لا غرابة فيما يحدث لأهل الحق في كل زمان ومكان, لقد قادت قريش, وقاد صناديد الكفر الحرب ضد محمد صلى الله علية وسلم وصحابته, فعذبوهم, وكادوا لهم, وحاصروهم, واستولوا على أموالهم, وأخرجوهم من ديارهم, وكان عيب هؤلاء أنهم أناس يتطهرون.
فكانت الهجرة للمدينة؛ والصاحب الوفي أبو بكر الطاهر البار المخلص لدعوته, يقول لصاحبه ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا, فيقول له الرسول الواثق بربه: ” ما بالك باثنين الله ثالثهما. لا تحزن إن الله معنا ” وكان بعدها النصر والفتح المبين (إنا فتحنا لك فتحا مبينا).
وكذلك فعل فرعون وقومه مع موسى ومن معه من المؤمنين فقتلوهم واستحيوا نساءهم وطاردوهم، فكان يوم النجاة لموسى ومن معه يوم عاشوراء.
أما كان لموسى أن يقف ويقاوم؟
لكنه أدرك مدى قوته وقدرته على التصدي لفرعون وجنده, وهذا من حسن تقدير الموقف, وسبقت ذلك التقدير ( حسن التوكل على الله) فحين تنادى من معه: إنا لمدركون, قال الواثق بربه: (كلا إن معي ربي سيهدين), فنجى الله موسى ومن معه من المؤمنين وأهلك الفرعون وقومه, بالماء. وكان عيبهم أنهم أناس يتطهرون.
وكما خرج نوح بسفينته ومن معه من المؤمنين, وأهل الكفر يسخرون منه طيلة نحو ألف عام, فلم يؤمنوا بل آذوه وكفروا به، فكان الطوفان والهلاك لهم بالماء أيضا، فكما أن الماء فيه حياة للمؤمنين المتطهرين، فيه هلاك للظالمين المجرمين.
وما يُفعل الآن بالمؤمنين الصابرين من أذى وسجن وقتل وحرق وطرد من الديار وتشريد في البلاد واستيلاء على الأموال, إلا لأنهم أناس يتطهرون .
وما أخرج قوم لوطٍ لوطًا والمؤمنين معه إلا لأنهم كانوا قوما يتطهرون, فلا عجب ولا غرابة فيما يحدث للمتطهرين, ففي دولة اللا قانون وشبه الدولة, وفي عالم العوالم, وغابة الوحوش؛ دولة الانقلاب الفاشي، لا تسأل عن القوانين ولا عن الموازين ولا عن الحق ولا عن المنطق.
عالم تتحكم فيه بلطجة القوي الشرسة المهيمنة عليه والتي تمتلك القوة، فتفعل وتقتل ما تشاء وتترك ما تشاء وتعبث كيفما تشاء، وتصنع دواعش وقواعد وقتما تشاء لتبرر لنفسها أن تقتل من تشاء، طالما هناك عملاء وأنعام وأغنام ونعاج وأزلام يركبونهم، منهم الهمل الرعاع الذين يتبعون كل ناعق ومنهم المستخف بهم من الفراعنة, يتنادون فيما بينهم لقتل وطرد شرفاء كل عصر: (أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون).
لكن برغم ذلك فلن تهلك القرية (مصر) لأن فيها قومًا مصلحين, قال تعالى ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ), لذلك فالبشرى قريبة, لأن في مصر أناسًا متطهرين. وقريبا سيأتي النصر وسيكون الهلاك للمجرمين, فليفرح المجرمون قليلا, فسيبكون كثيرا, قال تعالى ( فلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بة فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) وستكون النجاة للمؤمنين سنة الله ولن تجد لسنة الله تحويلا ولن تجد لسنة الله تبديلا. قال تعالى (وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾.[ سورة النحل: 112].(وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) هود.
سينجو أحرار مصر وسيهلك الخائن المنقلب والمجرمون معه. لقد ذَكَّرَ الله الطغاة بمن كان قبلهم من الظالمين, لكنهم لم يأخذوا العبرة بأن مصيرهم سيكون مثل مصير من عاند واستكبر وطغى.
مبارك الحي الآن وأمثاله يذكرهم الله تعالى”وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ”. العبيد يرفضون أن يتحرروا عندما يجيئهم من ينتشلهم من العبودية ويجعلهم أحرارًا فيرفضون ذلك وينقلبون على من يريد لهم الحرية والكرامة بل ويرقصون ويؤيدون ويفوضون القاتل السفاح الذي سلبهم حريتهم وكرامتهم, بل تراهم يقولون للفرعون متملقين عبر كل زمن:( وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ)؟ هكذا الرعاع ﻻ يستطيعون العيش إﻻ وهم مستعبدون، وصدق من قال: قولوا لمن عشقوا الكراسي ومن عليها بئس شعب أدمن الوقوف واختار أن يعيش حياة العبيد.
لكننا لن نحني أبدا ولن نهين .. إنما نحني لله وحده واثقين
لنا وعد عنده بنصر مبين .. فلا نخاف ونأبى أن نذل لغير رب العالمين
ففي سبيل الله يحلو المنونَ .. ونفخر دائما أننا أناس متطهرونَ
إذاً هو طريق الأنبياء والأصفياء طريق الطهارة والنقاء، وبعد هذه المحن ستأتي المنح من الله, ومن أصدق من الله قيلا (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) القصص.
إن التمكين والتوريث في الأرض هو لأهل الحق لا شك. فصبر جميل والله المستعان على ما يصفون.
ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا .. ويومئذ يفرح المؤمنون المتطهرون بنصر الله
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات