مع حلول عيد الميلاد في كل عام، يبدأ الجدل حول جواز تهنئة المسلمين للمسيحيين في عيدهم ومشاركتهم مراسم الاحتفال، وهذا العام لم يختلف عن سابقاته حيث تم تسليط ضوء هذا الخلاف على نجم نادي ليفربول الإنكليزي، محمد صلاح، وأحد مشايخ دار الفتوى اللبنانية بعدما نشر اللاعب صورة احتفاله وعائلته بالكريسماس، وهنأ الثاني المسيحيين بالعيد.
ونشر صلاح، الجمعة، صورة لاحتفاله وأسرته بعيد الميلاد، إلى جانب شجرة العيد ومجموعة من الهدايا في منزله، وسرعان ما تحول المنشور إلى ساحة للأخذ والرد افتراضيا، حيث اتهم كثيرون اللاعب الدولي بأنه تخلى عن دينه وبأنه لا يرتبط بالإسلام إلا بالاسم، حسب مزاعمهم، بمقابل دفاع بعض المستخدمين عنه معتبرين أنه ضحية “إرهاب فكري”.
كذلك تعرض المفتش العام المساعد لدار الفتوى في الجمهورية اللبنانية، الشيخ الدكتور حسن علي مرعب، لحملة من متابعيه بعد أن نشر تهنئة للمسيحيين في عيد الميلاد، عبر حسابه على موقع فيسبوك وبعد حملة الانتقادات التي واجهت مرعب، قام الأخير بتخصيص خطبة صلاة الجمعة الاخيرة، للحديث عن حكم تهنئة المسيحيين، مؤكداً عدم حرمة ذلك مع التأكيد على عدم مشاركة المسيحيين طقوس الاحتفال.
التهنئة والاحتفال .. حلال
قال مركز الإفتاء في الأزهر، في بيان نشره عبر حسابه الرسمي في موقع “فايسبوك”، إن “جواز تهنئة المسيحيين بأعيادهم يتوافق مع مقاصد الدين الإسلامي ويبرز سماحته ووسطيته، وأن هذا الأمر من شأنه تزكية روح الأخوة في الوطن، والحفاظ على اللحمة الوطنية، ووصل الجار لجاره، ومشاركة الصديق صديقه فيما يسعده من مناسبات”.
وأضاف البيان: “تهنئة المسيحيين بأعيادهم تندرج تحت باب الإحسان إليهم والبر بهم، كما أنها تدخل في باب لين الكلام وحسن الخطاب، وجميع هذه الأمور أمرنا الله عز وجل بها مع الناس جميعا دون تفرقة، خاصة مع أهل الكتاب الذين قال الله تعالى في حقهم في سورة الممتحنة: “لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ في الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ”، وقال أيضا في سورة البقرة: “وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا”.
أيضا ورد سؤال لدار الإفتاء المصرية سؤال نصه: هل الاحتفال برأس السنة الميلادية، بما يتضمنه من مظاهر الاحتفال كتعليق الزينة حرام شرعًا أم حلال؟ وما حكم تهنئة المسيحيين فيه؟ وكيف نرد على من يدَّعي أن ذلك حرام؛ لأن فيه مشاركةً لغير المسلمين في أعيادهم وشعائرهم؟ أو بدعوى أن يوم الميلاد لم يأت إلا مرة واحدة؛ فهو يختلف عن نظيره في كل عام؟ أو بدعوى أن مولد المسيح عليه السلام لم يكن في رأس السنة الشمسية؟ وجاء رد الدار كالآتي:
الاحتفال برأس السنة الميلادية المؤرخ بيوم ميلاد سيدنا المسيح عيسى ابن مريم على نبينا وعليه السلام، بما يتضمنه من مظاهر الاحتفال والتهنئة به: جائز شرعًا، ولا حرمة فيه؛ لاشتماله على مقاصد اجتماعية ودينية ووطنية معتدٍّ بها شرعًا وعرفًا؛ من تذكر نعم الله تعالى في تداول الأزمنة وتجدد الأعوام، وقد أقرت الشريعة الناس على أعيادهم لحاجتهم إلى الترويح عن نفوسهم.
ونص العلماء على مشروعية استغلال هذه المواسم في فعل الخير وصلة الرحم والمنافع الاقتصادية والمشاركة المجتمعية، وأن صورة المشابهة لا تضر إذا تعلق بها صالح العباد، ما لم يلزم من ذلك الإقرار على عقائد مخالفة للإسلام، فضلًا عن موافقة ذلك للمولد المعجز لسيدنا المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، الذي خلّده القرآن الكريم وأمر بالتذكير به على جهة العموم بوصفه من أيام الله، وعلى جهة الخصوص بوصفه يوم سلام على البشرية.
والمسلمون مأمورون أن يتعايشوا بحسن الخلق وطيب المعشر وسلامة القصد مع إخوانهم في الدين والوطن والقرابة والجوار والإنسانية ليُشعِروا مَن حولهم بالسلام والأمان، وأن يشاركوا مواطنيهم في أفراحهم ويهنئوهم في احتفالاتهم، ما دام أن ذلك لا يُلزِمهم بطقوسٍ دينيةٍ أو ممارسات عبادية تخالف عقائد الإسلام.
وفي نفس السياق، اعتبر الدكتور إبراهيم رضا، أحد علماء الأزهر الشريف، في حديث لموقع “الحرة”، أنّ “الاستمرار في الجدل حول تهنئة المسيحيين في أعيادهم هو نوع من المراهقة الفكرية التي تعاني منها بعض الجماعات المنغلقة والتي تريد فرض أفكارها على المجتمع”، مضيفاً أنّ “الإخوة المسيحيين يبادرون بمعايدتنا، فكيف لا نفعل ذلك؟”.
وأضاف رضا: “نحن نؤمن بجميع الديانات السماوية، ولا يمكن لدين يبيح الزواج من مسيحية أو يهودية، أن يمنعنا من معايدة المسيحيين في عيد نبينا عيسى عليه السلام”
ايضا قال الشيخ حسن مرعب عن الحملة التي تعرض لها عقب نشر معايدته أن “التهنئة في عيد الميلاد وغيرها من المناسبات والأعياد لغير المسلمين، موضوع يثير الجدل دائما، وهناك طرف متشدد ومتطرف يرفض المعايدة، وهو فكر يؤثر سلباً على الإسلام والمسلمين”.
ولفت إلى أنّ “معايدته كانت إسلامية من حيث العبارات، والأزهر الشريف والإمام الأكبر الشيخ الدكتور أحمد الطيب، ودار الإفتاء المصرية أجمعوا على جواز التهنئة في مثل هذه الأعياد”.
وقال ردا على “من هاجم وقام بالتكفير”: “أنا لا أقر بعقيدة النصارى عندما أقوم بالتهنئة والفرح بولادة سيدنا عيسى”.
وعن حكم الاحتفال بعيد الميلاد، اعتبر الدكتور رضا أنّه “يمكن للمسلمين الاحتفال بيوم ميلاد أحد الأنبياء دون أي حرج”، موضحاً أنّ “الأصل هو الإباحة ما لم يرد نص يخالف ذلك، ومن يريد التحريم عليه أنّ يقدم نصّاً مانعاً”.
وأشار إلى أنّ “كل ما يثير البهجة والسرور والمحبة جائز دون أدنى شك، إذ أنّ الإسلام حمل تحية السلام”، مستندا إلى رواية السيدة عائشة زوجة النبي محمد تقول فيها إن “ما خُير رسول الله بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما”.
وعن وضع شجرة الميلاد في المنزل، قال رضا إنّ “التزيين ومشاركة الجيران المسيحيين ليس معصية معاقب عليها”، معتبرا أن “هذا جنون فكري وشذوذ عن الفهم المستنير لطبيعة الدين الإسلامي”، مضيفاً “نحن بحاجة لبناة الجسور من أجل إحداث تشابك حقيقي بين الأمم والشعوب”.
ورداً على حكم الاحتفال في عيد الميلاد، أجابت دار الإفتاء المصرية في رد مسجّل على سؤال موقع “الحرة”، جاء فيه: “الاحتفال جائز، طالما لا يحتوي على مُحرم”.
في المقابل، أثار ردّ دار الإفتاء المصرية صدمة عند مرعب الذي أعرب عن استغرابه بشأن وجود فتوى صادرة عن الأزهر أو علمائه تبيح الاحتفال بعيد الميلاد، وقال: “إنّ شجرة الميلاد تعتبر عند بعض المسيحيين شجرة الرب وهذا مخالف لعقيدتنا، والتهنئة هي من باب الودّ فقط”.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات