كانت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لروسيا، في أواخر شهر أغسطس الماضي، الزيارة الرابعة من نوعها على امتداد السنة المنصرمة. ووفقاً لما أفادت به تقارير وسائل الإعلام تمثل الموضوع الرئيسي، الذي تصدّر جدول الأعمال بين الطرفين، في إيران ودورها في سوريا.
وفي ظل تصاعد احتمال هزيمة تنظيم الدولة في سوريا، يعتري إسرائيل قلق متزايد بشأن ما سيحدث لاحقاً.
ويقول ريتشارد سيلفرستون, في موقع “ميدل إيست آي”: رغم تبنّي إسرائيل في الظاهر موقفاً محايداً إزاء الصراع السوري، فقد تدخلت بصفة متكررة ضد بشار وحلفائه. وفي هذا الصدد تعرضت قوافل الأسلحة الإيرانية، فضلاً عن قوافل حزب الله التي تنقل أنظمة التسلح المتقدمة عبر سوريا إلى لبنان، للقصف بانتظام. كما اغتالت أجهزة المخابرات الإسرائيلية قادةً كبارا, سوريين وإيرانيين ومن حزب الله.
لم تكن هذه الضربات مُوجّهة بشكل خاص ضد يشار بل ضد إيران وحزب الله، أما في الوقت الراهن، وبينما تنامى نفوذ إيران وحزب الله بشكل ملحوظ، فإن إسرائيل تفكر في مرحلة ما بعد تنظيم الدولة ومصير المنطقة.
بالعودة إلى سنة 2006، خاضت إسرائيل حرباً ضد حزب الله، لم ينتصر فيها أحد من الطرفين. ومنذ ذلك الحين، عزز حزب الله قوته العسكرية بشكل هائل, وأصبح يملك حالياً أكثر من 100 ألف صاروخ ضمن ترسانته، في حين أن قواته البرية تقاتل بكثافة في سوريا؛ ممَّا جعلها تكتسب خبرة قتالية لا مثيل لها.
قد لا يمثل حزب الله ندّاً للجيش الإسرائيلي، إلا أن إسرائيل تدرك أنه يمثل خصماً لا يستهان به ضمن أي نزاع في المستقبل. ومن هذا المنطلق سعى الجيش الإسرائيلي إلى تحطيم ترسانة حزب الله من الأسلحة المتقدمة. أما إيران، الحليف الرئيسي لحزب الله، فقد لعبت أيضاً دوراً أساسياً على الجبهة الشمالية لإسرائيل.
بغض النظر عن حملة طهران للحصول على الأسلحة النووية، تم تكريس جملة من القوات والأسلحة التقليدية الإيرانية لإنقاذ نظام الأسد؛ ما مكنه من استعادة الأراضي التي استولى عليها تنظيم الدولة وغيره من الجماعات السنية، فضلاً عن تعزيز القدرات العسكرية لحزب الله.
في الأثناء، يتجسد أحد السيناريوهات الحقيقية التي تتصورها إسرائيل، فضلاً عن إيران وحزب الله، في قيام مواجهة محتملة في المستقبل بين الأطراف المختلفة. ومن هذا المنطلق قدّم الجيش الإسرائيلي عرضاً للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريس، خلال زيارته لإسرائيل, وفي إطار مؤتمر صحفي، عرض الجانب الإسرائيلي صورًا للأقمار الصناعية التي يزعم أنها تكشف عن مصنع للصواريخ الإيرانية يجري بناؤه داخل لبنان.
وفي خضم التغطية الإعلامية التي حظي بها المؤتمر، لم يكلف أي مراسل نفسه للتشاور مع محللين استخباراتيين مستقلين لتأكيد صحة الصور التي أظهرها الجيش الإسرائيلي، كما لم يقدم جيش الدفاع الإسرائيلي أي أدلة داعمة أخرى.
في هذا الصدد، أفادت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن مصادر من المعارضة السورية، رفضت الكشف عن هويتها، زعمت مشاهدتها لعملية تركيب بطاريات روسية من طراز “إس-400” بجوار مرافق تصنيع الصواريخ الإيرانية المتقدمة. وتجدر الإشارة إلى أن هذه المرافق يجري تشييدها على مشارف مدينة طرطوس الساحلية. من جانب آخر، يبدو أن تقرير هذه الصحيفة يستند إلى تغريدة على موقع تويتر شاركتها مدونة إسرائيلية تُعنى “بتحليل الاستخبارات” وتُدعى “إنتلينيوز”.
