إعفاء الحريديم من التجنيد يهدد إسرائيل بالانقسام وفقدان الجيش ثلث جنوده

قال موقع ميدل إيست آي البريطاني، إنه في خضمّ الاضطرابات السياسية التي تشهدها إسرائيل، ثمة موضوع قديم نسبياً تعود جذوره إلى التاريخ الحديث لتأسيس دولة إسرائيل، ويعود رويداً رويداً ليحتل مركز الصدارة في موضوعات النقاش العام

وهو إعفاء الرجال اليهود الأرثوذكس من التجنيد بالجيش الإسرائيلي، مشيرا إلى أنه يهدد بانقسام خطير داخل المجتمع الإسرائيلي، إضافة إلى الجيش الإسرائيلي سيفقد ثلث جنوده.

وأضاف الموقع: أن هذه المسألة استقطبت الإسرائيليين منذ الأيام الأولى لتأسيس دولة الاحتلال، وقلبت اليهود العلمانيين وغير الأرثوذكس ضد مجتمع اليهود الأرثوذكس المتشددين، الذين يُعرفون أيضاً باليهود الحريديم، حسبما ورد في تقرير الموقع.

بدأ الفصل الأول من هذه الحكاية عندما وافق أول رئيس وزراء لإسرائيل، دافيد بن غوريون، في عام 1951 على إعفاء 400 شاب من الأرثوذكس المتدينين من أداء الخدمة العسكرية، كي يتمكنوا من استكمال دراسة التوراة في المدارس التلمودية، التي تعرف أيضاً بـ “يشيفا”.

مُنح هذا الإعفاء إلى رغبة بن غوريون في التوصل إلى اتفاقيات مع قيادة اليهود الأرثوذكس المتدينين من أجل ائتلافه.

بموجب القانون، يجب أن يكرس طالب مدارس يشيفا 45 ساعة من الأسبوع للدراسة بداية من عمر الـ 18، وألا ينخرط في أي نشاط مهني آخر خارج هذه الساعات.

بداية من عمر 22 عاماً، يستطيع أي طالب متزوج أن يؤجل الخدمة العسكرية وينخرط في أي مهنة أخرى، يكون من المقبول ممارستها خارج ساعات الدراسة.

يوافق الجيش الإسرائيلي على التأجيل بعد توقيع ناظر مدرسة يشيفا ووزير الدفاع، ويجب تجديد هذا التأجيل سنوياً. وعند إتمام السادسة والعشرين، يُمنح الطالب إعفاءً تاماً من الخدمة العسكرية.

في عام 1977، أزالت حكومة حزب الليكود بقيادة مناحيم بيغن -مدفوعةً أيضاً باتفاقيات الائتلاف- حاجز الـ 400 طالب.

وكانت النتيجة زيادة كبيرة في أعداد الطلبة المعفيين من أداء الخدمة العسكرية بأكثر من مئة ضعف منذ ذلك الحين، ما أدى إلى انتقادات عامة على أساس انتهاك هذا الإعفاء مبدأ المساواة.

وتعد هذه المسألة مستمرة؛ لا سيما أن التعداد السكاني لليهود الحريديم هو صاحب المعدل الأسرع نمواً في البلاد، ما يعني أن نسبة أعلى من الرجال الإسرائيليين لا يؤدون الخدمة العسكرية على مدار السنوات.

في عام 1974، مُنح حوالي 2.4% من الرجال المؤهلين لأداء الخدمة العسكرية إعفاءات، وغالبية هؤلاء كانوا من طلاب مدارس يشيفا. وفي عام 2021، ارتفعت نسبة طلاب هذه المدارس الدينية الحاصلين على إعفاء، لتصل إلى 17% من الرجال المؤهلين لأداء الخدمة العسكرية.

يوجد حوالي 1.28 مليون شخص من اليهود الأرثوذكس المتشددين في إسرائيل، ويشكل هؤلاء ما نسبته 13% من التعداد السكاني لإسرائيل البالغ 9.45 مليون نسمة. ومن بين الشباب البالغين سن التجنيد، يشكل هؤلاء 18%.

وهذه فئة سكانية تتضاعف كل 16 عاماً. وفقاً لتوقعات دائرة الإحصاء المركزية (CBS)، سوف يشكل هؤلاء ثلث التعداد السكاني لإسرائيل تقريباً في غضون 50 عاماً.

لكن ترتيبات الإعفاء من التجنيد بالجيش الإسرائيلي لم تكن قائمة دائماً بدون عراقيل؛ إذ إن الطعون القانونية منذ تسعينيات القرن الماضي أجبرت على إدخال عديد من التعديلات على القانون، وتواصل طرح التساؤلات حوله.

ففي يونيو هذا العام، انتهت مدة سريان القانون الذي يسمح بهذه الإعفاءات، وتتجه كل الأنظار الآن نحو الحكومة من أجل تمرير تشريع تجنيد جديد.

وبالنظر إلى أن الأحزاب الأرثوذكسية تشكل ركناً أساسياً من أركان الائتلاف الحكومي لرئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو، فسوف تتطلع لتكريس قانون الإعفاء لمدة أطول، وتكريس حالة الاستقطاب الناتجة في نهاية المطاف.

جاء أول الطعون القضائية ضد الإعفاءات من التجنيد بالجيش الإسرائيلي في عام 1998، عندما حكمت المحكمة العليا في إسرائيل بأن هذه الترتيبات غير قانونية، وأن الكنيست الإسرائيلي يجب أن يسن قانوناً جديداً حول المسألة.

وفي نفس العام، قُدِّم مشروع قانون سمح لطلاب المدارس الدينية بتأجيل أداء الخدمة العسكرية حتى سن الثالثة والعشرين. وبعد ذلك، مُنحوا ثلاثة خيارات: العودة إلى المدارس الدينية، أو التسجيل لأداء الخدمة العسكرية لمدة أقصر استناداً إلى الحالة الأسرية (فإذا كان رجل من الحريديم متزوجاً ولديه طفلان، يمكنه تأدية الخدمة العسكرية لمدة قصيرة تصل إلى 120 يوماً)، أو أداء الخدمة الوطنية لعام ونصف (التجنيد الطبيعي للذكور في الجيش الإسرائيلي مدته عامان).

مُرر القانون، الذي صار معروفاً بـ “قانون تال”، في الكنيست الإسرائيلي عام 2002 بأغلبية موافقة بلغت 51 ومعارضة بلغت 41.

ولكن في عام 2012 حكمت المحكمة العليا بعدم مشروعية القانون، ومن ثم أُلغي القانون. وأُلغي قانون آخر في عام 2014 بعد ثلاث سنوات، واستندت المحكمة إلى أسباب مماثلة.

ومنذ ذلك الحين، مُنحت الحكومة كثيراً من التمديدات لقانون 2014 الملغى عن طريق المحكمة، انتظاراً لحالة استقرار سياسي وأغلبية برلمانية قادرة على سن قانون جديد.

وانتهى آخر مد للقانون في يونيو الماضي، ويجب على الحكومة أن تقدم قانوناً جديداً قبل نهاية مارس 2024، مما يترك كثيراً من الشباب اليهود الأرثوذكس المتشددين في حالة من عدم اليقين، ويترك عموم الشعب الإسرائيلي في حالة ترقب لما قد يعقب ذلك.

يصف يتسحاق بندرس، عضو الكنيست المنضوي تحت لواء تحالف يهدوت هتوراة المكون من أحزاب الحريديم، الموقف الحالي بـ “انعدام القانون”.

توصل استبيان أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية (IDI) في عام 2020، إلى أن ما بين 20 و30% من الشباب الحريديم، البالغة أعمارهم ما بين 18 و30 عاماً، سيكونون على استعداد لترك المدارس الدينية ودخول سوق العمل إذا خُفِّض سن الإعفاء.

وقال موشيه ليفكوفيتش، مؤسس منظمة أفيكيم، التي تعمل مع الأطفال المحرومين في إسرائيل: “السن الكبيرة الحالية للإعفاء -26 عاماً- يمنع كثيراً من الشباب الحريديم الذكور من امتهان مهنة والذهاب إلى العمل”.

التجنيد بالجيش الإسرائيلي

أضاف ليفكوفيتش، الذي ينتمي إلى تيار الحاسيديم، أن الترتيب الحالي يشجّع على إفقار الشباب اليهود الحريديم.

وأوضح: “الرجال الأرثوذكس المتشددون يتزوجون [عادةً] في الـ22 عاماً من عمرهم، وعند إتمام 24 عاماً، يكونون آباءً بالفعل، فلا يملكون وقت الفراغ الذي يحتاجونه للحصول على تعليم مهني أو أكاديمي، وعبء كسب لقمة العيش يوجههم نحو المهن ذات مستويات الإنتاجية المنخفضة”.

من أجل هذا تُعد مسألة سن الإعفاء بالغة الأهمية. فإذا خُفض لسن 21 عاماً، فإن غالبية الشباب الأرثوذكس المتشددين، سوف يتمكنون من تحسين معيشتهم قبل أن يكون لديهم عائلة كبيرة.

ورغم ذلك، يُعد هذا جوهر المعارضة بالنسبة لكثيرين؛ إذ إن الشاب الإسرائيلي العادي، الذي يخدم في الجيش لثلاث سنوات، يخرج من الجيش في الـ21 من العمر. وغالبيتهم يسافرون حول العالم لعام أو زهاء العام قبل البدء في الدراسة في الـ22 أو 23 من عمرهم.

وفي غضون ذلك، فإن أي شاب من شباب الحريديم يحصل على إعفاء من التجنيد في الـ21 من العمر، سوف يبدأ العمل على الفور، وهي حالة انعدام مساواة تأتي في قلب الأسباب التي تدفع كثيراً من الإسرائيليين للاعتراض على الإعفاءات، وهي أيضاً السبب وراء اعتزام كثيرين الوقوف ضدها.

قال كوهين، في حديثه مع موقع Middle East Eye: “عدم تسجيل صبية المدارس الدينية لأداء الخدمة العسكرية يمثل تحدياً للجيش وروح “جيش الشعب” المقبولة بين غالبية المجتمع الإسرائيلي منذ سنوات طويلة”.

وأوضح: “بين صفوف الاحتجاج في إسرائيل، ثمة تصميم كبير على عدم السماح بتمرير مثل هذا القانون”.

 

شاهد أيضاً

إسرائيل تستخدم الفوسفور الأبيض في لبنان ومقتل جنديين يرفع قتلاها إلى 30

كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” وننشر مشاهد من استخدام إسرائيل الفوسفور الأبيض في لبنان ما يعزز الاتهامات …