أحمد مبارك بشير: الغراب .. قصة قصيرة

هذه قريتنا عشت أحلام الصبا فيها، لم أتركها راضياً ولا مختارا. لم أستطع أثبات رأيي لأنني إنسان.

كان صبياً في الثامنة من العمر، ها هو يسير إلى مدرسته، الصغار يتقافزون هنا وهناك سعياً للمدرسة. مر يومهم الدراسي كأحلى يوم في هذه القرية النائية، كما هي العادة نتعلم من الحياة أكثر مما نتعلمه في المدرسة. في طريق العودة لمح صغيرنا أحد أصدقائه الصغار يتسلل مبتعداً فتبعه ورآه يقف تحت شجرة كبيرة على  السفح الشرقي للتلة، أخذ يقذف الحجارة بمقلاعه الصغير على الأغصان.. أقترب منه مستغرباً.. وانتبه للمنظر هناك.. عش أعلى الشجرة.

صاح الصغير:

– انتبه .. توقف!

نظر إليه الصغير صاحب المقلاع … ثم جرى مبتعداً عندما اهتز الغصن وسقط منه العش على الأرض بقوة وفيه فرخان لغراب فقدا الحياة.. هذه الحجارة الثقيلة عليهما من رمية المقلاع كفيلة بذلك.

تأسى صغيرنا وحمل العش جانباً بما فيه ولم ينتبه حوله إلا على جسد أسود يحط على رأسه وينقره بقوة .. صرخ الصغير وضرب الغراب وأخذ يجري مبتعداً والغراب يلحقه وهو يصيح:

“عاق .. عاق.. عاق”

بدأت السماء تتلبد سواداً.. مجموعة كبيرة من الغربان اجتمعت وكلها ترفرف أعلى الصبي في استعداد عسكري للانقضاض عليه .. زاد صراخ الصغير وبكاؤه واستنجاده.. سمعه من سمعه وهبوا لنجدته، وكلهم يتعجب؛ ماهذا الذي يحدث؟

أوصلوا صغيرنا إلى داره يسيل الدم من رأسه، رأت الأم المنظر فهرعت إليه:

–  صغيري .. ماذا أصابك؟ من صنع به هذا؟

كانت إجابة الصغير البكاء.. وإجابة المنقذين:

– إنها الغربان!

حضر الأب واستمع للخبر وسأل ابنه :

ماذا حدث؟ لماذا هاجمتك الغربان؟

قص الصغير قصته .. فتبسم الأب وقال:

– لا بأس يا صغيري .. ظنت الغربان أنك قاتل أفراخها .. تكبر وتأخذ غيرها .. ابتسم!

–  أخشى يا أباه .. أن الغربان لن تعرف أني بريء .. كيف أشرح لها الحقيقة؟

–  لا عليك غداً تنسى.. إنها طيور.. وإذا أردت أن تعلمها الحقيقة فتعلم لغتها!

–  ربما أتعلم لغتهم .. كم أكره الغربان الظالمة!

تبسمت الأم لرد وليدها؛ قرة عينها.

****

جاء يوم جديد وأستعد صغيرنا للذهاب إلى مدرسته. عند خروجه بعد وداع أمه لاحظ الصغير ذلك الغراب على شجرة الرمان أمام منزله وهو يراقبه، خاف الصغير، لكنه تشجع واستمر بالمشي الخفيف، حلق الغراب وبدأ ينعق وتجمع سرب الغربان. لم يعد هناك مجال للتفكير. أخذ الصغير أدراجه للعودة إلى البيت، فلو تقدم لضمن موته المؤكد، بالفعل هجمت الغربان وأخذت تنقره وسقط مغشياً عليه .. تحرك رجال الخير وأنقذوه .. لم يشعر صغيرنا إلا عندما فتح عينيه ليرى نفسه على السرير وأمه أمامه متحجبة! الطبيب بقربه يتفحصه:

– الحمد لله! نجوت بأعجوبة يا بطل! اسمعي ياسيدتي أفضل ألا يغادر الصغير السرير فترة هذا الأسبوع, منها راحة له, ومنها ضمان لابتعاد الغربان عن التفكير في الانتقام.

الأم: أعوذ بالله .. لمّ الانتقام؟! إن شاء الله خير!

***

أخذت أيام الأسبوع تنقضي ولم يلحظ أحد ذلك الغراب الذي يقف متربصا على شجرة الرمان قبال منزل الصغير. انتبه لذلك شخص واحد فقط هو معلم اللغة العربية .. لم يفهم حينها ما علاقته بمرض الصغير وملاحقة الغربان له, ولكنه فهم الدرس لاحقاً.

ضاق الصغير بجلسة البيت. حتى المسجد لم تسمح له أمه بالذهاب إليه .. حتى تنسى الغربان.. فهل تنسى؟

جاء فجر جديد، وصاحبنا مصبح فرحان, سيغادر المنزل أخيراً وسيرى الناس والخلان، صلى ودعا الرحمن ييسر له الآمال. سلم على أمه القلقة غير المرتاحة إلا أنها أخفت مافي نفسها لترضي فرحة صغيرها، الذي تحرك وغادر المنزل وإلى المدرسة سار متبختراً. بدأت الفرحة تتضاءل عندما أحس بأن هناك من يراقب حركته رغم الأصدقاء حوله، إلا أن هناك من يراقبه وحده دون سواه. خاف أن يرفع رأسٍه ليرى الغراب الذي يراقب حركته ويتربص الفرصة ليكون وحيداً، الأمل مستحيل لهذا الغراب.. هاهي المدرسة قريبة والأطفال هنا وهناك والمعلمون يراقبون حركة أبنائهم. دون سابق إنذار رأى الجميع غراباً يقرب لونه من الرمادي ومن يراه يقول ” غراب أبيض” برز من خلف التلة الموازية للمدرسة ووقف على سور المدرسة ثم طار، ماهي إلا لحظات حتى امتلأت السماء بالغيوم .. سرب كبير من الغربان في دائرة واحدة وكأنها تعلن الحرب .. أخذ الجميع بالصراخ والجري نحو المدرسة .. وأخذ صغيرنا بالبكاء والصراخ:

– لم أفعل شيئاً .. أقسم لكم .. أيها الغربان أنا ولد طيب .. أرجوكم دعوني .

سعى نحوه معلم العربية وحمله مسرعاً به إلى المدرسة عندما بدأ الهجوم .. بكل ما تملك الغربان من قوة هجمت مستخدمة مناقيرها الحادة تضرب هنا وهناك مسيلة الدماء من الأطفال والمعلمين .. وأخذ الجميع بالاختفاء خلف أبواب الصفوف .. واستمرت الغربان بالدوران والنعيق مسببة الهلع في السامعين .. انتظر الجميع، منهم من صمت، والكثير منهم لم تنشف عبراته من كثرة البكاء والصياح.

مرت ساعات الصباح حتى اقتربت الشمس من توسط السماء .. وكما بدأت الحرب انتهت وانسحبت الغربان .. لا أحد يعلم ما الذي حدث.

اجتمع “العُقال” في منزل صاحبنا الصغير .. كان النقاش حاد جداً .. كان الأكثر حدة أبو الصغير:

– اسمعوني جيداً .. ابني لم يصنع لتلك الغربان شيئاً .. ولا أعلم مالذي تريده منه .. ولا أجد مبرراً للشك في الصغير.

–  لم نقل شيئاً يا أبا أسعد .. ولكن نرى جميعاً أنه لن يضركم شيئاً إن غادر ابنكم إلى المدينة حيث يقطن أخواه, وهما في منزلهما هناك, ريثما تنتهي هذه الحكاية ولا نضطر لاغلاق المدرسة من أجل ولد واحد!

–  لكن..

–  لايوجد حل آخر.. انظر من شباك منزلك الأمامي سترى غرابًا يراقب منزلك .. لم تنتهِ الأحداث.

–  ياسادة وكأننا نعيش قصصاً خيالية .. دعونا نقتل الغربان.

–  سنقتلها ولكن ليبتعد الصغير عن المنطقة أو يظل سجين داره حتى ينتهي كل شيء … أولادنا جميعاً في خطر.

سمع الجميع من خلف الستار صوت أم أسعد وهي تبكي:

–  أرجوك .. اسمع كلامهم .. سنغادر إلى المدينة .. لن يضرنا شيء .. وستعود أنت لعملك .. أنت لم ترَ الجروح العميقة في أسعد, من هجوم الشياطين تلك.

–  حسنٌ! سنغادر بأسعد غداً .. ولكن ليس لنا ذنب إن استمر الحال بعد ذلك.

– لا عليك سنتحمل نحن المسئولية.

انفض الاجتماع .. أخذ أبو أسعد يفكر ما الذي حدث؟ ولماذا؟

بعد صلاة الفجر كان أسعد وأمه يستعدان لمغادرة القرية, وأسعد يبكي حزناً لفراق داره ووطنه، هكذا حكم الغربان الظلمة .. هكذا فكر أسعد .. صعدوا السيارة ولم يركز أحد في غراب أبيض كان يحلق عالياً منهم .. و آخر على شجرة الرمان يراقب السيارة المتحركة مبتعدة عن القرية .. رفرف الغراب طائراً ليتبع السيارة عندما اخترقت رصاصة مصوبة صدره ليسقط أرضا.. إنها الغراب الأم تلحق بولديها بواسطة بندقية أستاذ اللغة العربية … إلا أن الغربان تكاثفت في السماء ملبية نداءً من قيادتها .. وأخذت تدور في سرب واحد دائرة واحدة على علو من شجرة الرمان وكأنها تنتظر مشاركة الغراب الأم..  لكنها لن تشاركهم أبداً فقد فهم المعلم اللغز, ولكنه تأخر … فقد غادرت السيارة, واغتربت أنا “أسعد” عن موطني وحياتي .

شاهد أيضاً

محمد السهلي يكتب : الأونروا والعودة.. معركة واحدة

بحكم معناها ورمزيتها ووظيفتها، يصبح الدفاع عن الأونروا معركة واجبة وملحة .. ومفتوحة. ومع أن …