د. فتحي أبو الورد
د. فتحي أبو الورد

الأب .. !

فى كلمات موجزة أصابت كبد الحقيقة والواقع، جاء التعبير عن الأمان عند إحدى الطالبات كالتالى: يسألونك عن الأمان؟ قل: هو حذاء أبي عند الباب.

وصف دقيق، وشعور تلقائي، يجسدان الأمان فى حياة الإنسان،  فالأب يمثل السند والقوة فى حياة الأسرة، ويمثل الأمان فى حياة الأبناء، حتى إن الإسلام يعتبر الابن يتيما بعد وفاة الأب إلى أن يبلغ لقوله صلى الله عليه وسلم:” لا يتم بعد احتلام”. وقد يطلق عليه مجازا بعد البلوغ، كما كانوا يسمون النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو كبير: يتيم أبي طالب، لأنه رباه بعد موت أبيه. أما البنت فتظل يتيمة حتى تتزوج وليس مجرد البلوغ.

وعن زوال وصف اليتم عن الابن بعد البلوغ أتوقف قليلا؛ فقد كان الأيتام وقتذاك يؤهلون لممارسة حياتهم والعمل بعد البلوغ بل والزواج وتكوين أسرة، والاعتماد على النفس، وأرانى مشفقا في زماننا على فتيان فى سن الخامسة عشرة إلى ما بعد العشرين بيسير ممن فقدوا آباءهم، وهم فى بداية المرحلة الثانوية إلى نهاية الجامعية  حتى يؤهلوا للعمل حسبما تقضى ظروف التعليم، فماذا عساهم أن يفعلوا فى خضم أمواج الحياة المعاصرة, وهم فى قمة الاحتياج المادي والمعنويى إلى الأب الذي يرعاهم ويشملهم بعطفه ورعايته وتوجيهه، ويشعرهم بالأمن والأمان فى ظل حياة قاسية، ومجتمعات بائسة؟ أشفق على هؤلاء الفتيان فأراهم أيتاما حقيقة ومجازا, بل إن صعوبة الحياة وقسوة المجتمعات جعلت الفتيان أيتاما فى وجود آبائهم العاجزين بجوارهم.

والأب هو القائم بأمور أبنائه من نفقة وكسوة وتأديب وتربية وتوجيه قياما ماديا ومعنويا، ومن ثم ففقده يمثل قاصمة لظهر الأبناء فى ظل مجتمعات شَرَدت عن تعاليم الإسلام، ونَدت عن مكارم الأخلاق، فزادت من معاناة الفاقدين لآبائهم، وجمعت بين قسوة الحياة وقسوة حرمان دفء الأب وعاطفته.

ومما قرأته فى معانى فقدان الأب أنك تخسر الجدار الذي تستند إليه، وتفقد السماء التي تجود بنبع الحب والحنان، وتفقد المظلة التي تحميك من الشرور، وتبقى وحيداً في مواجهة العالم، وتشعر بالوحدة، وتفقد من يمد يده  ليساعدك دون أن تطلب، حتى لو مدت إليك ألف يدٍ فإنها لا تغنى عن يد والدك.

وعرفت أن فى بلجيكا يسود هذا المثل: فقد الأم يعني فقد اللطف والحنان، وفقد الأب يعني فقد العز والشرف.

تحية لإحدى النساء التى استحكم الخلاف بينها وبين زوجها حتى وصل الأمر عند حافة الطلاق والفراق، فلما تأملت ونظرت لابنها أنه سيعيش منكسرا، وكأنه يتيم رغم وجود أبيه على قيد الحياة، لما تأملت ذلك آثرت أن تُبقي لابنها أمان والده، ورجعت عن فكرة الطلاق.

راقت لى هذه العبارات عن الأب:

الأب: رجل لن يتكرر في الحياة أبداً، ولا يٌغني عن غيابه أي أحد، ولا حتى الولد. الأب معطف أمان في ليالي العمر.

سـأنظم الشــعرَ عِرفاناً بفضلك يا 
                          مَن عشـْتَ دهرَك تجني الهمَّ والنّصَـبا
سأنظم الشــــعر مدحاً فيكَ منطلِـقاً 
                          يجاوز البدرَ والأفــــلاكَ والشّـــهُبـا

إلى كل أب: لا تكن قاسياً على أولادك. كفاهم قسوة الحياة، “ولوكنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك”.

شاهد أيضاً

هيئات إسلامية: خطة ترامب تصفية للقضية الفلسطينية

أصدر عدد من المؤسسات والهيئات العلمية والدعوية، إلى جانب عشرات العلماء من مختلف الدول العربية …