في المقابل، شارك شموئيل مئير، صاحب مدونة تُعنى بالأمن القومي لصحيفة “هآرتس”، عبر تغريدة له شكوكه حول مصدر المعلومات، حيث قال: “من وجهة نظري، لا يعتبر ما قدّمته “إنتلينيوز” معلومات موثوقة، كما يدّعي نتنياهو علناً. ففي الواقع، لا يزال الإسرائيليون غير ملمّين بمعايير الوجود العسكري الإيراني في سوريا”.
خلافاً لذلك، يحيل ظهور مثل هذه القصة بشكل بارز في وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى اللهجة الهستيرية المتصاعدة لتغطية هذه المسألة. ويعيد ذلك إلى الأذهان التصريحات الحادة، التي تكاد تكون ضرباً من التمثيل، والتي تم توظيفها لتصوير ما سُمّي بالتهديد النووي الإيراني خلال السنوات التي سبقت توقيع اتفاق مجموعة 5+1. وبشكل يشبه المعجزة، لم يتم التطرق من جديد إلى ذلك النوع من التغطية بعد دخول الاتفاق حيّز التنفيذ. وفي الوقت الراهن، يبدو أن القيادة الإسرائيلية تقوم بإعادة التحريض على الشعور بالخوف، وهو تكتيك يعود إليه الفضل في نجاح اليمين الإسرائيلي المتطرف.
زيارة تودد إلى موسكو
خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو سعى نتنياهو إلى إقناع فلاديمير بوتين بضرورة العمل على كبح جماح إيران، أو أن يبادر بقطع العلاقات معها تماماً. وفي الأثناء، وصل الأمر بالصحيفة الروسية “برافدا” إلى الزعم بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بدا متأثراً للغاية حتى إن الذعر كاد أن يتملكه في بعض الأحيان، وذلك وفقاً لما أفاد به شهود عيان حضروا الجزء المفتوح من المحادثات. فضلاً عن ذلك، قام نتنياهو بوصف صورة لرؤيا يوحنا للرئيس الروسي، التي قد يشهدها العالم في حال لم تُبذل أي جهود لاحتواء إيران، التي يؤمن نتنياهو بأنها عازمة على تدمير إسرائيل.
علاوة على ذلك، هدّدت إسرائيل بأنها ستتكفل بحل المشكلة، المتمثلة في إيران، إذا لم تقم روسيا بذلك، إلا أن هذا التهديد يبدو أقرب إلى التبجح من أي أمر آخر؛ نظراً لأن إسرائيل تمتلك خيارات محدودة نسبياً. وحتى إن دخلت إسرائيل في حرب جديدة مع حزب الله، فلن تكون قادرة سوى على التسبب في إلحاق الضرر بقواتها الخاصة.
أما على الجانب الإيراني، فلا تقدر إسرائيل على شن هجوم مباشر على الجيش الإيراني أو على إيران نفسها. وفي سبيل تحقيق ذلك، من المرجح أن إسرائيل ستكون في حاجة إلى دعم الولايات المتحدة ضمنياً إن لم يكن ذلك بشكل مباشر. وعلى الرغم من أن دونالد ترامب يشارك إسرائيل كرهها لإيران، إلا أنه من غير المحتمل أن يتمكن من إقناع من يحب أن يُطلق عليهم لقب “جنرالاتي” بالتورط في حرب أخرى في الشرق الأوسط. وفي حين قد يعطي ترامب الضوء الأخضر لإسرائيل، سيجد الجيش الإسرائيلي نفسه بمفرده في إطار سعيه وراء مغامرة مماثلة.
وفي هذا السياق، كتب المراسل الصحفي، إيليا مجناير، في مدونته أن حلقة خيارات إسرائيل الاستراتيجية ما فتئت تصبح أضيق فأضيق على حدودها الشمالية مع سوريا. وفي الأثناء، لن يؤدي فوز بشار المحتمل إلا إلى إعادة توحيد صفوفه، وتعزيز تماسك البلاد إقليمياً.
ويتناقض ذلك مع أمل إسرائيل في أن تتحوّل سوريا إلى كانتونات إقليمية؛ ممَّا يسمح لها بالسيطرة على الجولان والتمتع بالسلام هناك, وكانت إسرائيل تطمح إلى إقامة منطقة عازلة تفصل الجولان المحتل عن سوريا، ومن ثم ضمان السلام في تلك المنطقة.
ويرى مجناير أن “الهدف الوحيد الذي يحاول نتنياهو الوصول إليه من خلال المداولات مع بوتين يكمن في تأمين سيطرته التامة على الجولان، وهو أمر لا يستطيع الكرملين تقديمه. ولعل ذلك ما يفسر رفض إسرائيل اتفاق وقف النزاع بين روسيا والولايات المتحدة في الجنوب، حيث لا يقدم ذلك أي ضمانات لإسرائيل للحفاظ على مرتفعات الجولان، فضلاً عن أن مثل هذه الخطوة لا تحيل بالضرورة إلى أن روسيا ستكون طرفاً في الصراع بين إسرائيل وحزب الله”.
ربما لم يدرك نتنياهو هذه الحقائق بعد، لكن إسرائيل تبدو مقيدة أكثر من أي وقت مضى فيما يتعلق بالخطوات التي يمكن أن تتخذها في ظل هذه الظروف. ونتيجة لذلك ناشد نتنياهو بوتين، وهو ما كان بمنزلة خطوة يائسة، للوقوف في صف إسرائيل. والجدير بالذكر أن بوتين يجلس على عرش المنتصرين في سوريا، حيث نجح في بلوغ هدفه الاستراتيجي المتمثل في بسط نفوذه في الشرق الأوسط تماماً مثلما فعل الاتحاد السوفيتي سابقاً، علماً أن روسيا حققت ذلك بالتنسيق مع إيران.
إيران لا تعتبر حليفاً عسكرياً فحسب بل هي أيضاً مشتر رئيسي لأنظمة الأسلحة الروسية المتقدمة والأنظمة الهندسية، علماً أن مهندسين وعلماء روساً قاموا بإنشاء محطة بوشهر الكهروذرية الإيرانية. من جانبه، قدر معهد “تشاتام هاوس” أن صادرات روسيا من الأسلحة إلى الشرق الأوسط تتراوح قيمتها بين 1.2 مليار دولار و5.6 مليارات دولار سنوياً، وذلك من إجمالي السوق السنوية لتصدير الأسلحة التي تبلغ قيمتها 14.5 مليار دولار.
خلال سنة 2016، أعلنت إيران وروسيا عن اتفاق ثنائي لشراء دبابات وطائرات روسية بقيمة 10 مليارات دولار. وفي هذا الإطار، لسائل أن يسأل، كيف ظن نتنياهو أن بوتين سيتخلى عن حليفته إيران والوقوف إلى جانب إسرائيل؟ وما الذي قد يجنيه بوتين من ذلك، وهو المنتصر في حرب طويلة؟
ارتكب نتنياهو خطأ جوهرياً فيما يتعلق بتقديراته بشأن إمكان اقناع بوتين بوجهات نظره, وقد سخرت وسائل الإعلام العالمية من نتائج الزيارة التي وصفت محادثاتها بأنها فاشلة. وفي حين أصغى بوتين دون أن يُلزم نفسه بشيء إلى مطالب رئيس الوزراء الإسرائيلي، غادر نتنياهو البلاد خالي الوفاض.
حاول إيليا مجناير تحري الأسباب التي جعلت روسيا غير قادرة على استيعاب مطالب الزعيم الإسرائيلي: “إسرائيل ترغب في وضع حدّ للوجود الإيراني على حدودها، بيد أن موسكو لن تستطيع إرضاءها؛ نظراً للعلاقة الاستراتيجية الروسية الإيرانية والتعاون بينهما في مجال الطاقة. علاوة على ذلك، كان التدخل الروسي في الحرب السورية حاسماً في انتصار الأسد، ولكن لم يكن لينجح من دون تكفل القوات البرية الإيرانية (وقوات حلفائها) بالسيطرة على الأراضي وخوض الحروب الحضرية”.
وأردف أن “إسرائيل سعت إلى إقناع روسيا بوقف عمليات تزويد إيران لحزب الله بالأسلحة، وهو ما يُعتبر أمراً مستحيلاً؛ ذلك أن إيران استثمرت بشكل كبير في سوريا لدعم الأسد، وأيضاً للحفاظ على التدفق على مستوى خط الإمداد مع حزب الله. بالإضافة إلى ذلك، لا تتدخل روسيا في عملية تدمير إسرائيل لأسلحة حزب الله، ولا في توريد إيران للأسلحة، على حد سواء”.
تصالح حماس وإيران
وكأن كل ما ذُكر آنفاً لم يكن سيئاً بما فيه الكفاية بالنسبة لإسرائيل، ليُعلن القائد العام لحركة حماس، يحيى السنوار، الأسبوع الماضي، عن المصالحة التي جمعت حركته بإيران بعد خمس سنوات من القطيعة. وقد أبدى العديد من الفلسطينيين عداءهم إزاء الأسد على خلفية قمعه الوحشي للمعارضين، الذين كان من بينهم فلسطينيون. ونتيجة لذلك، شهدت العلاقات بين الفلسطينيين وإيران تصدّعاً؛ نظراً لأن طهران من أبرز الداعمين لدمشق.
وفي الوقت الراهن، أشار السنوار إلى أن إيران تمثل “أكبر داعم مالي وعسكري لحركة حماس”، وهو ما يعتبر خبراً غير سار بالنسبة للإسرائيليين، الذين تلذّذوا بالعزلة المتزايدة التي تتعرض لها الحركة في غزة، فضلاً عن الضغط الذي يمارسه محمود عباس والسلطة الفلسطينية عليها من خلال قطع الكهرباء وإيقاف صرف رواتب الموظفين.
في المقابل، تمتلك إسرائيل بطاقة واحدة رابحة قوية ألا وهي دونالد ترامب الذي يشاطر نتنياهو الرأي في كل قضية رئيسية، بما في ذلك المسألة الإيرانية. فهل يستطيع الاثنان قلب الموازين وخلط الأوراق في المنطقة؟ في الواقع، يبدو هذا الاحتمال ممكناً وبعيد المنال في الآن ذاته، خاصة أن دولة واحدة فقط من مجموعة الدول الخمسة، وهي الولايات المتحدة، على استعداد للتخلي عن الاتفاق النووي.
من جهتهم، يؤيد الأوروبيون الاتفاق، مشددين على أن إيران ملتزمة بالامتثال لشروطه. فضلاً عن ذلك، وقعت إيران صفقات تجارية مربحة مع العديد من الشركات الأجنبية لتوفير ما تحتاجه، انطلاقاً من معدات التنقيب عن النفط وصولاً إلى طائرات الركاب. ومن ثم فهناك قلة من القادة الأجانب الذين على استعداد للتخلي عن هذا المنفذ التجاري الجديد لأسواق التصدير الخاصة بهم.
بناءً على ذلك، قد تضطر إسرائيل إلى التكيف مع دور محدود في المنطقة؛ ممَّا يعني أنها غير قادرة الآن على ممارسة نفوذها في أي مكان تريده، سواء كان ذلك في غزة أو الضفة الغربية أو سوريا أو لبنان. علاوة على ذلك، تقف إسرائيل في مواجهة قوة إقليمية متصاعدة، ألا وهي إيران التي تحتضن، تماماً مثل إسرائيل، طبقة من المهنيين ذوي تعليم عال تضم مهندسين وعلماء ورواد أعمال.
في الواقع يحدو الطموح هؤلاء الإيرانيين، مثلما كان حال نظرائهم الإسرائيليين في بداية طفرتهم التكنولوجية. وفي الأثناء، لا بد من طرح السؤال التالي: هل ستفسح إسرائيل المجال لمنافسٍ مماثل أم ستقاتل حتى الموت لوقف المنافسة الجديدة؟
في هذا الصدد، أقر إيليا مجناير بأن “إسرائيل يجب أن تهيئ نفسها للتكيف والتعايش مع الواقع الجديد، حيث تقف قوتان عُظميان الآن على حدودها، في حين لم تعد سماء سوريا ولبنان مجالاً حصرياً لها. فضلاً عن ذلك، ينبغي أن تدرك إسرائيل أنّ الأوان قد آن للقبول بالوضع الجديد، وتقبل واقع القوى الرابضة على حدودها، التي تشمل “محور المقاومة” ومعها روسيا”.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات