأمانة الفنية للهيئات الاقتصادية. ويهدف وفقًا لما ورد في إعلان تشكيله، إلى تقديم رؤى وأفكار استشارية للهيئة، تشمل الجوانب المالية والمهنية والفنية، مع التركيز على تطوير أداء قطاعات الهيئة الوطنية للإعلام، وتقديم مقترحات لتحسين الكفاءة التشغيلية.

خلال السنوات الماضية، لم تحقق الهيئة الوطنية للإعلام طفرات ملموسة على مستوى المحتوى أو نسب المشاهدة أو الاستقلال المالي، بل على العكس، تشير التقارير الصادرة عن الجهاز المركزي للمحاسبات والبيانات الحكومية إلى استمرار نزيف الخسائر، سواء في قطاعات ماسبيرو المختلفة أو المؤسسات التابعة للهيئة.

ويُعزى ذلك، وفق مراقبون تحدثوا إلى زاوية ثالثة إلى أسباب متعددة، أبرزها الترهل الإداري، وضعف منظومة الحوكمة، وغياب الخطط التسويقية القادرة على جذب المعلنين والمشاهدين على حد سواء.

بالإضافة إلى ذلك واجهت العديد من المبادرات التطويرية، مثل تحديث الاستوديوهات أو التحول للبث الرقمي، عثرات بسبب سوء التخطيط وضعف الكفاءات الإدارية، فضلًا عن غياب الشفافية حول كيفية إنفاق الموارد على هذه المشاريع.

ترى أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة، الدكتورة سارة فوزي، أن الحكم على أداء اللجنة في هذه المرحلة سابق لأوانه، إذ لم تبدأ بعد عملها بما يتيح تقييمه موضوعيًا.

ومع ذلك، تشير إلى وجود مؤشرات إيجابية، أبرزها تنامي الاهتمام حاليًا بالقنوات الإعلامية، خاصة تلك التي تمثل إرث ماسبيرو التاريخي، معتبرة أن هذا الإرث يستحق أن يُقدَّم مجددًا بصورة تليق بقيمته، سواء عبر استراتيجيات تحقق عوائد مادية، أو من خلال إعادة تصويره وإبرازه للأجيال الجديدة لما له من مكانة بارزة في تاريخ الإنتاج الدرامي والبرامجي.

وتوضح في حديثها إلى زاوية ثالثة أن مشروع “ماسبيرو دراما” وغيره من المبادرات المقرر إطلاقها يمثل خطوة جيدة، خصوصًا مع التوجه نحو إنشاء منصة رقمية تعرض هذه الأعمال التراثية.

كما ترى أن فكرة تأسيس أكاديميات ماسبيرو من الخطوات المهمة، مع الأمل في أن تسهم في إحداث تطورات ملموسة، لا سيما في مجالات تخطيط المحتوى البرامجي، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومعالجة التحديات التقنية التي تواجه صناعة الإعلام.

لكن فوزي تبدي تحفظًا واضحًا على غياب الشباب عن التشكيلات الاستشارية، معتبرة أن أي لجنة تفتقر إلى تمثيل فعّال للأجيال الشابة، وخصوصًا من هم في الثلاثينيات والأربعينيات، ستظل محرومة من رؤى ضرورية لتطوير الإعلام. وتضيف أن هذه الإشكالية لا تقتصر على الهيئة الوطنية للإعلام، بل أصبحت نمطًا عامًا في مؤسسات كثيرة، حيث يُستبعد الشباب بلا مبرر، رغم أنهم يمثلون طاقة حيوية وعنصرًا محوريًا في أي عملية تحديث حقيقية.

سجّلت الهيئة خسائر متزايدة على مدار السنوات الخمس الأخيرة (2020–2025)، وسط مؤشرات متفاقمة على تآكل الوضع المالي للمؤسسة المسؤولة عن إدارة الإعلام المملوك للدولة، وتكشف التقارير المالية الرسمية عن أرقام صادمة، تعكس عمق الأزمة البنيوية داخل الهيئة.

في العام المالي 2020/2021، أعلنت الهيئة أن خسائرها التراكمية تجاوزت حاجز 42.6 مليار جنيه، وهو رقم يعكس سنوات من العجز المتراكم وسوء إدارة الموارد. وقد جرى تأكيد هذا الرقم في بيان رسمي صدر عن الهيئة في حينه، دون أن يصاحبه إعلان عن خطة إصلاح واضحة أو تدابير لترشيد الإنفاق.

أما في العام المالي 2022/2023، فقد بلغت الخسائر السنوية للهيئة الوطنية للإعلام نحو 10.6 مليار جنيه، وهو ما مثّل آنذاك حوالي 74% من إجمالي خسائر الهيئات الاقتصادية الحكومية في مصر. هذا الرقم دفع جهات رقابية وبرلمانية إلى المطالبة بمراجعة عاجلة لأداء الهيئة، دون أن تسفر تلك المطالبات عن تحرك ملموس.

الأزمة تصاعدت أكثر خلال العام المالي 2023/2024، حيث ارتفعت الخسائر إلى 11.4 مليار جنيه، لتحتل الهيئة بذلك صدارة الهيئات الحكومية الأكثر خسارة في البلاد لعامين متتاليين على الأقل، وفق تقارير رسمية صادرة عن وزارة المالية والجهاز المركزي للمحاسبات.

وفي يونيو 2023، أعلن وزير المالية أن إجمالي خسائر الهيئة الوطنية للإعلام بلغ 12.2 مليار جنيه، وهو رقم يتطابق مع تقديرات الأجهزة الرقابية، ويشير إلى تصاعد مستمر في الخسائر السنوية، دون وجود مؤشرات على تحسن قريب أو مراجعة جذرية للسياسات المالية والإدارية المتبعة.

بحسب مصادر مطلعة داخل الهيئة تحدثت إلى زاوية ثالثة، تضم الهيئة حاليًا ما لا يقل عن 15 لجنة ومجلسًا داخليًا واستشاريًا، بعضها قائم على أساس دائم مثل لجنة التخطيط الإعلامي، ولجنة التطوير التكنولوجي، ومجالس المتابعة والمحتوى والرقابة، إلى جانب كيانات مؤقتة يتم تشكيلها بموجب قرارات موسمية مثل لجنة تطوير ماسبيرو أو لجنة الإصلاح المالي، دون نشر تقارير دورية لنتائج أعمالها.

تعتمد الهيئة الوطنية للإعلام اعتمادًا شبه كامل على الدعم المالي من الخزانة العامة، إذ بلغت مخصصاتها في العام المالي 2022/2023 نحو 24.9 مليار جنيه، منها 18.4 مليار جنيه تغطّيها الدولة مباشرة، ما يعكس تبعية مالية تتجاوز 75 % من إجمالي مواردها، ويُصنف الجهاز ضمن 16 جهة حكومية تواجه خسائر مزمنة تستنزف خزائن الدولة، إلى جانب الهيئة القومية لسكك الحديد.

لماذا تخسر الهيئة الوطنية للإعلام؟

تؤكد الكاتبة الصحفية منى عزت أن تطوير المؤسسات الإعلامية يرتبط أولاً بمساحة الحرية المتاحة، وبمدى اتساع نطاق حرية الإبداع داخلها، مشددة على أن المؤسسات لا تتطور عبر القرارات الشكلية بل من خلال خلق مناخ يسمح بتقديم محتوى حقيقي يعبّر عن الناس وقضاياهم، سواء كان هذا المحتوى فنيًا أو ثقافيًا أو سياسيًا أو اجتماعيًا.

وتوضح منى، في تصريحات خاصة مع زاوية ثالثة، أن جوهر العمل الإعلامي يبدأ من السؤال الجوهري: “ماذا نريد أن نقدم للجمهور؟”، معتبرة أن غياب هذا السؤال عن أجندات المؤسسات هو ما يؤدي إلى تكرار الأزمات وتفاقم الخسائر. وتضيف: “نحن بحاجة إلى أن نتيح مساحة حقيقية للإبداع، تسمح بطرح كل القضايا ومناقشتها من زوايا متعددة، لا أن نبقى أسرى القيود والمحاذير التي تفرغ الإعلام من محتواه”.

شاهد أيضاً

متظاهرون تونسيون يطالبون برحيل قيس سعيد.. “جاك الدور يا ديكتاتور”

بعد 5 سنوات على إجراءاته الاستثنائية لفرض حكم فردي ديكتاتوري، تظاهر آلاف التونسيين في شارع …