الحرب اليمنية تخترق شهرها الثامن عشر. عندما أسقط التحالف أول صواريخه على اليمن، وأعلن عن (عاصفة الحزم)، قلت حينها “من بدأ الحزم، لا يمتلك الحسم”!. ليس لضعفهم، ولا لنقص قدراتهم، بل لأنه كان واضحاً أنهم لا يمتلكون استراتيجية الحسم، وظنوا حينها أن اليمن ستغرق في حرب شبيهة بسوريا، فينشغلون بها أعواماً، وظنهم ما كان في محله.. والقصة تطول هنا!
في حرب الهاشتاجات، إن تابعت الهاشتاجات اليمنية (قادمون يا صنعاء) التي أطلقتها شرعية الرياض، و(إرادة شعب) التي اطلقتها شرعية صنعاء، ستجد أن الثانية هي الأعلى (تراند) في الظهور بمراحل، فهل عجزت وسائل إعلام التحالف والشرعية حتى في هذه الحرب التي ليست بحاجة لسلاح وقوات على الأرض، أم أنهم فعلياً ليسوا على يقين بذهابهم إلى صنعاء!
تعليق (مناكفات الكويت)
عُلقت جلسات (مناكفات الكويت!!) بين المتحاورين (ظاهرياً) وبها أعلن أن الهدنة انتهت حتى إشعار آخر، ليست مفاجأة أن يعود قصف التحالف على صنعاء، حيث لم يتوقف في عموم اليمن بل كان هادئاً بارداً على صنعاء، ثم عاد كالطالب الذي يسترجع دروسه، ليقذف بقنابله على جبال صنعاء، ويهز الخوف قلوب السكان من أخطاء تلك الضربات، والتي تحققت فعليا، بدءًا من مصنع “العاقل”، ثم تتالت الأخطاء ونهاية في مشفى بصعدة.
معركة عناد
ولأن المعركة مسألة عناد بيّن لا وضوح فيها لأهداف، يستنكف التحالف الاعتذار، بل ينكر دائماً أنه أصاب الأبرياء، وعندما توجعه تقارير الأطراف المحايدة ومنها “أطباء بلا حدود”، يقول إنه سيقوم بالتحقيق في الأمر. هو من يضرب وهو من سيحقق! ما يخيف في الأمر، تجاهل الخطأ، حتى أمريكا في حروبها كان يبرز متحدثها معتذراً للمدنيين، أن “هذه حرب والأخطاء واردة ونسعى لتجنبها”! صحيح أنه لم يسع أبداً لمنع جرائمه إلا أنه يعترف بجرمه. مجرم محترم!
إلا أن المفاجأة, الضربات المتتالية على المناطق السعودية، حيث أعلن التحالف أنه أنهى تماماً تقدم العدوإلى الحدود!، فهل أخطأ هنا أيضاً!
المجلس السياسي الأعلى
ومفاجأة الشهر؛ علي هادي والتحالف، اجتماع البرلمان اليمني رغم منع التحالف للطيران المدني من الوصول إلى صنعاء لمنع قيادات مؤتمرية أن تعود في يوم الاجتماع، إلا أنه انعقدت الجلسة الأولى وتم فيها إقرار ما عرف بالمجلس السياسي الأعلى ممثلا لرئاسة الجمهورية. إذن الخطوة في تشكيل شرعية داخلية خطوة ربما نظنها كانت متأخرة، إلا أنها لم تكن كذلك للمتابع للأحداث، وحتى تدعم تلك الخطوة كانت الدعوة للوجود بكثافة في ميدان السبعين يوم السبت 20/ 8، تاريخ مهم تم رسم “بروباجندا” عالية عليه، خطوة شبيهة بدعوة وزير الدفاع المصري السيسي للاحتشاد في 30 /6 والتي أسست للتحول وإنهاء شرعية الرئيس مرسي، خطوة 20/8 تؤسس لنفس الوضع؛ إنهاء شرعية حكومة هادي من خلال الميادين. ما كان لهذه الخطوة أن تتم قبل عام. قبل عام في ذات التاريخ، ما كان لأحد أن يحتشد، بل الكل كان ينتظر الحسم من المملكة. ذكاء سياسي وعمل إعلامي مدروس من سياسي.
غباء سياسي وحربي
عام من الغباء السياسي والحربي للتحالف، جعل الأكثرية التي تدعم شرعية هادي تتراجع أو تتريث. ماذا بعد؟ في ظني سيحلق خطوات أخرى للحصول على الاعتراف الدولي بالشرعية الداخلية، أبسطها أن تعترف إحدى دول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، خطوة اعتراف واحدة ستهز القرار الأممي 2216 الذي يعزز شرعية الرئيس هادي، بمعنى أوضح سيتلقى التحالف صفعة كما تلقاها من قبل في سوريا.
طبعا ليس مفاجأة أن يعلن الرئيس بن دغر عن التفكير – لاحظ مجرد التفكير – بدعوة انعقاد البرلمان في مأرب، ركز أن مأرب ليست العاصمة المؤقتة للشرعية، كما يعلن الرئيس هادي أن الحرب مستمرة حتى “اقتلاع” الانقلابيين، “اقتلاع”! أنا أثق أنه “يبيع كلام”، لأنه كعسكري يفهم أنه لا يمكن اقتلاع طرف يمثل قوة وعدداً في دولة ما إلا من خلال الاحتلال العسكري المباشر، هنا طبعا من خلال داعم الشرعية الأساسي التحالف الذي تقوده المملكة. لو قررت المملكة أن تخوض تلك التجربة .. فقط قررت, يمكنها أن تستمع لنصيحة دكتور النفيسي وهو يدعم أن تكون اليمن دولة في مجلس التعاون، وإن كانت لما كانت هذه الحرب، إذن يمكن لمجلس التعاون أن يعلن ضم اليمن إليه فوراً، كما بدأ الحزم فوراً قبل عام ونصف عام، وتلقائياً سيدعم دخول قوات “درع الجزيرة” بكل قوته إلى اليمن لضمها وحمايتها من العدو الافتراضي؛ إيران التي هي في شرق المملكة، وبالتأكيد سيخرج المواطنون ومنهم مؤيدوعفاش مصفقون ولا أحد سيعترض، خطوة طال انتظارها من ثلاثين سنة!
أداء الحكومة مخيب للآمال
الطيران لن يصنع نصراً على الأرض، والقوة العسكرية التي تحيط بصنعاء أغلبها من مؤيدي الجنرال محسن الأحمر، وقبائل مأرب لن تتحرك في هذه الخطوة وقد أعلنتها مسبقاً، أنها ستحمي مأرب فقط، ودخول صنعاء لن يتم إلا باتفاق أو أن الحرب ستدور رحاها ويطحن فيها البائسون المطحونون أصلا؛ مواطنو اليمن .
تعز تطحن، وكادت عدن أن تطحن أيضاً، لولا التدخل المباشر من قوات النخبة السعودية والقوات الإماراتية، والعتاد القتالي الكامل الذي سلحت به المقاومة. ورغم هذا التحرير، كان الأداء الأمني والاقتصادي لحكومة الشرعية مخيبا للآمال، ربما كان الجواب في حجم الفساد المهول ممن يلتف حول هادي وحكومته إن لم يكن في قلب تلك الحكومة.
شرعية داخلية وشرعية مهاجرة
واليوم تتكرر لنا سيناريوهات التحرير من القاعدة.
طلقات نارية، ودخول لمسرح المدينة التي اختفت منها القاعدة وسلاحها بالكامل دون أي مواجهة أو قتال، حدث في المكلا وحدث في زنجبار، وتصفيق وتهليل من المشاهد، وأغلب من يفهم يرى أن الأمر مجرد رسالة جوال بالتحرك ثم فواتير تتساقط للمطالبة بالدفع، والمملكة تدفع والكل يربح, فهناك بقرة حلوب. حرب استنزاف واضحة للعيان لقدرات المملكة الاقتصادية، في حربها اليوم في اتجاهات مختلفة، إلا أن أبرزها ملف اليمن!
تلك الصورة تتكرر، ذلك العناد الذي كان من قبل في حرب اليمن المستمرة من عام 1962- 1970، من أخذ بالتوجه للحل حينها الملك فيصل رحمه الله, ودعمه حينها الأمير جابر الأحمد. حتى مصر التي كانت تهاجم المملكة وتصفها بالعدو، تنازل حينها رئيسها “ناصر” ليلتقي الملك. منها انتهت الحرب، ودخلت تلك الدول مرحلة جديدة.
هل اليمن موعود لميلاد شرعية داخلية، وشرعية مهاجرة؟
شرعية تحكم الأرض، وشرعية تبحث عن أرض، شرعية تؤكد حرصها على اليمن, ومن فيها كان جزءاً من فساد دولة الماضي، وشرعية تؤكد أيضاً حرصها على اليمن, وفيها أيضا جزء من فساد دولة الماضي!
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات