ترى الخمينية؛ أن “الخنجر أسبق وجوداً من أشجار الزيتون”! فليس ثمة إلا السيف، السيف، السيف، والدم هو نشيد الأرض الدائم, وهو القانون الذي يحرك التاريخ ويصمم أحداثه. الخنجر لا (الكتاب) .. والدم لا (السلام) .. والموت لا (حب الحياة).
هذه هي فلسفة الثيوقراطية السوداء التي تحكم في إيران، وهي ذاتها التي تدفع العالم إلى هاوية الحروب ومحرقة الشعوب.
فبدلا من الدعوة إلى السلام العالمي وإزدهار الحياة وإعلاء قيم التسامح بين الشعوب، وصيانة حقوق الإنسان..
بدلا من هذه المرامي النبيلة والجنوح للسلم؛ إندفعت ولاية الفقيه بكل ما بحوزتها من قوى ناعمة وصلبة لفرض نموذجها السياسي على البلدان العربية والإسلامية، واختارت الإرهاب منهجا وطريقا، وقد عبر( هوس العنف) عن نفسه في العقل السياسي الإيراني بتقديسه الحرب وتبجيل القوة, والسقوط في دائرة سحر يوتوبيا الدولة الكونية المتأججة بأناشيد العدم والدم.
يجري ذلك كله عن طريق الجدل الزائف بتحويل التاريخ إلى أسطورة، والواقع إلى مثال، وهو ماتجسده سلسلة الغزوات المسلحة وعمليات التصفية الجسدية والاغتيالات وحرائق الموت في بغداد والشام والبحرين، وفي بلاد الحرمين ـ تحت شعارٍ يتراوح بين أسطورة المظلومية، وخرافة إنقاذ المستضعفين.
فما يحدث أمامنا اليوم من عمليات إرهابية في بلداننا العربية ليس سوى نتيجة لمطلقات ولاية الفقيه (المؤلهة) فوق (البشرية), وفقا لـ(معصومية) مرشدها, المتعالية على الواقع الإنساني، لذلك فإنها لا تأبه بمن حولها من الدول ولا تعر أهمية سواء في خروجها على العصر والتاريخ أو مفارقة سياساتها للعقلانية وللتقاليد الإنسانية والقوانين الدولية.
إذ تتمسك الولاية الإيرانية سواء في بنيتها الفكرية أو في أسلوب حركتها السياسية، بخرافة (الوصاية الالهية) على الآخرين، مما يتحتم على العالم أن يمتثل كليا لسلطتها المقدسة، وأن تخضع لها كل ذرة في الارض، وهي ايديولوجيا العقل الثيوقراطي السياسي (فالمرشد الأعلى الذي يتلقى إلهاماته من الإمام الغائب)، هي في عقل ووجدان الطبقة الثيوقراطية؛ عقيدة راسخة بل هي واحدة من أبسط البديهيات التي يتداولها القادة الإيرانيون وهي بمثابة الخبز اليومي، غير قابلة للمناقشة بأي شكل وعلى أي نحو.
لذلك أخفقت طهران في التواصل الإنساني مع العالم المعاصر، وعجزت عن إقامة علاقة سوية مع الشعوب والبلدان الأخرى، ولم يعد بوسع هذه السلطة إزاء أوهامها الذاتية وانكفائها علي أضاليلها السياسية، إلا أن تشهر سلاح الارهاب في كل إتجاه تتسلل إليه أو تصل إليه مليشياتها وأحزابها الموالية ليمتد خط الارهاب من المنامة مرورا ببغداد وتطاولا على الحاضرة النبوية، اعتقادا منها بأن اختراقاتها لأمن الدول المجاورة وتمزيق نسيجها الوطني؛ هي المهمة المقدسة التي أوصى بها الخميني؛ وهي رسالة الولاية إلى كل البلدان داعية فيها إلى اعتناق أيديولوجيتها، وتبني مفاهيمها السياسية، وبخلاف ذلك فليس ثمة من سبيل إلا السيف والدم والمضي في إشعال الارض بالحرائق.
وقد فاق السلوك المتطرف لولاية الفقيه كل تقاليد الغلاة والحركات الارهابية في التاريخ، سواء في تكفيرها للمجتمعات الاسلامية أو في دمويتها وماترتكبه قواتها من جرائم إبادة ضد المدنيين، ولعل مشاهد الموت اليومية وما تحدثه من مآسٍ في العراق والشام واليمن أمثلة قائمة على الإرهاب المتوحش الذي وثقته لجان الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان.
ولاية الفقيه قائدة حملة التكفير في العالم التي جعلت من العقيدة الدينية سلاحا إرهابيا، لتصفية وملاحقة خصومها في داخل وخارج إيران وفي كل البقاع ، فخامنئي كما سلفه الخميني، يعتقد اعتقادا راسخا أن الله إصطفاه من أجل سعادة المسلمين وإقامة الفردوس الأرضي لمستضعفي العالم، والتطبيق العملي لجلب هذه السعادة وإقامة النعيم الدنيوي، هو إجراء عمليات تطهير شاملة لأصحاب الرأي الآخر من كافة المذاهب والايديولوجيات ويتعين اجتثاث رؤوس هؤلاء الاعداء والإطاحة بأعناق المعارضة.
ويروج المرشد الأعلى بأن هاتفا غيبيا يدفعه ويرشده، وأنه لا يتحرك إلا بمقتضى أوامر ألائمة الاثني عشر، وأنه كما المعصوم ليس بينه وبين الإمام المهدي أي فاصلة؛ وتذكرنا هذه الأخيلة الأسطورية بهلوسات الشاه اسماعيل الصفوي عندما فتح “تبريز” فقد هتف بالجموع وهو يردد: ( أنا مكلف بذلك وإن الله والأئمة المعصومين معي وإني لا أخاف أحدا، فإذا وجدت من الناس كلمة اعتراض شهرت سيفي بعون الله فيهم فلا أبقي أحدا منهم حيا)!
إن سمة العنف التي يتميز بها نظام رجال الدين في إيران تفوق في آلياتها الوحشية محارق العهد الصفوي, فقد شهد العالم صور المحق الشامل في الفلوجة وحلب, إذ لجأت المليشيات الإيرانية إلى سياسة الأرض المحروقة فعمدت إلى تفجير المنازل بساكنيها, واقتادت الشباب والرجال إلى ساحات الاعدام.
أما أوجه الشبه بين التجربتين الصفوية ونظام ولاية الفقيه، فهما يتماثلان في بعض الجزئيات المنهجية على النحو التالي:
1 ـ اعتماد العنف وسيلة أساسية في تصفية المخالفين وارهاب الخصوم.
2 ـ اتباع فكرة الموالاة المذهبية والبراءة من أعدائها.
3 ــ النزعة التوسعية؛ فكلا التجرتين لا يعترف بسيادة الدول الأخرى، ولا يقر بوجود حدود دولية؛ فتصبح القوة لدى الطرفين النهج الشرعي الذي يبيح لهما احتلال البلدان والضم القسري لأراضي دول الجوار.
4ـ الاعتقاد بالغيبيات والعمل على ترويجها، الغاية منه هيمنة رجال الدين على مقاليد الدولة عن طريق ابتداع ( قصص وروايات) نحو اللقاء بالإمام المنتظر وتلقي أوامره، والغاية التي ينشدها النظام من بث هذه البدع الاسطورية، (تنويم) الجماهير عن الواقع، وتأكيد المنزلة المقدسة للحاكم، بوصفه ممثل السماء على الارض.
5 ـ فرض اللغة الفارسية بوصفها وسيلة وحيدة للتخاطب بالقوة القسرية على القوميات والجماعات الإثنية وإعتبارها اللغة البديلة للغات الاخرى في عموم إيران.
6 ــ عندما حاول الشاه إسماعيل الصفوي نشر الدعوة لأول مرة في تبريز عاصمة إقليم أذربيجان، دعى وجهاء أهلها إلى الاجتماع في إحدى ساحتها العامة وطلب منهم سب الخلفاء الراشدين الثلاثة، وعندما رفضوا ذلك تشير بعض الروايات إلى أنه قتل منهم ما يقارب 4 آلاف مواطن، وهذا السلوك الدموي نجد وقائع متكررة منه لدى قادة الثورة الإيرانية بإقدام النظام على تقتيل خصومه، وكان أول رصيد دموي له يتمثل في سلسلة المجازر البشعة التي ارتكبت بحق الشعب العربي الأحوازي في أوائل 1980 والمشانق قائمة حتى اليوم، تطيح برؤوس العرب المطالبين بالحرية، وهو نهج تجاوز فيه المرشد الأعلى كل قيم الإنسانية؛ حيث نلمس حقيقة هذا العنف في تصريحات آية الله صادق خلخالي الذي خاطب الشعب العربي الأحوازي المطالب بحقوقه القومية إبان انتصار الثورة 1979، قائلا ( سنملأ شط العرب بالدماء ولن نسمح بذلك أبدا), كما ذكر في مذكراته التي نشرتها جريدة همشهري في عددها العاشر لعام2001 قائلا ( لقد قتلت الكثير من الشعب الكردي والعربي وبقايا النظام الملكي ولكنني لست نادما ولا يعذبني ضميري)
أما الجنرال مدني الذي قال الخميني بحقه (إنه نور عينيه) فقد أعلن بوقاحة: ( إن العرب يثيرون الشغب وسأشرب من دمائهم إذا استمروا في الضغط من أجل تحقيق مطالبهم), وما حدث للثورة الشعبية الخضراء في صيف 2009 من تصفيات جسدية وتعذيب حتى الموت في السجون يعد برهانا على دموية ولاية الفقيه، وكذلك المجازر التي ارتكبت بحق الشعب التركماني والأكراد وسائر القوميات الاخرى.
7 ـ إذا كان الخميني قد اتخذ أول قرار سياسي له عام 1980 بتصدير الثورة إلى بغداد, فإن القرار ذاته كان قد أقدم عليه من قبل الشاه إسماعيل الصفوي، وهو احتلال العراق حيث تسنى له تحقيق ذلك واتخذ الصفوي كما يقول الدكتور علي الوردي في كتابه (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) سب الخلفاء الثلاثة وسيلة لامتحان العراقيين في موالاتهم للمذهب الصفوي، وهو مانجد اصداءه في نظام ولاية الفقيه، وفي نصوص الخميني ومن بينها (كشف الأسرار، الحكومة الإسلامية، الوصية الأخيرة) الذي انتهج تصدير الثورة إلى البلدان العربية وفي مقدمتها العراق رافعا شعارا دمويا ” كلُ يومٍ عاشوراء .. وكلُ أرضٍ كربلاء وطريق القدس يمر عبر كربلاء”, وهو الطريق ذاته الذي يمر بـ”المنامة وبلاد الحرمين”، وأصبح هذا الشعار في عهد خامنئي نشيدا يوميا يردده الحرس الثوري في غزواته الوحشية.
استحدثت ولاية الفقيه مايتجاوز هذه المرتكزات وزادت عليها:
1ـ أصبح السيف وصلاة الدم وإنزال الموت بالمخالفين؛ القواعد الراسخة في كتاب الثورة المفتوح على امتداد الزمان والمكان، فقد جاء عصر الفقيه المسلح، الذي استبدل القرآن بالحكومة، وحول مفهوم الثورة إلى واقع إرهابي، عن طريق اغتيال وتغييب الخصوم في الداخل، و”تصدير الثورة” إلى الخارج، وتحت وطأة التأويلات المضللة أصبح الدين لاهوتا سياسيا وسلاحاً إيديولوجياً لشق الطريق أمام حركة الغلو، ومنظماتها السوداء، قصد تنظيم صفوفها وترتيب قواها الفاشية.
2ـ الأنشطة الاستخبارية بوسائلها وضروبها (زرع الخلايا، اختراق مؤسسات الدول، التجنيد، إعداد وتدريب المليشيات المسلحة، الاستعانة بالمرتزقة، القنابل البشرية، بناء قواعد تصدير الثورة: الاحزاب الدينية مثالا، الخ).
3ـ والأهم من ذلك كله اتباع سياسة الأرض المحروقة، والسعي لتغييرالخرائط الديموجرافية في العراق وسوريا .
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات