ذكرت دراسة اقتصادية، صدرت الأسبوع الماضي – أن الضرائب غير المباشرة تلتهم دخول محدودي الدخل، والضرائب التي يُفترض أن تُحصَّل من أصحاب الثروات تُستثنى منها أو تُخفَّض أو تُترك بلا رقابة، لتكون نتيجتها نظاماً ضريبياً يعمِّق الفقر بدلاً من أن يخفف من حدته.
وتساءل الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني، خلال الدراسة: “هل يدفع الفقراء ثمن امتيازات الأغنياء؟”.
وفي هذا السياق، أكد الميرغني لموقع “العربي الجديد” أن السياسات الضريبية التي يُفترض أن تكون أداة لتحقيق العدالة، تحولت إلى مطرقة تهدم ما تبقى من الطبقة الوسطى، بينما تحمي رأس المال الكبير وتفتح أمامه أبواب الإعفاءات والثغرات.
يقدّم الخبير الاقتصادي في دراسته الصادرة عن المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية تحليلاً رقمياً وتاريخياً لهيكل الضرائب في مصر، ويقارنه بالمعايير العالمية والعربية، لتخلص الدراسة إلى نتيجة مركزية وهي أن النظام الضريبي في مصر منحاز ضد العدالة الاجتماعية، ويُحمِّل أصحاب الدخول المنخفضة والمتوسطة العبء الأكبر، بينما وفَّر للأكثر ثراءً مساحات واسعة للتهرب أو الإعفاء أو خفض الالتزامات.
وفقاً للباحث، فإن أولى نتائج الدراسة تشير إلى ضعف الحصيلة الضريبية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، إذ لا تمثل إلا 14% فقط من الناتج في مصر، مقارنة بـ 31% في النرويج و30% في الدنمارك و27% في المملكة المتحدة، وحتى 22% في المغرب و20% في تونس، وهي دول نامية مثل مصر.
وأشار إلى أن هذا الضعف قاد إلى اعتماد الدولة المتزايد على الاقتراض المحلي والخارجي، إذ تبلغ الديون في موازنة 2025 -2026 حوالي 3575 مليار جنيه مقارنة بـ 3119 مليار جنيه فقط إيرادات ضريبية ومِنَحاً، أي أن الدولة تعتمد على الديون لتغطية أكثر من نصف احتياجاتها التمويلية (الدولار = نحو 47.6 جنيهاً).
بالنسبة للخبير الاقتصادي، فإن هذه الأرقام تعني أن كل جنيه لا يُحصَّل من القادرين، يعوَّض عبر الاستدانة التي تُسدَّد قيمتها من جيوب الفقراء من خلال الأسعار المرتفعة وتقليص الإنفاق على الصحة والتعليم وزيادة الضرائب غير المباشرة وخفض الدعم الاجتماعي، ليصبح النظام الضريبي جزءاً أساسياً من “دوامة الفقر” التي يدفع ثمنها محدودو الدخل.
تكشف الدراسة أن نحو 87% من حصيلة الضرائب في السودان و66% في السعودية و50% في الأردن، و45% في مصر تأتي من الضرائب غير المباشرة – أي الضرائب على السلع والخدمات والقيمة المضافة – وهي ضرائب يطلق عليها الباحث وصف “غير عادلة”، لأنها تُفرض على الجميع بنفس النسبة من دون مراعاة مستوى الدخل وتفاوته بين المواطنين.
ولفت إلى أن الأرقام توضح أن الطبقات منخفضة ومتوسطة الدخل تنفق معظم دخلها على السلع الأساسية، بما يجعل الضريبة غير المباشرة عبئاً مضاعفاً عليها مقارنة بالأغنياء الذين ينفقون نسبة أقل من دخولهم على السلع والخدمات.
تحذر الدراسة من أن أصحاب الدخول المرنة، وهم الأغنياء، ينقلون عبء الضريبة إلى المستهلك، عبر رفع الأسعار، بينما لا يستطيع أصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة فعل ذلك، فيتحملون العبء كاملاً.
وأوضح أن الضريبة على الدخل في معظم دول العالم تُستخدم لتحقيق العدالة الاجتماعية، في الوقت الذي تشير فيه الأرقام إلى أن أعلى شريحة للضريبة على الدخل في مصر تبلغ 27.5% فقط بعد تعديل جرى عام 2024، رغم أن دولاً مثل النمسا تصل بها إلى 55%، واليابان 55%، والدنمارك وفنلندا 56%، وفرنسا وألمانيا 45%، وكثير من الدول تفرض ضرائب أعلى بكثير على ذوي الدخول الكبيرة.
يذكر الميرغني أن مصر التي تحتل المرتبة 90 عالمياً من بين 145 دولة من حيث معدل الضريبة على الدخل الشخصي، هو معدل منخفض لا يتناسب مع مستويات عدم المساواة في المجتمع المصري.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات