التقوى من الأخلاق الراقية (1)

التقوى من درر الأخلاق الإسلامية الراقية، فهي زاد القلوب والأرواح, بها تقتات وتتقوى وعليها تستند في الوصول والنجاة، وبها يتجنب المسلم غضب الله وسخطه وعقابه, وقايةً تقيه، وهي تشمير للطاعة، ونظر في الحلال والحرام، وورع من الزلل، ومخافة وخشية من الكبير المتعال؛ سبحانه وتعالى.

والتقوى مفتاحٌ لكلّ خير للمؤمن، ومنبعٌ المكارم والفضائل له، وهي زاده يوم يلقى ربه، فإذا تخلق بها في حياته الدنيا فإنّها لا تحجزه عن محارم الله فقط وتبعثه على فعل الطاعات, فهي بمثابة شجرةٍ في قلب العبد متى أينعت عمّت بركة ثمارها عليه في دنياه وآخرته، وسيترك الكثير من أمور الحلال خشية الوقوع في الحرام.

 قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) 29 : الأنفال.

لذلك ينبغي على المؤمن أن يعي معنى التقوى لغةً واصطلاحًا ومن أقوال علماء السلف، ويتدبر آيات الله تعالى ليقف على مفهومها في القرآن، ويتعرف على صفات المتقين فيسعى جاهدا للتحلي بهذه الصفات الجليلة، ومن ثم ينال ثمراتها وفوائدها.

مفهوم التقوى

التقوى لغة: وردت كلمة التقوى في معجم لسان العرب بمعنى الوقاية والصيانة والحذر والحماية .

واصطلاحا:

1 – أن تجعل بينك وبين ما حرم ألله حاجباً وحاجزاً .

2 – وأن يجعل المسلم بينه وبين غضب الله وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك، بامتثال أوامر الله واجتناب النواهي.

3- وهي كذالك زاد القلوب والأرواح؛ فبها تقتات وبها تتقوى وعليها تستند في الوصول والنجاة .

تعريف التقوى عند علماء السلف:

1 – عرف علي بن أبي طالب التقوى فقال: هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والقناعة بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل.

2 – وقد سأل عمر رضي الله عنه أُبَي بن كعب فقال له: ما التقوى؟ فقال أُبَي: يا أمير المؤمنين أما سلكت طريقاً فيه شوك؟ قال: نعم.. قال: ما فعلت؟، قال عمر: أشمّر عن ساقي وأنظر إلى مواضع قدمي وأقدم قدما وأؤخر أخرى مخافة أن تصيبني شوكة، فقال أُبَي بن كعب: تلك التقوى.

3 – قال ابن القيم – رحمه الله – في التقوى في تعريفها الشرعي: حقيقتها العمل بطاعة الله إيماناً واحتساباً أمراً ونهياً، فيفعل ما أمر الله به إيماناً بالآمر وتصديقاً بوعده، ويترك ما نهى الله عنه إيماناً بالناهي وخوفاً من وعيده.

 

مفهوم التقوى في القرآن

والتقوى تُطلَق في القرآن الكريم على عدد من المعاني منها: الخشية والهيبة، الطاعة والعبادة، التنزه عن الذنوب:

 1 – تأتي بمعنى الخشية والهيبة:

كما قال تعالى: ( وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) البقرة: 41، أي اخشوني وهابوني، وكذلك في قوله: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُون) البقرة : 281 ، أي خافوا هذا اليوم وما فيه ( ويخافون يوماً كان شره مستطيرا )

2 – تأتي بمعنى الطاعة والعبادة:

كقوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته) البقرة :102،  يعني أطيعوه حق الطاعة واعبدوه حق العبادة، وهو قول مجاهد: أن يطاع فلا يُعصَى, وأن يُذكر فلا يُنسى, وأن يُشكر فلا يُكفَر .

3 –  تطلق على التنزه عن الذنوب:

 هي الحقيقة في تعريف التقوى في الاصطلاح، قال عز وجل : (ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون) النور: 25، فذكر الطاعة والخشية ثم ذكر التقوى بعدها يعلمنا أن حقيقة التقوى شيء إضافي غير الطاعة والخشية في هذا النص وهو تنزيه القلب عن كل قبيح.

 صفات المتقين

وصف الله تعالى المتقين في القرآن الكريم بصفات كثيرة منها:

 1 – الإيمان بالغيب إيماناً جازماً: قال الله تعالى: (هدىً للمتقين الذين يؤمنون بالغيب) البقرة : 2 .

2 – يعظمون شعائر الله: قال تعالى: ( ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) الحج: 32. 

3 – لا يقترفون الكبائر ولا يصرون على الصغائر: وإذا وقعوا في ذنب سارعوا إلى التوبة منه، قال الله تعالى: { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} الأعراف :201، سارعوا مباشرة إلى التوبة والإنابة إذا أصابتهم صغيرة.

4- يتحرون العدل ويحكمون به: قال تعالى: { ولا يجرمنّكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى}، المائدة : 8 ، رغم نزول هذه الآية في المشركين, وهم مُبغضون لأجل شركهم وكفرهم, ومع ذلك أمرنا الله أن نعدل فيهم.

5 –  يتحرون الصّدق في الأقوال والأعمال: قاله تعالى: { والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} الزمر 33 ، الذي جاء بالصدق هو محمد صلى الله عليه وسلم، والذي صدق به قيل هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه (أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) البقرة 177، هذا بيان أن المتقي يصدق.

6- يدعون ما لا بأس به حذراً مما به بأس: روى الترمذي وأحمد وابن حبان عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).

وتمام التقوى أن تتقي الله حتى تترك أحياناً بعض الحلال خشية أن تكون حراماً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرى تمرة فيريد أن يأكلها فيتركها لأنه يخشى أن تكون سقطت من تمر الصدقة .

7- يعفون ويصفحون: قال الله تعالى: (وأن تعفوا أقرب للتقوى)  البقرة : 237 .

 8 – المتقون يتبعون الصادقين من الأنبياء والمصلحين: قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) التوبة: 119، فأهل الصدق هم أصحاب المتقين وإخوانهم ورفقاؤهم وأهل جلوسهم وروّاد منتدياتهم.

شاهد أيضاً

يوم عرفة.. أسرار وفضائل

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتمّ علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينًا، وصلاة وسلامًا …