ماذا يقول الإيرانيون لطلابهم عن الدول العربية المجاورة، وكيف يرسمون ملامحها في أذهانهم؟ وكيف يؤثر ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر في عملية التنشئة لدى الطالب الإيراني, خصوصاً أنّ الطلابَ الايرانيين يكتسبون القيم والتصورات والمعتقدات السياسيّة من خلال ما يتعرضون له من تنشئة، وما يتلقونه من أفكار وقيم من خلال المناهج المدرسيّة، التي من شأنها أن تؤثر في سلوكهم ووعيهم وفعلهم السياسيّ بالقضايا المختلفة؛ خصوصاً تجاه دول مجلس التعاون الخليجي؛ حكومات وشعوبًا, وتاريخ وجغرافيا؟
نشيرُ أولاً إلى أن النصوص المتعلقة بدول مجلس التعاون الخليجي متناثرة ومبعثرة، مما دفعنا إلى إعادة تجميعها لكي نشكل منها مجموعة (محل دراسة)، هذا التجميع له طابعٌ مهمٌ، ويعطي النصوص ترابطاً يقربه من واقع نظرة الإيرانيين لصورة هذه الدول.
لقد تمّ تناول هذه المجموعة أولاً من الناحية الموضوعية؛ أي من حيث تصنيف المواضيع التي تتناولها هذه النصوص تبعاً لأهميتها، وتبعا للمساحة التي تشغلها، وكيفية توزيعها بين مختلف الكتب المدرسية الإيرانية، ثم تحليل النص والسياق الذي وردت فيه النصوص من حيث كيفية معالجتها، والنقاط والمحاور التي كانت محل اهتمام هذه الكتب، والجوانب التي تم إهمالها وإغفالها، ودوافع ذلك .
وتسعى الدراسة للكشف عن درجة توافر الملامح الصريحة والضمنيّة لصورة دول مجلس التعاون الخليجي في الكتب المدرسية في إيران، بهدف إدراك الاتجاه الذي يتم غرسه في عقول الناشئة ووجدانهم, ومعرفة أوجه اهتمام الإيرانيين بدراسة وتحليل صورة هذه الدول من خلال المنهج التعليمي.
وتعتمد الدراسة بشكل أساس على مجموعة من المصادر الأصيلة، تمثلت في الكتب الدراسية المعتمدة في المدارس الإيرانية للمراحل الابتدائية، الإعدادية، والثانوية، في مختلف المواد، لضمان شمولية البحث، ولأن هذه الكتب لها أهمية في تكوين صور، وتثبيت أحكام في أذهان تلاميذ لا يزالون في مرحلة مبكرة من عمرهم.
وتم استخدام أسلوب تحليل المحتوى للكتب وهي منهجية تقوم على أساس تناول النصوص، وتحليلها ودلالاتها، متخذةً “الجملة” و”الفقرة”, وحدات للتحليل لاستخراج الصورة المتضمنة في الكتب.
خصائص النصوص
تتميز النصوص محل الدراسة بعدة خصائص:
-الأولى: أنها تتعلق بنصوص تربوية، بمعنى أنها لا تكتفي بتقديم المعلومة، ولكنها تسعى إلى التثقيف، وبناء القيم، وتكوين المواقف والانطباعات والأحكام .
– الثانية: خاصة بموضوع الدراسة ” دول مجلس التعاون الخليجي” فهناك خلاف يدور حول هذا الموضوع في إيران، بسبب طبيعة العلاقة التاريخية التي نشأت بين الثقافتين والحضارتين وحتى المذهبين, لذلك افترضنا بصفة مبدئية أن الخطاب المدرسي حول هذه الدول، لن يخلو من الانفعال، الانحياز، وحتى التشويه، وأن لا تغلب عليه روح الحياد .
وتم تحليل المصطلحات ذات المدلول العربي أو الإسلامي التي تتردد في معظم الكتب المدرسية مثل “الخليج الفارسي” ” رود أروند” (شط العرب), والجزر (الإماراتية الثلاث) والعراق والبحرين والسعودية, وخضعت لتحليل مفرداتي، أمكن بواسطته استخلاص الحقل السياقي لكل منها.
ولعل الدارس لطبيعة المجتمع الإيراني، يلاحظ تلك الملائمة والتوافق القوي بين أهداف التربية والتعليم من جهة وأهداف الثورة الإيرانية وحاجاتها من جهة أخرى، فلقد كانت التربية والتعليم بخلفيتها القومية والمذهبية، وبفلسفتها المستمدة من تعاليم البعد القومي والمذهبي، الوسيلة الأولى والأهم التي استخدمت لتحقيق أهداف الإيرانيين في انتصار الثورة وبقائها.
أهداف التشويه المنظم لصورة دول مجلس التعاون
الأهداف المعلنة التي نستنتجها، والتي يسعى إلى تحقيقها جهاز التربية والتعليم في إيران:
أولاً: توحيد رؤية المجتمع إيراني تحت راية (ولي الفقيه) وقيادته، واعتبار دول الخليج ملكية تاريخية إيرانية ينبغي عودتها للوطن الأم.
ثانيا: أهمية بناء إيران دولة عصرية تملك أسباب القوة المادية والروحية، الأمر الذي يمكنها من تحقيق رسالة الثورة، في مقابل مشيخات بدوية لا تملك سوى النفط والثروات والتخلف.
ثالثاً: الحفاظ على التاريخ الفارسي، وتعميقه لدى طلاب المدارس من خلال الكتب المدرسية، والتذكير أن كل ما يقع داخل الخليج “الفارسي ” ملكية شرعية إيرانية.
رابعاً: دعم مركزية إيران وريادتها بين شيعة الشتات، والالتزام نحوها باعتبارها دولة الشيعة الموجودين في دول مجلس التعاون الخليجي، وقبلتهم الروحية والمذهبية والسياسية.
خامساً: تعميق الوعي الثوري قومياً ومذهبياً، ودور رسالة الثورة في بناء مجال حيوي عمقه العراق، ودول مجلس التعاون الخليجي .
سادساً: توافق مذهبي- قومي استعلائي, حيث تحاول الكتب المدرسية الإيرانية خلق نمط معين من الإدراك والتفكير تجاه دول مجلس التعاون الخليجي، موقف يتربّى وينشأ عليه كل إيراني منذ الصغر ويكبر معه، ليتكرس بتأثير من الواقع السياسي ـ الاجتماعي الإيراني، لقد تأطرت تشابيه دول مجلس التعاون الخليجي وشعوبها من خلال رسم ملامح الصورة التي نستنتج منها الصفات التالية:
“مشيخات بدوية، التخلف، أرض الجاهلية ووأد البنات، الوقوف ضد الدعوة النبوية”.
فدول مجلس التعاون الخليجي وشعوبه في نظر هؤلاء الطلبة كارهون لإيران متآمرون عليها من خلال استضافة القواعد الأمريكية، فضلاً عن أنه ينمي في نفوسهم مشاعر القلق والتوتر والخوف الدائم من المجهول.
سابعاً: ترسيخ جذور الطلاب الإيرانيين في ماضي الشعب الفارسي، وتراثهم التاريخي؛ لخلق أجيال تؤمن بالمعتقدات التوسعية، وأن هناك شعب آري كان في الماضي البعيد يعيش في وطنه «أرض إيران الكبرى »، وأن الروابط التاريخية والمذهبية بين الإيرانيين « أرض الإمبراطورية الفارسية » هي روابط أزلية / أبدية.
ثامناً: التعلق بالأرض” مركزية إيران”, ويرتبط هذا الهدف مع ضرورة التوسع والتمدد الطبيعي، وتكوين مجتمع يتوحد فيه الشتات الشيعي، ويلتصق به، على اعتبار أن إيران هي أم قرى العالم الإسلامي ومركزه الروحي والحضاري.
أما الأهداف غير المعلنة بخصوص النظرة لدول مجلس التعاون الخليجي:
1- الإيمان المطلق بحق الثورة الإيرانية بإعادة إحياء إمبراطوريتها، من خلال التكرار وتأكيد الحديث عن الحق القومي والمذهبي في إقامة دولة العدل ” إمبراطورية المهدي”.
2- تحقيق التضامن والتواصل الشيعي بين داخل إيران وخارجها مع شيعة الشتات، ولا سيما في دول مجلس التعاون الخليجي، لضمان استمرار الدعم المادي لإيران ” سهم الخمس المفروض على الشيعة “, خاصة من شيعة المهجر.
3- تكوين الاستعداد لدى الأجيال الإيرانية للتوسع والاحتلال والعنف، وكراهية الآخر؛ بحجة إنقاذ البشرية من الظلال والظلم.
4- تأكيد الشعور بالقلق والتوتر لتحقيق استمرارية الإحساس بالمؤامرة والاستهداف، عند الأجيال المتعاقبة، لضمان عدم ولاء هذه الأجيال في أي مجتمع آخر لغير إيران.
5- إظهار التفوق الفارسي الحضاري عبر العصور لتكوين الإحساس بالتمايز والتفوق، والشعور بالاستعلاء عند الأجيال الإيرانية الجديدة على دول مجلس التعاون وشعوبها، التي تسمها بالتخلف.
6- تشويه وتقزيم صورة دول مجلس التعاون وشعوبها، في نظر الطالب الإيراني مقابل التأكيد على التفوق الإيراني، صاحب الحضارة التي احتلت العالم.
7- تربية وتنشئة أجيال متعصبة لقوميتها وشيعيتها، ومؤمنة بكل ممارساتها إيماناً مطلقاً، من خلال:
أ- التمركز حول الولاء للقومية، والمذهب الشيعي بخصوصيته الفارسية، وأهمية التوسع والضمّ.
ب- تكريس أسطورة التفوق التاريخي، وأسطورة الشعب المعتنق للإسلام الحقيقي, وتكريس أسطورة” الشعب المنقذ ” الذي سينقذ البشرية، ومن ضمنها شعوب دول مجلس التعاون الخليجي .
ج- التذكير دوماً بالاضطهاد كعنصر سيكولوجي لا بدّ منه من خلال الكتب المدرسية لتجسيد صورة (الهولوكوست) ضدّ الشيعة عموماً, ودور دول مجلس التعاون الخليجي في دعم صدام حسين.
د- الارتباط التاريخي العضوي بين إيران، ورسالتها للتوسع والهيمنة من خلال التوسل بالبعد المذهبي، وتكوين نزعة عسكرية من خلال التنشئة التربوية، تمهيدا للاستعداد للحرب والقتال، والتعبئة ضد دول مجلس التعاون، والتحريض عليها .
هـ- تزوير وتغيير حقائق التاريخ بما ينسجم مع التطلعات للثورة الإسلامية
ولا تخفي مؤسسات صنع القرار عدم ارتياحها من عملية اندماج شيعة الشتات في مجتمعات دول الخليج العربي هذه، والتشكيك بها. ولمواجهة عملية الاندماج تعمل الكتب المدرسية الإيرانية من خلال العملية التربوية على تحقيق هدفين:
أولاً: الحفاظ على هوية شيعة الخليج، ومحاولة إدماجها مع إيران.
ثانياً: تأكيد مركزية إيران في البعث الشيعي الخليجي.
كما تركز على الاضطهاد والمذابح التي تعرض لها شيعة الشتات في دول الخليج,” مذابح وقتل في البحرين، المنطقة الشرقية، وحياة عدم الأمن التي يعيشونها، وهكذا تنغرس لدى الشيعي الإيراني عقدة «الهولوكوست» أي الإبادة.
إن كل ذلك جعل الثورة الإسلامية في موقع الاحتمال الحتمي للحرب وحوّلها من دولة مؤسسات إلى ثكنة عسكرية، واستغلت ذلك لتغرس في نفوس أبنائها أن ليس هناك مفرّ من القتال والحرب المقدسة بكل القوى وكافة السبل تحقيقاً للوعد الإلهي، واعتبار دول مجلس التعاون إحدى المحطات المهمة التي ينبغي تدميرها واستنزاف قدراتها؛ فهي حرب مقدسة بين الحق والباطل، بين المهدي وجنوده والكفار, جعلتها عند مراجع التقليد العظام في مرتبة اليقين الذي لا يجوز التشكيك به.
من هنا تسعى الثورة الإيرانية من خلال الكتب المدرسية لخلق جيل شيعي متعصّب، مشارك للأوساط الثورية الأخرى في تنفيذ “المشروع الإلهي”، وترجمة الأفكار الغيبية إلى واقع، من خلال البوابة الخليجية.
إنّها تنمّي شخصية الطالب وتعبئه على العدوان، والعمل على التمسّك بترجمة الرسالة التي ورثوها, وذلك من خلال الكتب المدرسية.
رئيس وحدة الدراسات الإيرانية – مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات