التهجير القسري في سوريا .. السياسات والأدوات والتبعات (4)

بعد استعراض مواقف اللاعبين الرئيسيين؛ واشنطن وموسكو في الأزمة السورية، ربما من المفيد النظر في قراءة تحليلية لطرف بعيد نسبيا عن الصراع المباشر في سوريا حول حقيقة تلك المواقف. ففي مقال كتبه البروفيسور إيال زيسر، المحاضر في جامعة تل أبيب وأبرز المستشرقين الإسرائيليين في صحيفة “يسرائيل هيوم” يوم 25-10-2016 وترجمه موقع عربي 21، تحدث الكاتب عما أسماه خفايا المخطط القذر الذي تنفذه الولايات المتحدة وشريكتها روسيا وبالتعاون والتنسيق مع إيران في كل من سوريا والعراق، عبر تطبيق مشروع طائفي ممنهج يهدف إلى “اقتلاع السُنة” من المنطقة، وتوطين المكون الشيعي، وذلك في غفلة وتخاذل وعجز من العالم الإسلامي والعربي.

وأشار زيسر إلى أن العمليات العسكرية التي يخطط لها المحور الشيعي في كل من سوريا والعراق تهدف إلى طرد السنّة أو أكبر عدد منهم من منطقة الهلال الخصيب، لا سيما المناطق التي تقع على ضفاف نهري الفرات ودجلة والمناطق الساحلية من سوريا. وأوضح البروفيسور أن الأهالي “السُنة” الذين يفرون حالياً من مدينة الموصل ويتحولون إلى لاجئين في الخارج يكملون مشهد الطرد الجماعي الذي يتعرض له السنة حالياً في سوريا، منوهاً إلى أن ملايين السنة قد فروا من العراق وسوريا حتى الآن، لافتا إلى أن الهلال الخصيب الذي كان يقطنه قبل عقد من الزمان 20 مليون سني، لم يتبق منهم الآن إلا أربعة ملايين نسمة. 

وأكد الكاتب أن نظام الأسد هجر حتى الآن ثمانية ملايين سني، مشيراً إلى أن عددهم قد يصل إلى 11 مليون.
وشدد زيسر على أن الولايات المتحدة وروسيا تلعب دوراً مباشراً في مساعدة إيران على تنفيذ المخطط، وقال “إن الغطاء الذي تمنحه روسيا للمليشيات الشيعية لتنفيذ جرائم حرب في سوريا، والغطاء الذي تمنحه الولايات المتحدة للمليشيات نفسها في العراق يدلل على أن طرد السنّة من المنطقة يحظى بدعم القوتين العالميتين”. وأكد زيسر أن ما يتم في العراق وسوريا هو “تطهير عرقي بكل ما في الكلمة من معنى، لكن العالم يرفض تسمية الأمور بمسمياتها”، وإلى أن استكمال الحرب على الموصل يعني أن المزيد من ملايين السنّة سيتحولون إلى لاجئين في الأردن ولبنان وتركيا وبقية أصقاع العالم، معتبراً وجود داعش بمثابة “هدية” لأولئك الذين يرون أن مصالحهم تتحقق في إعادة صياغة حدود الشرق من جديد.

 تبعات وتداعيات التهجير القسري على سوريا ودول الجوار

  • يعبّد التهجير القسري الطريق ويمهده لتقسيم سوريا ربما كبداية لإعادة رسم خريطة المنطقة وتفكيكها وتشكيل الشرق الأوسط الجديد والذي ما فتىء يبشر به كثير من المسؤولين الدوليين وعلى الأخص الأمريكيين منهم. فبالإضافة إلى إشارات وتصريحات كثيرة، تحدث بشار الأسد في مرحلة ما قبل التدخل الروسي العسكري عن مصطلح “سوريا المفيدة”؛ التي تستحوذ على المناطق الاستراتيجية ويغلب على سكانها الطابع العلوي خصوصا مع حملات التهجير القسري. وما بعد التدخل الروسي وفي مطلع مارس 2016 تحدث سيرجي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي  بأن “روسيا لا ترى مانعا أمام إمكانية إنشاء جمهورية فدرالية، في حال توافقت الأطراف المشاركة في المفاوضات بشأن سوريا على ذلك”.
  • ما حدث ويحدث في سوريا ضمن تواطؤ دولي يحول التهجير القسري من جريمة حرب وإبادة إلى أداة سياسية مقبولة بحكم الأمر الواقع وتحت شعارات إنسانية زائفة بذريعة إنقاذ ما يمكن إنقاذه. تشريع وتقنين التهجير القسري وإشراف الأمم المتحدة على تنفيذه سيجعل من تكراره أمرا مقبولا ومألوفا. ومع كثرة ترداد الحديث عن يهودية الدولة العبرية من أوباما وغيره, ومن سنوات, وفرض نتنياهو الاعتراف الفلسطيني بذلك شرطًا للتفاوض معهم، أمر يثير التخوف والريبة من تهجير جديد للفلسطينيين ضمن إعادة تشكيل المنطقة جغرافيا وديموغرافيا.
  • التهجير وتمزيق الكتلة البشرية الأكثر تماسكا والتي تشكل العمود الفقري في المنطقة والتي تتقاطع مع المكونات الأخرى بالدين والقومية والمذهب – العرب السنة- سيؤدي لاستمرار هيمنة الدولة العبرية في المنطقة بل وتعزيزها بشكل ساحق ومطلق ولعقود. ولا يستبعد أن تستفيد إسرائيل من الصراعات العنيفة والحروب المدمرة مع الفراغ السكاني الناتج عن النزوح واللجوء الكبيرين في إقامة حلمها المنشود في إسرائيل الكبرى.
  • تدمير قطاع عريض وواسع من السوريين وتعريض إنسانيتهم لظروف قاسية واختبارات مريعة، وحرمان جيل كامل من التعليم, وتمزيق الأسر, وتحويل العمود الفقري للمنطقة؛ العرب السنة, إلى قضية إنسانية وإغاثية من الدرجة الأولى.
  • اهتزاز الاستقرار السياسي والاجتماعي في المنطقة وتحويلها إلى بؤر صراع داخلية متقدة ومتواصلة تفتح الباب على مصراعيه أمام التدخلات الأجنبية والحروب الداخلية والتي تحول بين المنطقة والتنمية والتقدم العلمي والتقني وتبقيها مختبرات تجارب وسوقا استهلاكية تستنزف مقدراتها الاقتصادية بشراء السلاح والحماية الخارجية ولو كانت وهما أو سرابا.
  • التأثير سلبا على شرعية الأنظمة السنية في المنطقة في عيون شعوبها والتي تلمس عجزها عن وقف جرائم الإبادة والحرب على السوريين ممن يتعرضون لعقوبات جماعية شديدة القسوة لمجرد انتماءاتهم المذهبية والقومية.
  • ازدياد تقبل وقبول الفكر المتطرف بين صفوف الشباب الذي يشعر بالعجز والمهانة، وكأننا نحاول إطفاء الحرائق بسكب الوقود والبنزين عليها مما يدخل المنطقة في دوامات مفتوحة من التيه والعنف وضياع البوصلة قد تمتد لعقود.
  • ازدياد التهديدات الإيرانية لدول المنطقة مع سقوط الساتر الغربي والشمالي وتحول العراق وسوريا لدول تابعة لإيران ومعادية للجوار.

مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …