التهجير القسري في سوريا .. السياسات والأدوات والتبعات (3)

  التهجير القسري والمواقف الدولية

ترواحت المواقف الدولية مما يحدث في سوريا من تهجير قسري وجرائم حرب من مواقف سلبية تحاول التستر والتهرب من مسؤولياتها بتصريحات وتنديدات لفظية جوفاء إلى تواطؤ وتورط بأشكال عدة في التهجير القسري؛ بأساليب مباشرة أو غير مباشرة.

وفيما يلي استعراض مختصر لمواقف الأمم المتحدة والولايات المتحدة وروسيا:

الأمم المتحدة: لعبت الأمم المتحدة دورا سلبيا للغاية منذ بداية حملات التهجير القسري عام 2013 وترواح دورها بين الوساطة غير الأخلاقية في اتفاقيات التهجير القسري أو الإشراف عليها. وعلى الرغم من صدور قرارات من مجلس الأمن ومنها القرار 2254 والذي تضمن إدخال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة، فإن مجلس الأمن والأمم المتحدة عجزت أو تظاهرت بالعجز أمام قصف الطائرات الروسية يوم 19-9- 2016 رتلاً لشاحنات إغاثة كانت متوجهة إلى بلدة أورم الكبرى بريف حلب الغربي، مما أدى إلى إحراق شاحنات الإغاثة ومقتل العديد من عناصر الهلال الأحمر المرافقة لتلك الحملة.

في عددها الصادر في 29-8-2016 نشرت صحيفة الجارديان البريطانية تحقيقا استقصائيا يكشف عما يمكن اعتباره تواطؤًا من الأمم المتحدة في دعم نظام الأسد. وأماط التقرير اللثام عن تقديم الأمم المتحدة مساعدات بملايين الدولارات لنظام بشار الأسد في سوريا من خلال برامج المساعدات الإنسانية التي تقدمها المنظمة لمتضرري الحرب في سوريا. وأشارت الصحيفة إلى أن النظام استغل هذا البرنامج لمصلحته من خلال شركات محددة سمح لها بالتعاون مع الأمم المتحدة، اتضح لاحقاً أنها شركات عائلية تابعة للأسد وعائلته، الأمر الذي أتاح للنظام الاستفادة من ملايين الدولارات. وبحسب تحقيق الصحيفة، فإن غالبية الشركات التي تتعامل معها الأمم المتحدة في سوريا شركات يفترض أنها خاضعة لعقوبات اقتصادية من طرف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ومن بينها شركة لأسماء قرينة بشار وأخرى لابن خاله رامي مخلوف. وهكذا تتحول المعونات الأممية التي يفترض أنها لمساعدة السكان المحاصرين إلى أدوات ووسائل لتشديد الحصار عليهم ودفعهم لقبول النزوح والتهجير القسري.

وتحت عنوان “مساعدات الأمم المتحدة لا تصل إلى معظم المناطق السورية المحاصرة”، نشرت الجارديان يوم 12-9-2016 تقريرا صادما. فقد عرضت بيانات تُظهر أن حوالي 96% من المساعدات تذهب إلى مناطق النظام، في الوقت الذي لا تصل فيه سوى 4% من المساعدات إلى مناطق المعارضة، ونتيجة لذلك، فإن كل الوفيات بسبب الجوع في سوريا حدثت في مناطق المعارضة. وأكدت معدتا التقرير؛ الصحافيتان إيما بيلز ونك هوبكنز على أن استراتيجية الجوع حتى الركوع، التي يعترف بها النظام، عادة ما تتوج بهدنة محلية، تتوسط فيها الأمم المتحدة وتدعمها، ويؤكد على ذلك مشهد خروج المدنيين المجوعين من بلدات تم تحويلها إلى أكوام من الركام، تصاحبهم سيارات الأمم المتحدة البيضاء اللامعة! مشهد أصبح مألوفًا. كما ذكر التقرير أنّ عدم وصول المساعدات الى البلدات المحاصرة كان سببا رئيسيا لإخلاء بلدات من سكانها.

وفي مؤتمر صحفي عقب انهيار المفاوضات في جنيف 19-4-2016، انتقد رياض حجاب عدم التزام الأمم المتحدة بتطبيق تعهداتها في البنود الإنسانية، كاشفاً أن المبعوث الدولي إلى سوريا؛ ستيفان دي مستورا لم يستطع انقاذ شاب مريض في بلدة مضايا التي تحاصرها ميليشيا حزب الله اللبناني، رغم المناشدات العديدة التي وجهتها المعارضة إلى الأمم المتحدة لإخراجه، كما عجزت الأمم المتحدة عن إدخال علبة حليب للأطفال المحاصرين. وذكر حجاب أن أكثر من 60% من المساعدات الأخيرة التي وصلت شملت مواد تنظيف!

عقب بدء عملية الترحيل من حلب الشرقية صرح المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا في 22 ديسمبر 2016: “ذهب الكثيرون منهم إلى إدلب التي يمكن أن تصبح حلب التالية”، موجهاً بذلك رسالتين، أولاها: اعتبار المرحّلين من حلب مطاردين لا ضحايا، وهذا وصف يجيز تعقب أثرهم أينما حلوا، دون التطرق مباشرة لوصفهم بأنهم إرهابيون أو حتى معارضون غير مرحب بهم، وثانيها: اعتبار الترحيل من حلب خطوة منجزة نحو مخرج سياسي تسمح بالعودة لمسلسل جنيف، وليس جريمة حرب في بشاعتها -كالتي وقعت في سربرنيتشا أو أشد خزياً- تستوجب الانتقال بالمشهد نحو لاهاي. وعلى اعتبار مكانة صاحب التصريح في الأمم المتحدة؛ لنا أن نفهم في موقف هذه الأمم مباركة لسياسة الحصار والتهجير، وسرورا لدرجة تسمح بتجاوز مواثيق حقوق الإنسان، لا سيما أن الأمم متحدة تعاطت بشكل مختلف مع تقدم المعارضة في حلب بينما سارعت إلى توجيه نداء للمعارضة لإبرام هدنة 72 ساعة عقب تمكن الأخيرة من كسر الحصار في يوليو الماضي، أي في وقت ظهر فيه وكأن رؤية موسكو للحل من خلال “نموذج غروزني” مهددة بالفشل (طارق أحمد بلال – الجزيرة نت، 29-12-2016).

الولايات المتحدة الأمريكية: في “خطاب الاتحاد” لباراك أوباما يوم 12-1-2016وصف مقاربته للأزمة السورية بأنها النهج الأكثر ذكاءً. ويبدو أن المقصود أن واشنطن تترك الآخرين ليتورطوا عمليا وأخلاقيا وعسكريا في سياسات تخدم أهدافها ومصالحها مع التنديد اللفظي والإعلامي بتلك السياسات. السياسة الأمريكية في المنطقة والتي بدأت في العراق قامت على التأجيج الطائفي وإعادة رسم خريطة المنطقة ابتداءً من تصريحات لمسؤولين أمريكيين عقب احتلال العراق 2003 عن شرق أوسط جديد, مرورا بحديث صحفي لواشنطن بوست مطلع 2005 لوزيرة الخارجية الأمريكية, حينها, كونداليزا رايس، كشفت فيه عن نية الولايات المتحدة تشكيل الشرق الأوسط الجديد عبر نشر ما أسمته الفوضى الخلاقة في المنطقة. أما مدير الاستخبارات الأمريكية؛ جون برينان فقد قال في أكتوبر 2015: عندما انظر إلى الدمار في سوريا وليبيا والعراق واليمن يصعب على أن اتخيل وجود حكومة مركزية في هذه الدول قادرة على ممارسة سيطرة أو سلطة على هذه الحدود التي رسمت بعد الحرب العالمية الثانية. أما مدير المخابرات الأمريكية السابق مايكل هايدن فصرح لصحيفه لو فيجارو الفرنسية في يونيو/حزيران 2016 بأن هناك دولتين ستختفيان من الشرق الأوسط قريبا، وذلك علي ضوء اتفاقية سايكس بيكو، لنواجه حقيقة أنه لم يعد هناك وجود للعراق ولا سوريا ولبنان، مضيفا: أصبح كل هذا تحت مسميات عديدة؛ فهناك الدولة الإسلامية والقاعدة والأكراد والسنة والشيعة تحت مسمى سوريا والعراق سابقًا.

سياسات الولايات المتحدة في سوريا شجعت –إن لم نقل تورطت- وبطريقة غير مباشرة في جريمة التهجير القسري والتطهير العرقي من خلال سياساتها القائمة على تأجيج الطائفية والعرقية في سوريا أيضا. فواشنطن تدخلت بشكل مباشر وجيشت العالم من أجل مدينة عين العرب- كوباني في حين لم تحرك ساكنا وهي تشهد تدميرا شاملا وممنهجا لقرى ومدن سورية تسكنها غالبية عربية سنية.

في تقرير بعنوان “لم يكن لنا مكان آخر نذهب إليه” لمنظمة العفو الدولية صدر أكتوبر 2015، كشف النقاب عن موجة من عمليات التهجير القسري وتدمير المنازل التي تُعد بمثابة جرائم حرب نفذتها الإدارة الذاتية بقيادة “حزب الاتحاد الديمقراطي” الحزب الكردي السوري الذي سيطر على المنطقة. ويفضح التقرير التهجير القسري وعمليات هدم المنازل في شمال سوريا موثقا أدلةً على وقوع انتهاكات مفزعة، من بينها روايات شهود عيان وصور ملتقطة بالأقمار الاصطناعية، موردا تفاصيل عن عمليات تهجير متعمدة لآلاف المدنيين فضلاً عن تدمير قرى بأكملها في مناطق تخضع لسيطرة “الإدارة الذاتية”، وتُعتبر الإدارة الذاتية حليفاً أساسياً على الأرض للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في قتالها ضد “داعش”. وبطبيعة الحال لم تندد واشنطن بسلوك حلفائها الذين دربتهم وسلحتهم ناهيك عن محاسبتهم ومساءلتهم!

ولعل تصريحات مندوبي أمريكا وبريطانيا وفرنسا، خلال جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي بشأن حلب يوم 13-12-2016، تختصر الموقف الأمريكي والدولي من التهجير القسري. فقد دعت المندوبة الأمريكية لمجلس الأمن، سامنثا باور، إلى إجلاء آمن للمدنيين، وخاطبت مليشيات النظام وإيران بقولها: عار عليكم ما فعلتموه في حلب. فيما طالب مندوب فرنسا بالعمل على وقف إراقة الدماء، وإجلاء السكان بشكل آمن، وتقديم المساعدة لمن هم بحاجة إلى ذلك، أما المندوب البريطاني لدى الأمم المتحدة، ماثيو رايكروفت فقد قال، إن على النظام وأتباعه تسهيل إجلاء المدنيين من حلب. تصريحات المسؤولين الثلاثة تختزل جريمة التهجير القسري بالمطالبة بتنفيذها بشكل آمن دون الحديث عن وجوب معاقبة مقترفيها وجلبهم للعدالة الدولية، وفي الأمر تشريع خطير لجريمة كبرى تمس شعبا بريئا.

روسيا الاتحادية: الدور الروسي في جريمة التهجير القسري في سوريا كان صريحا وواضحا ومن غير مواربة ولا مداهنة. بدا التحريض الطائفي – والذي يشكل بذرة السوء للتهجير القسري- الروسي مبكرا حين صرح وزير الخارجية لافروف في مارس 2012 بأن روسيا لن تسمح بقيام حكم سني في سوريا. لافروف أطلق تصريحه المستهجن في وقت كانت الثورة السورية ترفع شعارات وطنية جامعة بعيدة كل البعد عن التهميش والإقصاء. ثم جاء التدخل العسكري الروسي السافر والعنيف في سبتمبر 2015 ليعيد ويجدد تطبيق سيناريو غروزني في القصف السجادي واستخدام أسلحة فتاكة وصواريخ مدمرة وفراغية؛ ومن بعد قنابل النابالم الحارقة لتخير المحاصرين في البلدات السورية بين الإفناء أو التهجير.

كما شكل إبرام اتفاقيات تحت مسمى المصالحة الوطنية، أشرفت عليها روسيا عبر قاعدتها في مطار حميميم, فصلا مؤلما في ملف جرائم التهجير القسري، والتي أدارها بعض الأشخاص في المناطق التي تعرضت للحصار والتجويع والقصف والتهديد المباشر بالإبادة. وتوسعت اتفاقيات المصالحات وتسارعت وتيرتها تحت وطأة تراجع القضية السورية سياسيا في المحافل الدولية، وشعور السوريين بالخذلان وبأن المجتمع الدولي غير معني بالجرائم التي ترتكب ضدهم، إن لم يكن شريكا فعالا فيها.

وبعيد جريمة إتمام إفراغ داريا المحاصرة من أهلها وتهجيرهم دعت الخارجية الروسية إلى استخدام ما أسمته بالتجربة الناجحة لإخراج المسلحين من داريا بريف دمشق في مناطق سورية أخرى، منتقدةً تصريحات مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة سامنثا باور بخصوص ما جرى في داريا، والتي اعتبرت أن النظام مستمر بالحل العسكري، وأشارت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إلى أن داريا تشير إلى استمرار الجهود من أجل التسوية السلمية.

 وفي نفس السياق كانت موسكو وبعد نجاح النظام في إطباق الحصار على أحياء حلب الشرقية في 17 يوليو الماضي تدعو عبر شعارات إنسانية زائفة ومخادعة لإفراغ المدينة من سكانها. ففي 28 يوليو أعلن وزير الدفاع الروسي سيرجي شويجر، أن روسيا بالتعاون مع النظام، ستطلق عملية “إنسانية” واسعة النطاق في حلب، لمساعدة السكّان الذين وصفهم بأنهم “رهائن للإرهابيين” للخروج من المدينة، مشيراً إلى فتح 4 ممرات، ثلاثة منها للمدنيين وواحد للمقاتلين.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …