قاد خطة تسويق فكرة المهدي الغائب مجموعة من غلاة الفرس, وقد بدأ ذلك على يد أبي يعقوب الكليني المولود في الري “طهران” سنة 255هـ والذي يوصف بأنه حجة الإسلام وثقته، في تزامن مع وفاة الحسن العسكري الذي يطلق عليه الشيعة لقب الإمام الحادي عشر.
المهدي الغائب والسفراء الأربعة
تفتق ذهن كبار رجال المذهب ليجدوا حلا لمزاعم أن الإمامة أمر منصوص عليه في أحاديث النبي الكريم، لهذا لفقوا مولودا مزعوما لحسن العسكري الذي لم ينجب أصلا، فأطلقوا على كائنهم المزعوم اسم “محمد” ثم ليكنى بعد ذلك بأبي عبد الله، ووجدوا في هذا الحل مخرجا من مأزق الوضع والافتراء على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكي يرتبوا لمراجعهم موردا ماليا ثابتا من الخمس والزكاة والصدقات والنذور، وذلك بزعم أن الإمام الثاني عشر عندما دخل الغيبة الصغرى كان قد اعتمد لنفسه سفراء أربعة هم عثمان بن سعيد بن عمرو العَمري الأسدي، المُكنَّى بأبي عَمْرو السمّـان العسكري, ومحمد بن عثمان بن سعيد العَمْري الأسدي المُكنَّى بأبي جعفر العسكري, والثالث هو الحسين بن روح النوبختي، ويُكنَّى بأبي القاسم ويُلقَّب بالبغدادي, أما السفير الرابع فهو علي بن محمد السَّمَري المُكنَّى بأبي الحسن، والمُلقب بالبغدادي وهو آخر السفراء الأربعة, تولَّى السفارة بعد وفاة السفير الثالث الحسين بن روح النوبختي أي سنة 326 هجرية حتى وفاته سنة 329، وهؤلاء السفراء اتخذهم المهدي وكلاء له ليوصلوا توجيهاته إلى أتباعه، وبعد أن وضع رجال الدين الشيعة أجوبةً, ظنوها مستكملة, لأنصارهم وخصومهم على حد سواء، أعلنوا أن المهدي قد دخل الغيبة الكبرى التي ما زالت مستمرة حتى يظهر يومًا ويملأ الأرض قسطا وعدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا.
هذه الأطروحة، تتماهى مع الأطروحات التي وردت في اليهودية والمسيحية، صحيح أن النبي الكريم تحدث عن المهدي المنتظر إلا أنه لم يشر إلى أنه حي يرزق بل سيولد آخر الزمان، ولكن تبقى الأطروحة الشيعية عن المهدي مثيرة للشفقة، إذ لا يستطيع أحد أن يفسر كيف يختفي مصلحٌ عن المجتمع خشية من ظلم الحكام؟ فكيف يستطيع الآن مواجهة القوى الدولية التي تتحكم بالسياسة الدولية وتمتلك كل أدوات الدمار المتاحة إذا كان عاجزا عن مواجهة خلفاء بني العباس وهم في مرحلة انهيار مجدهم وقوتهم؟
وهل هناك نبي أو إمام أو مصلح في التاريخ كله اعتزل المجتمع بسبب الخوف من الطغاة؟ كل قصص التاريخ تحدثنا أن القادة العظام هم الذين واجهوا الظلم بمقاومته بصورة مباشرة وليس بالتخفي المستمر إلى الأبد، أين كان المهدي عندما استباح المغول والتتار بغداد وبلاد المسلمين وقتلوا منهم الملايين؟ هل هو خائف إلى هذا الحد؟ فكيف يستطيع خائف إلى هذه الدرجة قيادة العالم وهو عاجز عن نصرة مدينة مسلمة صغيرة في بورما أو في فلسطين؟
ماكينة اختراع الأحاديث
واللافت أن شكل التشيّع وجوهره شهدا تطورات نوعية فكلما جاء إمام جديد أضاف حلقة أخرى لنظرية التشيّع عبر أحاديث منسوبة للرسول الكريم. فكلما ظهرت حاجة لحلٍ ما من أجل أن يكتمل مذهب الاثني عشرية يصار إلى اختراع حديث ثم تتم نسبته إلى أحد أئمتهم، ولا نستغرب أن اللاحق منهم يذكر أحاديث مع إضافة واحدة “عن آبائه عليهم السلام” مع دهشةٍ لسبب عدم ورود هذه الأحاديث على لسان الآباء. بعبارة أخرى التشيّع تبلورت صورته بعشرات من رموزه، فقد وضع الكليني كتابه “أصول الكافي” والذي قيل إنه عرضه على إمامهم الغائب عن طريق أحد سفرائه، فوصفه المهدي بأنه كافٍ لشيعتي، أي أنه وضع حدا فاصلا بين الإسلام وشيعته. طبعا هذا ما جاء في أساطير الشيعة، ثم بدأت كتب فقهاء الشيعة تترى لتضخ ما في جوفها من أحقاد وترهات وخرافات وأساطير، لتصبح مع الوقت أهم أصل من أصول الدين ربما يتقدم على التوحيد والنبوة.
وتعاقبت أسماء, وكان كل واحد يضيف إلى “الأئمة المعصومين” كرامات ومعجزات لم تتحقق إلا لموسى بن عمران وعيسى بن مريم عليهما السلام، ومن يرغب الاطلاع على أفلام الصور المتحركة المثيرة للتسلية والسخرية في آن واحد ما عليه إلا العودة إلا مئات الأحاديث الخرافية التي يدلي بها معممون سود وبيض يتكلمون العربية والفارسية.
وهناك من الأسماء التي يفاخر بها الشيعة على مر الأزمان “أذكرها من دون سياق زمني” الحسن النوبختي، وهناك ابن بابويه القمي الملقب بالشيخ الصدوق، وشيخ الطائفة الشيخ الطوسي.
الفادي المخلص .. استنساخ من المسيحية
وقد بنى هؤلاء أسس التشيّع على فكرة “الفادي المخلص” التي استنسخوها عن المسيحية لدخول الشيعي الجنة من غير حساب، بحيث جعلوا ذلك مشروطا بذرف دمعة واحدة على الحسين أو الذهاب لزيارته مشيا على الأقدام ولو كانت ذنوبه كزبد البحر، مع شروط تفصيلية أخرى تتعلق بمراجع التقليد وحتمية تأدية ما يمليه عليه تقليده من واجبات وخاصة تأدية الخمس والزكاة وسائر الأموال الشرعية، وأن يرجع إليه الشيعي في الصغيرة والكبيرة وهذا لا صلة له بالإسلام والقواعد التي جاءت في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، فقد جاء في سورة الزلزلة “فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره” وقال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم “يا فاطمة بنت رسول الله اعملي لله خيراً فإني لا أغني عنك من الله شيئاً يوم القيامة”، ونرى أن مراجع التقليد يحرصون على إبقاء أتباعهم في قاع المعرفة لا سيما بحقائق الدين، لأن تطور الوعي يعني أن الشيعي قد يخرج عن دائرة الطاعة العمياء.
التعلق بإيران على حساب الوطن
ولما كان أكثر من 98% من المراجع الشيعية هم من الفرس الإيرانيين، فقد كان طبيعيا أن ينساق الشيعي للتعلق بإيران على حساب الولاء للوطن، وقد قالها أكثر من واحد من قادة المليشيات الشيعية في العراق بكلمات صريحة قاطعة إنه إذا نشب نزاع مسلح بين العراق وإيران فإنه سيقاتل إلى جانب إيران لأن هذا حكم شرعي ويمثل التزاما بالوقوف إلى جانب الحق الذي تمثله دولة الإمام، وهذا ليس من قبيل التصريحات الصحفية بل هو واقع حصل على الأرض خلال حرب الثمانينيات من القرن الماضي عندما قاتل آلاف من الشيعة العراقيين مع إيران التزاما بالتشيع وأوامر مراجعهم الإيرانيين على حساب الولاء للوطن.
هذه هي قوة إيران الحقيقية في التمدد في الوطن العربي وتسعى لتعزيز وجودها عن طريق بعثاتها الدبلوماسية وتقديم العون للطلبة المعوزين بمن فيهم غير المتفوقين الذين لا يصلحون للدخول للجامعة في بلدانهم للدراسة في إيران وهي دراسة ذات صبغة علمية في ظاهرها ولكنها سرعان ما تتحول بعد وصول الطالب إلى إغراءات وضغوط نفسية ومالية وجنسية واحتمال توريطه في قضايا مخدرات وما شابه من أجل دراسة الفقه الجعفري في الحوزات العلمية مع ما يرافق ذلك من عروض بزواج المتعة وتزيين الأمر وكأنه عبادة, لها مكانة دينية تفوق ما للزواج الشرعي، ومع الوقت وبعد أن يجد الطالب نفسه مطوقا بأجواء “إيمانية غارقة في الفساد المقدس” ومع الوضع المالي الجديد أو الموعود له ولأسرته، يتحول مذهبيا نحو تشيعٍ فيه تطرف يحاول إثبات الولاء للدين الجديد بالتنكر لكل المعتقدات التي كان يحملها في الماضي والدخول في معارك كلامية مع بيئته السابقة، وعند عودة هؤلاء الطلبة إلى بلدانهم يبدأون بتحرك منسق مع الجهة الإيرانية، على أفراد أسرهم وأصدقائهم، فتتكون الخلية الأولى للتشيع في بلدانهم، ثم تبدأ الخطوات اللاحقة المتمثلة بإقامة منتديات ثقافية وتتوفر لها الكتب والمراجع والمصادر التي تطرح شعارات براقة عن النظام الإيراني والموقف الثوري من القضية الفلسطينية وتجعل ذلك جزءً من الأجواء التي يعيشها الشيعي الجديد لإشعاره بالقوة والتحدي اللذين يستند إليهما في مواجهة الرفض الشعبي لوجودهم، ثم تبدأ المعتقدات بالتسلل إلى سيل جارف عبر التدفق الإعلامي والمالي السخي الإيراني على غير ما نعرفه عن طبيعة إيران، حتى يصار إلى تحويل المشروع إلى مشروع إعلامي عن طريق الحصول على امتياز صحفي أو أكثر وصولا إلى إطلاق فضائية، ثم تنطلق حملات لحقوق الإنسان لتوفير حق العبادة للشيعة في بيئتهم الجديدة للعمل تحت مظلة من الحماية الدولية وبعد ذلك تتحول الأقلية الضئيلة وكأنها ثقل سكاني قد يتحول إلى حزب سياسي ومن بعدها إلى مليشيا تنازع الدولة في سيادتها.
ولهذا فالحل يكمن في التصدي للمشروع الإيراني قبل أن يتسلل إلى بيئتنا.
مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات