حين زاد الخناق على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته بمكة, أذن النبي للصحابة في الهجرة إلي الحبشة فرارا بدينهم إلي أن يقضي الله أمرا كان مفعولا, وقال لهم اذهبوا إلى الحبشة فإن هناك ملكا عادلا لا يظلم عنده أحد. وهاجر بعض الصحابة واستقر بهم المقام هناك لكن قريش لم تتركهم وخافت من الإسلام ينتشر هناك ويصبح خطرًا على تجارتهم فأرسلت عمرو بن العاص يطلبهم من النجاشي. وبعد جلسةٍ مع الصحابة اقتنع النجاشي بكلام جعفر بن أبي طالب ورفض تسليمهم وقال لعمرو جمله غريبة. قال: ( ردوا عليه هديته فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه, وما أطاع الناس في فأطيع الناس فيه. وظهر من كلامه أنه أسلم وترك النصرانية. هنا بدأ الإعداد للانقلاب على النجاشي, والتاريخ يعيد نفسه. فبعد رجوع عمرو بن العاص خالي الوفاض ظهر في الأفق أحد المنقلبين لينازع النجاشي على ملكه ويريد الانقلاب عليه, وأعد جيشا وأخذ يشيع ويحرض على النجاشي وقال عنه إنه ديكتاتور وقد كفر بالنصرانية، فعلم النجاشي بذلك فجهز سفنا بحرية للمسلمين ثم قال لهم احذروا وكونوا على استعداد, فإذا انهزمت اركبوا السفن وغادروا الحبشة حتى لا يسلمكم لقريش, وإذا انتصرت عليه عودوا كما كنتم لتعيشوا معنا آمنين. تقول أمنا أم المؤمنين أم سلمة: فو الله ما علمتنا حزنا قط أشد علينا من حزن عند ذلك، خوفا أن يظهر ذلك الرجل (المنقلب) على النجاشي فيأتي هذا فلا يعرف من حقنا ما كان يعرفه النجاشي لنا.
وكأن الأمس هو اليوم, وأم المؤمنين؛ أم سلمة تريد أن تعرف الأخبار لتطمئن. ذهب الزبير بن العوام وكان أصغرهم سنا وسبح في النهر وتابع المعركة. تقول: فدعونا الله تعالى للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده. وكأنها نفس اللحظة التي عشناها لحظة المعرفة بانقلاب الخونة في تركيا.. تقول أم سلمه: ونحن على هذا الحال تنبض قلوبنا, لقينا الزبير يخرج من النهر ويقول: أبشروا فقد ظهر وانتصر النجاشي وأهلك الله عدوه ومكن الله له في بلاده. تقول أمنا أم سلمة: فوالله ما علمتنا فرحنا فرحة قط مثلها. ورجع النجاشي وقد أهلك الله عدوه ومكن له في بلاده واستوثق عليه أمر الحبشة فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الحادث.
بداية فرج من الله على المستضعفين يأتي تباعا, فقد أسلم سيدنا عمر بن الخطاب, وتم فك الحصار عن النبي في شعب أبي طالب. القصة أخرجها بن إسحاق في المغازي وأحمد رقم 1740 من طريق ابن إسحاق بسند صحيح من حديث أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فيما بعد.
لقد كنت متابعا لما حدث من انقلاب في تركيا لحظة بلحظة, فلم تنم عين والناس بين متابع ومصلٍ وداعٍ. والغريب أنني كنت هادئا على غير العادة لثقتي أن الله لن يضيع من أجر من أحسن عملا برغم فزع أولادي وزوجتي وخوفهم. فاردوغان هو المتبقي لهذه الأمة بعد عون الله تعالى وذلك بعد أن فرط المتخاذلون في دمها وعرضها وخيرها وشردوا أهلها وباعوها لأسيادهم. إن ما حدث في تركيا الحبيبة وما أقدم عليه الانقلابيون, وسقوطهم السريع هو بمثابة فتح مبين واستفتاء شعبي ليس على ورق أو بانتخابات, ولكن بإعطاء صلاحيات واسعة للقضاء على الخونة, فما لم يكن بمقدور اردوغان أن يفعله أصبح بمقدوره وله مبرره, وانكشف الخونة, ففي الوقت الذي ازداد فيه الضغط على القيادة التركية والحكومة من الداخل والخارج, وبدأت التنازلات بعودة العلاقات مع إسرائيل وإعادة النظر في العلاقات مع مصر والعراق وسوريا، حدث ما حدث فسبحان الله, ورب ضارة نافعة والحمد لله.
يقول الشيخ محمد الغزالي: جدير بالإنسان في عالمٍ استوحش فيه الحق على هذا النحو أن يجتهد في تحريه، وأن يلتزم الأخذ به، وأن يرجع إليه كلما بعدته التيارات عنه. ولعل هذا هو السر في أن الله طلب إلى كل مؤمن أن يسأله الهدى، وكلفه ألا يسأم من تكرار هذا السؤال حينا بعد حين. ففي كل صلاة مفروضة أو نافلة يقف المرء بين يدي ربه يقول: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين )
لقد فشل الانقلاب في تركيا وسقط خلال ساعات ثم تم اعتقال وإقال الآلاف, فما بالنا في مصر وقد حدث فيها انقلاب منذ سنوات ولم يسقط حتى الآن؟ فما الخير الذي يخبئه انقلاب مصر من وراءه؟ وذلك بعد سقوطه إن شاء الله؟ لا شك أنه خير وفيـر, إن شيئا ما سيحدث عن قريب وفيه خير للأمة للبعيد وللقريب, فما زال التمحيص على أشده على مستوى الدول والفرق والجماعات والأفراد, وما يزال القادة يجَهَزُون لهذه اللحظة.
لقد انتصر نجاشي تركيا اردوغان, وأهلك الله عدوه, وأعطى اردوغان الدروس لمنقلبي كل عصر ومصر وقد مُكن له في بلاده وسيستوثق عليه أمر تركيا, ومن عنده من السوريين والمصريين وغيرهم في خير منزل.
إن المآذن أذَّنت والأذرع ارتفعت بأكف الضراعة إلى الله والألسن كبَّرت والأعين بكت والأرجل قامت قانتة. رفرفت قلوبنا وهتفت من الفرحة لتركيا وأردوغان بعد فشل الانقلابيين, وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم.
سقط الانقلاب في تركيا, وسيسقط المنقلبون في مصر وسيخرج نجاشي مصر د. مرسي الذي آوى المستضعفين السوريين والفلسطينيين, وإن غدا لناظره قريب ولتعلمن نبأه بعد حين.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات