محددات العلاقة مع العراق
المتغيرات التي مرت بها العلاقات التركية العراقية وخصوصاً المواقف التركية تجاه العراق في المفاصل التاريخية التي ذكرناها في الحلقتين الأولى والثانية من هذا التقرير تزيد من أهمية فهم آلية صنع القرار التركي وفق المحددات والأسس التي تساهم في تشكيل الرؤية والاستراتيجية التركيتين إزاء الجار العراقي، بما يفيد في إمكانية استشراف مستقبل العلاقات بين الطرفين في ظل أي متغيرات قادمة.
ذلك أن التطورات تساهم في تشكيل المواقف والسياسات، لكن ضمن الحدود التي ترسمها الرؤى والاستراتيجيات، وفي المسار الذي ترسمه المحددات العريضة.
وفيما يتعلق بالسياسات التركية إزاء العراق، يمكن ذكر المحددات والأسس الرئيسة التالية:
أولاً: حزب العمال الكردستاني, الملف ذو الأولوية القصوى بالنسبة لأنقرة هو تهديد حزب العمال لأراضيها، إذ يشن حرباً انفصالية منذ 1984 كلفت تركيا 40 ألف قتيل وأكثر من 500 مليار دولار فضلاً عن فترة التصعيد الحالية التي حاول من خلالها الحزب ومنذ يوليو 2015 بدء حرب مدن, وإعلان إدارات ذاتية في مناطق الأغلبية الكردية جنوب شرق البلاد[1]. ولأن الحزب يملك معسكرات تدريب في جبال قنديل شمال العراق ينطلق منها المسلحون ويقوم بعمليات تهريب السلاح للداخل التركي، فإن العلاقات التركية مع كل من حكومة بغداد المركزية وحكومة إقليم كردستان العراق تتحدد بشكل كبير، وقبل أي محدد آخر، على موقف كل منهما إزاء هذه المعسكرات وحق تركيا في التدخل ضدها، ولذلك نجد في تاريخ العلاقات التركية العراقية لحظات تأزم ولحظات تعاون في هذا الملف باختلاف موقف بغداد.
ثانياً: وحدة أراضي العراق, ما زال الموقف التركي رافضاً لسيناريوهات التقسيم في المنطقة سيما فيما يتعلق بسوريا والعراق، باعتبار أن مخرجاتها لن تقف عند حدود هذين الدولتين بل ستتعداهما لبعض دول الجوار وفي مقدمتها تركيا التي ما زالت تعاني من تفاقم وتداعيات المشكلة الكردية. وبالتالي فالالتزام بوحدة أراضي العراق مرتكز أساسي من مرتكزات السياسة الخارجية التركية سيما وأن ضعف الحكومة المركزية وتقسم أراضيها لن يغري فقط أكراد تركيا بسيناريوهات مستقبلية مشابهة، بل يزيد أيضاً من خطر تنظيم الدولة – داعش. ومع التزام تركيا بوحدة الأراضي العراقية فإنها تؤكد على ضرورة الحفاظ على التوازن والاستقرار بين مكونات الشعب العراقي الإثنية والمذهبية، مع اهتمام خاص بكركوك حيث يعيش العرب والتركمان والأكراد جنباً إلى جنب، واعتبارها مع بغداد صمام أمان لمنع وصول تطورات الأحداث إلى نزاع صفري على أسس عرقية ومذهبية[2].
ثالثاً: العلاقات الاقتصادية, كما في علاقاتها مع معظم الدول، يبقى الملف الاقتصادي أحد أهم محددات السياسة التركية إزاء العراق، الذي يبرز كأحد أهم الشركاء التجاريين لأنقرة من حيث التجارة البرية البينية والغاز الطبيعي والاستثمارات التركية في العراق وعمل شركات البناء والإنشاءات التركية على أراضيه، وبحجم تبادل تجاري اقترب من 9 مليارات دولار عام 2015 (كان قد وصل لحدود 12 مليار دولار عام 2013)[ 3] كما يمثل العراق وخصوصاً الإقليم الشمالي أحد ضمانات أمن الطاقة التركي باعتباره ضمن البدائل التي يمكن أن تخفض من مستوى الاعتماد على الغاز الروسي الذي يبلغ حالياً 55% من احتياجات أنقرة[4]. وبالتالي فثمة حرص تركي على علاقات أكثر من جيدة مع العراق، أو على الأقل عدم تدهورها رغم الملفات الخلافية بين الطرفين.
رابعاً: العلاقة مع إيران, منذ تصويت البرلمان التركي برفض المشاركة في الحرب ضد العراق وعدم السماح للقوات الأمريكية باستخدام الأراضي التركية، خسرت تركيا مساحات التأثير والنفوذ في العراق أمام إيران، ثم تجددت مجالات التنافس والمواجهة غير المباشرة معها وزادت إثر الأزمة السورية والموقف التركي من عملية “عاصفة الحزم” في اليمن والتحفظات التركية على سياسات المالكي ثم العبادي الإقصائية والطائفية بحق المكوّن السني في العراق. بهذا المعنى فإن مستوى العلاقات العراقية – الإيرانية بين التمايز والتعاون والارتهان وما يتفرع عن ذلك من سياسات داخلية تخص التنوع العرقي والمذهبي في البلاد، محدد رئيس لمستوى ومسار العلاقات البينية بين أنقرة وبغداد. ويمكن أن يضاف لهذا المحدد وعلى هامشه تأثير الأزمة السورية وخصوصاً سيناريوهات الحل والتهدئة على العلاقات التركية – العراقية، وإن بدرجة أقل.
خامساً: تنظيم الدولة- داعش, بعد فترة من غض تركيا الطرف عن تنظيم الدولة في سوريا باعتبار أنه كان يوازن الفصائل الكردية المسلحة، قوات حماية الشعب، ويمنع تقدم المشروع السياسي الكردي في سوريا، يبدو أن تركيا بدأت تتجه لمواجهة التنظيم بعد أن بات يهدد أمنها بشكل مباشر ومستمر من خلال قصفه المتواصل لمدينة كيليس الحدودية ومن خلال العمليات الانتحارية التي تتهمه الحكومة التركية بالوقوف خلفها في الداخل التركي. وفي العراق، أدى ظهور تنظيم الدولة ثم التطورات اللاحقة إلى تضرر تركيا اقتصادياً من خلال التأثير على التجارة البرية مع العراق وتأثر قطاع البناء والإنشاءات هناك[5]، كما تتواجد قوات تركية في معسكر بعشيقة في شمال العراق لتدريب مجموعات عربية وكردية عراقية لمواجهة تنظيم الدولة.
خلاصة
بالنظر إلى المحددات العامة للسياسة الخارجية التركية إزاء العراق، يمكن القول إن أنقرة حريصة على أفضل العلاقات مع جارتها العراقية على مستوى الحكومة المركزية في بغداد وعلى مستوى إقليم شمال (كردستان) العراق، فالعلاقات الجيدة مع كليهما تضمن لها عدة مكاسب استراتيجية، في مقدمتها ضبط خطر حزب العمال الكردستاني وعدم خروج الملف الكردي الداخلي عن السيطرة وبدائل مهمة في صلب أمن الطاقة لديها ومواجهة خطر تنظيم الدولة – داعش فضلاً عن الإبقاء على إمكانية لعب دور ما في المشهد العراقي بالتنافس و/أو التعاون مع إيران، جنباً إلى جنب مع ضبط التطورات في العراق والمنطقة لئلا تتدحرج نحو صراع طائفي صفري لا تريده أنقرة وترى فيه دماراً للمنطقة وكل فواعلها. إذن، ثمة علاقات استراتيجية واقتصادية تفرض على الطرفين التقارب والتعاون والتنسيق، بينما هناك ملفات توتر العلاقة بين الحين والآخر مثل ملفات المياه وهجمات حزب العمال واختلاف وجهتي النظر بخصوص قضايا المنطقة وفي مقدمتها الأزمة السورية.
بيد أن هذه العلاقات الجيدة مرهونة بدرجة او بأخرى برغبة الجار العراقي في تحسين العلاقات مع أنقرة وقدرته على ذلك إضافة إلى عدة محددات أخرى قد تكون خارج نطاق إرادته وممكناته، مثل تطورات الأزمة السورية والحرب على تنظيم الدولة ومآلات المواجهة السعودية – الإيرانية الباردة في الإقليم.
سيناريوهات غير مؤكدة
وعليه، فلا يمكن الجزم بسيناريوهات مستقبلية محددة لتنظم العلاقة بين الطرفين في ظل حالة عدم الاستقرار في العراق وبدرجة أقل تركيا وحالة السيولة في المنطقة بشكل عام.
وبذلك فالاحتمالات التي قد تسير فيها العلاقات البينية بين البلدين مفتوحة على طيف واسع من الخيارات، بدءاً من التعاون الجيد في المسارات السياسية والاقتصادية والأمنية مروراً باستمرار الوضع الحالي من التعاون البارد والتوتر المنضبط وصولاً للسيناريوهات الكارثية التي قد تشمل التقسيم والتشظي والتدخل التركي العسكري المباشر في العراق على حدود خط الموصل – حلب حماية لحدودها وأمنها القومي.
ورغم تعدد السيناريوهات المفترضة نظرياً، إلا أنها لا تتمتع بنفس نسبة الاحتمالية والتوقع، كما أن الأسس والمحددات المذكورة آنفاً إضافة إلى المتغيرات الأخيرة في السياسة الخارجية التركية نحو تدوير زوايا الخلاف وترطيب العلاقات مع مختلف الدول سيما دول الجوار تُغلّب بعض السيناريوهات على بعض وترسم مسارات أكثر احتمالاً من غيرها، بيد أن ذلك أبعد من أهداف هذه الورقة التي سعت إلى وضع المحددات الرئيسة والسياقات العامة التي تصوغ العلاقة في إطار واسع يصلح للتقييم والاستشراف على المدى البعيد وفي ظل مختلف المتغيرات.
[1] أنظر مثلاً: سعيد الحاج، عملية السلام مع أكراد تركيا أمام مفترق طرق، مركز الدزيرة للدراسات، 19 يناير 2016
[2] أحمد داود أوغلو، العمق الاستراتيجي، ص 621 – 622.
[3] إحصاءات التجارة التركية الخارجية حسب البلدان والسنوات، هيئة الإحصاء التركية: http://www.tuik.gov.tr/PreTablo.do?alt_id=1046
[4] سعيد الحاج، ناجورنو كارباخ: ساحة صراع جديدة بين روسيا وتركيا، مركز الجزيرة للدراسات، 2 مايو 2016
[5] علي حسين باكير، العراق في حسابات تركيا الاستراتيجية والتوجهات المستقبلية، مركز الجزيرة للدراسات، 18 يناير 2016
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات