صار الاستشراف إلى الأموال الطائلة والأثاث الفخم والسيارة الأنيقة, وسائر مباهج ومتع الدنيا السمة الغالبة لهذا العصر؛ إلا من رحم الله تعالى. وللأسف الشديد انزلق الكثير من الزوجات وراء هذه الزخارف المبالغ فيها، وأصبح شغلهن الشاغل الحصول على الحلي الثمينة والملابس الأنيقة.
وهذا الطمع الزائد، والتطلع إلى ما عند الأخريات، والمقارنات الدائمة, كان سبباً في إرهاق الأزواج، وزيادة الضغوط عليهم وتوترهم، وإحباطهم الدائم لعدم القدرة على تحقيق هذه المتطلبات (الصاروخية)، وتلبية الرغبات التي لا تنتهي عند حد، مما حوّل الحياة الزوجية إلى جحيم.
خلافات زوجية لأمور مالية
للوضع المالي تأثير في التوافق الزواجي، فكثيراً ما تنشأ خلافات بين الزوجين بسبب الأمور المالية، فقد يتهم الزوج زوجته بسوء التصرف في ميزانية الأسرة.. من غير مبرر، كما أن الزوجة قد تتهم الزوج بالبخل والتقتير، أو بالتمسك بالإشراف على شؤون البيت المالية في حين لا يحسن هو الإنفاق ولا يضع الأمور في نصابها، أو تتحسر من الوضع المالي السيئ الذي تعيش فيه؛ محرومة من كثير من مباهج الحياة كما صديقاتها وجيرانها، فهي تعتبر سخاءه دليل تقديره وحبه، مصغية لمقولة محرضة سمعتها من إحداهن يوماً ما «اصرفي ما في جيبه، تعلمي ما في قلبه».
وفي هذه الحالة يشعر الزوجان كلاهما بأن الآخر صار يمثل عبئًا عليه ويظلمه ويسلبه حقه، مما يترتب عليه شعور أليم وجارح من الظلم الواقع عليه من الطرف الآخر، لذا نرى أنه من النادر أن يسعد رجل مسرف مع زوجة مقترة، كما أن الزوجة المبذرة نادراً ما تسعد مع زوج بخيل، وإن كان التبذير سمة غالبة لكليهما فالفقر والفشل أسرع إليهما من السيل لمنتهاه.
أصناف ودوافع متباينة
تتعدد وتتباين أصناف الزوجة، كما تتباين الدوافع الكامنة وراء كل صنف من هذه الأصناف، ويمكن تقسيم الزوجات – بشكل عام – من حيث التعامل المادي والإنفاق المالي إلى:
- الزوجة المحرومة: إذا كانت الزوجة قد نشأت في بيئة فقيرة أو كان والدها بخيلاً، وذاقت صنوف الفقر والبخل فترة طويلة، ثم رزقها الله بزوج ميسور الحال، نجدها غالباً ما تبدأ بإشباع حرمانها الدفين، فتشتري كل ما ترغب فيه وحُرمت منه، بحاجة وبدون حاجة، وفي الوقت نفسه تحرص على تجميع ما تقدر عليه من زوجها وتفتح لها حساباً خاصاً في البنك أو تشتري به عقاراً أو ما شابه ذلك، من أجل تعزيز شعورها الداخلي بالثراء، ولذلك فإن طلباتها من الزوج لا تكاد تنتهي، وشعارها دوماً: «هل من مزيد»؟ إنها لا تشتري ما هي بحاجة إليه، إنما تشتري لتتفاخر، الملابس من أشهر الماركات، والزينة على أعلى الصيحات.. لا شيء يعجبها، ولا تحمد الله الذي رزقها بل تتمادى في نهم لا ينتهي، وفي الوقت ذاته نجدها بخيلة علي الغير، حاقدة، فلو صادفتها مناسبة لتقدم هدية لأهل زوجها – مثلاً- نجدها تشتري لهم أرخص الهدايا ثم ترتدي هي أحسن الماركات لتبين لهم الفرق بينها وبينهم، وكأنها نسيت أن زوجها هو السبب في أنها امتلك ذلك كله، وهو الذي انتشلها من وسطها الفقير أو حررها من أبيها البخيل، وهي تعتبر المال غاية وليس وسيلة, وقد تُعلم زوجها البخل حتى لو كان كريماً.
- الزوجة المسرفة: غالباً ما تكون قد نشأت في بيئة ثرية منذ نعومة أظفارها، فلا تقيم حساباً للمال، وتعتبر المال وسيلة لا غاية، وفي المقابل نجد زوجها الحنون مضطراً لإجابة طلباتها التي لا تنتهي، وقد يستدين حتى يلبي لها مطالبها، وقد رأى كثيرون أن الإسراف عامل هدم قوياً لتَوافُق الزوجين خصوصاً في المجتمعات الحديثة، لا سيما إذا أدى إسراف الزوجين إلى الاستدانة، وتراكم الأعباء المالية؛ بحيث تصبح لا قدرة لأي منهما على احتمالها.
- مُحِبة المظاهر: هي زوجةٌ.. المظاهر عندها فوق كل اعتبار؛ بغض النظر عن إمكانيات زوجها أو إمكانياتها المادية، فنجدها تطالبه بأكبر من هذه الإمكانيات، فلابد أن تتبع أحدث خطوط الموضة وتستبدل سيارتها كل سنتين إن لم يكن كل سنة، وكذلك أثاث المنزل، ومغرمة بالسفر كل إجازة.. المهم أن تبدو أمام الناس أنها بنت الأكابر، وأنه لا يوجد أحسن منها؛ حتى ولو اتبعت في ذلك طريق التقسيط. فأقساط البيت والسيارة والأثاث تستقطع ثلاثة أرباع دخل الأسرة، ولا تهاب الاستدانة من هنا وهناك لمجرد أن تظهر بمظهر لائق بين معارفها وأصحابها. وبرغم تراكم الديون عليها وعلى زوجها فإنها لا تجد حرجاً بطلب للبنك لتأخذ قرضاً حتى تسافر في الصيف، وبعد فترة نجد أن السيارة الفخمة حجز عليها البنك لتستبدل بها سيارة صغيرة، مدعية أمام المعارف أن السيارة الكبيرة متعبة ولا يوجد لها مواقف، وقد تضطر للشراء عن طريق شيكات دون رصيد إما بتوقيعها هي أو بتوقيع الزوج، وينتهي التهور بالقبض عليهما وحجزهما وتخييرهما بين الدفع والحبس.. كل ذلك لمجرد حب المظاهر والتأنق في عيون الآخرين!
- الزوجة الكريمة: هي الزوجة التي تربت في بيت أهلها على العز والكرم، ونشأت على مبادئ وقيم ديننا وعاداتنا السمحة، هذه الزوجة لو رزقها الله بزوج غني فستستمر على النمط نفسه من الحياة، ولو رزقها الله بزوج فقير ستحمد الله وتعمل على أن تسعده وتتكيف معه حسب دخله، فلا كثرة النقود تبطرها، ولا قلة المال تذلها.
إن الأسرة يجب أن تكون واعية في تصرفاتها بأموالها، محافظة بذلك على كيانها، فلا إفراط ولا تفريط خاصة عند الإنفاق علي البيت، وأن يقوم كل من الزوجين بمساعدة الآخر على تعديل مفهوم الذات ومفهوم الطرف الآخر مما يجعله يحسن الظن به، ويتفاعل معه تفاعلاً إيجابياً, فيتعرفان على أسباب المشكلة وينمو الدافع لديهما لحلها، وذلك يعزز القيم الأسرية الإيجابية ويزيل السلبية منها، ويعمل على تحقيق نمو الشخصية وأدائها لوظائفها في جو أسري مشبَّع بالحنان والحب وتخفيف التوتر والقلق والعداوة.
من أجل زواج مستقر
«إياكما والديون» .. عليكما بإخضاع وضعكما الاقتصادي لدراسة جيدة، ووضع برنامج دقيق لدخل الأسرة، وبالتالي تحديد كيفية التصرف فيه مع محاولة التوفير للحالات الطارئة، فالأيام والأحداث لا تسيران على وتيرة واحدة.
فأنت يا سيدتي، لا تدعي المظاهر والأضواء تخدعك وتقودك إلى التخبط في الإنفاق من دون حساب، فكل دينار له قيمته عند الحاجة إليه.. بوسعك أن تكوني أنيقة وجميلة دون المبالغة في اختيار الأغلى والأشهر اسماً، مجاراة لصديقاتك الميسورات، فلكل أسرة دخلها الشهري وحياتها التي يجب المحافظة عليها، وإياك أن تدفعي زوجك إلى الشكوى من إسرافك وتبذيرك لأن هذا سيعود سلباً عليك في نهاية الطريق.
فكري كثيراً قبل إقدامك على الإنفاق، هل هذه السلعة ضرورية لأشتريها أم يمكنني الاستغناء عنها؟ وهل تستحق المبلغ الذي سأدفعه ثمناً لها؟ وثقي بأن جوابك سيكون في كثير من الحالات: «لا» .. احتفظي بالمال ووفريه وسيكون في خدمتك وخدمة أسرتك عند الطوارئ، خير من بذل ماء الوجه.
وأنت أيها الزوج العاقل: تستطيع بتفكيرك الواسع وقدرتك على التحكم في رغباتك غير الضرورية توفير الكثير من المال، دون الحاجة إلى القروض أو الديون التي لا تنتهي إلا بنهاية كل ما هو ممتع وجميل في حياتك الزوجية.
أيها الزوجان أنتما معاً تشكلان عالماً اقتصادياً بالمعنى الكامل للكلمة إذا عرفتما أهمية المال الذي تحصل عليه أسرتكما الصغيرة، وعرفتما كيف تحققان التوازن بين «الدخل» و «المصروف» وبه تحققان سعادة لا تنتهي واستقراراً للحاضر وتأميناً – بإذن الله – للمستقبل.
توجيه المصروفات
وهنا يبرز دورك أيتها الزوجة بتوجيه مصروفات زوجك لما هو مفيد، ولا أعتقد أنك عاجزة عن ذلك إذا استخدمت ذكاء المرأة وحنانها, وحاولت جاهدة إقناعه بتخصيص جزء من دخل الأسرة لك تتصرفين فيه على ضوء مسئولياتك؛ بوصفك زوجة من واجبها تأمين الاستقرار العائلي بما يكفل عدم إحداث أي اضطراب في تأمين احتياجاتها الضرورية.
وقد شرع الله سبحانه وتعالي كيفية التعامل مع المال وفقاً للقاعدة القرآنية {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً} [الطلاق:7]
إن الزوجة المسلمة ترضى بما قسم الله لها، فالغنى غنى النفس، والرضا والقناعة كنز ثمين لا يمنحه الله تبارك وتعالى إلا لمن يحب من عباده، فعليك – أختي في الله – أن تكوني عوناً لزوجك لا عبئاً عليه، ولتجعلي توجه نبيك محمد – صلى الله عليه وسلم- منهاجاً تسيرين عليه، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تحقروا نعمة الله عليكم» [رواه مسلم] وتذكري كيف كان يعيش أفضل خلق الله – صلى الله عليه وسلم- وزوجاته الطاهرات رضي الله عنهن جميعاً.
……………..
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات