إيران وتركيا .. صراع “الأكاسرة والقياصرة” يتجدد عبر الزمان

عبر قرون تمتد لآلاف السنين يتجدد الصراع بين طرفين في المنطقة الإسلامية, وإن تبدلت الأسماء وتغيرت مساحات الدول. فارس والروم؛ الأكاسرة والقياصرة, الدولة الفارسية والدولة البيزنطية, الدولة الصفوية والخلافة العثمانية, وأخيرا إيران وتركيا.

ورغم محاولات التقارب, وتغليب المصالح المشتركة تعود المصالح الخاصة بكل طرف للظهور بين الفينة والأخرى.

وقد تحدث القرآن الكريم عن هذا الصراع, وجاءت سورة تحمل اسم “الروم”, تحدث مطلعها عن الحرب السجال بين الجانبين قبل الفتوحات الإسلامية, فقال: “ألم .. غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين”.

ثم جاءت مرحلة الفتوحات الإسلامية وسيطرت الدولة الإسلامية على أراضي فارس وجزءًا كبيرًا من أراضي الروم, فانتقل الصراع ما بين الدولة الأموية ثم العباسية مع ما تبقى من الدولة البيزنطية الشرقية.

وبعد قرون, عاد الصراع ليظهر ما بين الدولة الصفوية والخلافة العثمانية, وقد كانت الأولى دائما تمثل شوكة في ظهر الخلافة العثمانية تعوق انطلاقتها في أوربا, وتتحالف مع أعدائها.

وفي السنوات الأخيرة حاولت تركيا عبر اتفاقيات الطاقة إنشاء مصالح مشتركة مع إيران, لكن التدخل الإيراني السافر في العراق ثم سوريا, أجج الصراع من جديد.

وقد نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، مقالاً، قبل يومين تحذر فيه من أن التنافس التركي الإيراني قد ينحدر إلى صراع مسلح واسع النطاق يحرق المنطقة، وقالت في تقريرها: “في الماضي تنازعت إمبراطوريتان عظيمتان على حكم بلاد ما بين النهرين؛ الفارسية والبيزنطية، واليوم تغير المشهد كثيرًا، وتحوّلت الإمبراطورية الفارسية إلى دولة إيران، ومرّت الإمبراطورية البيزنطية بالكثير من المراحل قبل أن تصير دولة تركيا، والنزاع التاريخي بينهما على العراق وسوريا على وشك أن يشتعل مرة أخرى. ووفقًا للصحيفة فإن  المسار الخطير للعلاقات بين البلدين قد يؤدي إلى اصطدامٍ وشيك يساهم أكثر في زعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط.

وتضيف الصحيفة: “إن ديناميكيات القوة الحالية للدولتين في الشرق الأوسط ستؤدي إلى المزيد من إراقة الدماء وزعزعة الاستقرار مع زيادة مخاطر المواجهة العسكرية المباشرة والتي ستؤثّر بشدة في العلاقات الاقتصادية والسياسية بينهما”، فـ “التدخل العسكري التركي في سوريا والعراق ينبع من انطباع لدى الجانب التركي بأن إيران تسعى إلى الإطباق على مناطق نفوذها التاريخية خاصة في الموصل وحلب والمناطق المحيطة بهما، بالقرب من الحدود الجنوبية التركية، في حين ترى طهران السياسة التركية في سوريا تجدّدًا للطموح العثماني التوسعي، وسعيًا إلى تمكين السنة الموالين لأنقرة في بقاع الإمبراطورية العثمانية الآفلة”.

 

حلب في قلب الصراع بين إيران وتركيا

نشر موقع “سبق” الإلكتروني ما قال إنه تقرير لمركز الدبلوماسية الإيراني التابع للخارجية الإيرانية يقول: “إن هناك أهمية قصوى للملف السوري في الصراع الجغرافي والسياسي القائم بين تركيا وإيران في المنطقة”، مرجعاً الأمر إلى الأسباب التاريخية والحساسة لهذا الصراع.

وأضاف المركز الإيراني: “إن نجاح عمليات درع الفرات  في جرابلس رفع من معنويات الحكومة التركية، وشكّل هذا النجاح العسكري والسياسي دافعاً مهماً وأساسياً للحكومة التركية من أجل توسيع مناطق نفوذها في سوريا، وأصبحت تركيا صاحبة اليد الطولى في سوريا متقدمة على إيران في هذا الملف”.

ودعا المركز إلى التحرك بقوة لإفساد التمدد التركي في العراق وسوريا، وبالفعل جاء الرد سريعاً؛ حيث استهدفت طهران ضباطاً وجنوداً أتراك على حدود مدينة الباب السورية بطائرة بدون طيار أدت إلى مقتل أربعة ضباط أتراك وإصابة آخرين, وهذه العملية كانت تهدف للوقيعة بين موسكو وأنقرة؛ حيث في بداية الأمر اعتقدت أنقرة أن موسكو هي من قامت بهذا الاستهداف الخطير، لكن الرئيس الروسي بوتين بادر بالاتصال بالرئيس التركي أوردوغان”، وأكد له أن القوات الروسية وطائرات النظام السوري لم تقم بعملية الاستهداف، فاتحاً الباب بطريقة غير مباشرة لاتهام إيران، وهو ما أكدته صحيفة “حرييت” التركية بنشرها إفادات لمسؤول كبير في الجيش التركي، كشف عن هوية الطائرة التي استهدفت الجنود الأتراك.

وقال المسؤول: “إن طائرة بدون طيار من صنع إيراني جرى استخدامها في هجوم على جنود أتراك بشمال سوريا في 24 نوفمبر الماضي؛ مما أدى لمقتل أربعة عناصر من القوات التركية”.

التنافس التركي الإيراني كان في قلب معركة حلب؛ فقد سعت إيران – إلى جانب الولايات المتحدة – إلى إفشال التوافق التركي الروسي بعرقلة عملية التفاوض لإجلاء المدنيين والمسلحين من حلب، مما حدا بموسكو إلى التهديد باستهداف المليشيات الشيعية التي تعرقل عمليات الإجلاء، وربما هددت بسحب طيرانها من أي مساندة للمليشيات الإيرانية مستقبلاً.

ووافقت موسكو على إرسال مراقبين دوليين إلى حلب؛ لمراقبة عمليات الإجلاء وحماية من يريدون البقاء في حلب، وهو ما يعني إضعاف هيمنة المليشيات الإيرانية داخل حلب ووضع المدينة تحت الوصاية الدولية.

في المقابل؛ حذرت إيران على لسان اللواء محسن رضائي؛ أمين عام مجمع تشخيص مصلحة النظام، من استبعادها من أي توافق سياسي أو ميداني بشأن سوريا، فيما شدد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني، على أهمية استمرار التشاور بين المسؤولين الإيرانيين والروس والسوريين على مستويات مختلفة.

وقد استطاعت إيران تحقيق هدف مهم من خلال فرض تعديلات على الاتفاق الخاص بمدينة حلب الذي رعته روسيا وتركيا، لتقول إنه لا يمكن تجاوز دورها في سوريا.

فقد أشار علي أكبر ولايتي؛ مستشار المرشد الإيراني إلى أنه لا بد من أن يكون خروج المعارضة من حلب متزامناً مع تنفيذ الاتفاق في كفريا والفوعة، وحسب الدكتور مروان قبلان؛ مدير وحدة تحليل السياسات في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أرادت إيران تقديم نفسها على أنها الراعي الأساسي للشيعة في المنطقة عبر إصرارها على إخراج الموالين لها من بلدتي كفريا والفوعة باعتبارها حامية لهم.

وأضاف: “النقطة الأساسية التي أرادت إيران إثباتها من خلال تعديلاتها المتكررة على اتفاق حلب، هي أنه لا يمكن بأي حال من الأحول تجاوز دورها بسبب وجود المليشيات الإيرانية على الأرض في حلب”. واعتبر قبلان أن إيران حققت هدفا أساسيا، وهو أنها أصبحت جزءا من اتفاق حلب فأصبح اتفاقا ثلاثيا إيرانيا تركيا روسيا، بعدما كان اتفاقا ثنائيا بين تركيا وروسيا.

 

هل لإيران دور في اغتيال السفير الروسي في أنقرة؟

اغتيل السفير الروسي في أنقرة، أول أمس، على يد أحد أفراد القوات الخاصة بمكافحة الشغب التركية، وهي عملية قُصد منها على ما يبدو ضرب العلاقات التركية الروسية التي طرأ عليها تحسن كبير في الآونة الأخيرة؛ بعد أزمة إسقاط المقاتلة الروسية على الحدود التركية؛ تحسنٌ انعكس على الملف السوري بشكل واضح.

إيران لها مصلحة في تأزيم العلاقات الروسية التركية, خاصة بعد رفض أنقرة الانسحاب من بعشيقة في الموصل وإطلاق عملية درع الفرات في سوريا، التي أدركت طهران أنها كانت بضوء أخضر من موسكو.

الكاتب التركي محمد زاهد غول، كتب يقول إن “نقل التحقيق لمجلس الأمن الدولي في حادثة اغتيال السفير، ربما يستصدر قراراً ضد دولة أو جماعة ثبت تورطها في حادثة الاغتيال، وهو أمر في صالح تركيا” فمن كان يقصد بتلك الدولة وتلك الجماعة؟.

وفقًا لتقرير موقع “سبق” فإنه ليس مستبعداً على طهران أن تخترق منظمة “جولن” المتغلغلة في مفاصل الدولة التركية والتي تشير إليها أصابع الاتهام في حادث مقتل السفير الروسي, بهدف إفشال أي تقارب روسي تركي قد يخرج إيران من سوريا خالية الوفاض.

شاهد أيضاً

ترامب: الحرب لن تتوقف إلا باستسلام إيران

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إن الحرب لن تتوقف إلا باستسلام إيران، معربًا عن رغبته …