الثورة تجتاح إثيوبيا.. وتكشف الوجه القبيح للنظام الحاكم

شهدت إثيوبيا خلال العام الجارى العشرات من المظاهرات والاحتجاجات ضد النظام الحاكم، تمت مواجهتها بالرصاص الحي، وراح ضحيتها العشرات، ويبدو أن جمر عشر سنوات من الاحتجاجات، التي وقعت بوتيرة متفاوتة ضد الحكومة الإثيوبية، بدأ يظهر من تحت الرماد، فقد أخذت حركة الاحتجاج التي بدأت في منطقة «أورومو» تمتد، حتى وصلت للمرة الأولى إلى العاصمة «أديس أبابا» التي تشهد موجة احتجاجات جديدة.

اندلعت الاضطرابات الإثيوبية منذ فترة، لكنها أصبحت بزخم أكبر في أوائل العام الحالي، ويطالب المحتجون حكومتهم بالكف عن خطط تخصيص الأراضي الزراعية المملوكة لهم لكبار المستثمرين، أو بالأحرى الكف عن اضطهاد وقمع ونهب القومية الأكبر «الأورومية»، من قبل الأقلية التي تسيطر على الحكم وهي «التيجراي»، فيما تزعم الحكومة الإثيوبية أن: «التحركات الأخيرة مخطط لإسقاط الحكومة الشرعية»، كما قال نائب رئيس الوزراء «دمقي مكونن».

ثورة الأورومو

تشهد منطقتا أوروميا وأمهرة الإثيوبيتان اضطرابات منذ عدة أشهر، والسبب الظاهر لهذه الاحتجاجات هو الاعتراض على خطط الحكومة، التي خصصت أراضٍ زراعية محيطة بالعاصمة الإقليمية لمشاريع تنمية، وهو ما يعني مصادرة مزيدٍ من الأراضي الزراعية الخصبة جدًّا المملوكة للأوروميين، وتهجير مزارعيهم.

منطقة أوروميا هي واحدة من الولايات الإثيوبية التسعة التي تحظى بحكم ذاتي، وحسب المنظمات الحقوقية، هي الأكثر تهميشًا واضطهادًا بشكل منهجي من قبل الحكومة الإثيوبية، وذلك رغم أنها القومية الأكبر بين القوميات العرقية في إثيوبيا؛ إذ تمثل حوالي 49.34% من عدد السكان، ويعيش أفرادها في الأقاليم الجنوبية الإثيوبية، كما ينتمي أبناؤها إلى الإسلام السني «المذهب الشافعي». تليها قومية «الأمهرة» التي تشكل نسبة 25%، ثمّ «التيجراي» الذين يشكلون 6%، ويسيطرون على السلطة من خلال الحزب السياسي الحاكم «TPLF». انطلقت الشرارة الأولى للاحتجاجات في 12 نوفمبر من عام 2014، وتحديدًا في بلدة «جينكي» الواقعة جنوب غرب العاصمة أديس أبابا، ولم تقف الاحتجاجات هناك، فقد امتدت إلى المدن الأورومية الكبرى.

وكما تقول ليسلي ليفكو مساعدة مدير منظمة «هيومن رايتس ووتش» لأفريقيا فإن: «قوات الأمن الإثيوبية أطلقت النار، وقتلت مئات الطلاب والمزارعين وغيرهم من المتظاهرين السلميين، بازدراء كامل لحياة البشر”.  وتحمل خطة التطوير العمراني، سببًا غير ظاهر يدركه المعارضون الإثيوبيون جيدًا، وهو مصادرة هذه الأراضي لتصبح جزءًا من إقليم التيجراي، الذي يقع شمال إثيوبيا، التابع لحزب الأقلية الحاكمة، وقد سبق أن انتزعت الحكومة أراضي سكان إقليم الأوروميا ووزعتها على كبار المستثمرين، تحت ذريعة التنمية.

اعتُبر ذلك، بمثابة خطوة جديدة من خطوات التمييز الحكومي، التي يقودها ساسة الحزب الحاكم. فأقلية التيجراي هي المسيطرة على البلاد، وأبناؤها هم أصحاب المناصب الرئيسية في الحكومة والجيش.

وأكد الباحث رينيه لوفور المختص في شؤون منطقة القرن الإفريقي، أنه: «منذ وصول النظام الحالي إلى الحكم في 1991، لم يعرف وضعًا بهذا السوء، فإثيوبيا باتت أشبه بطائرة دخلت منطقة اضطرابات بالغة». ويعتبر لوفور أن هذه الأزمة منهجية، لأنها تطرح تساؤلات حول أسس عمل الحكومة منذ 25 عامًا، وهي متسلطة ومركزية؛ فالفيدرالية في إثيوبيا أمر خادع، كما يقول.

احتجاجات لا تهدأ

دائمًا ما تشهد إثيوبيا احتجاجات عارمة لشعب الأورومو، احتجاجًا على أوضاعهم المأساوية، إلا أنه خلال الأيام القليلة الماضية ازدادت وتيرة المظاهرات، حيث بدأت الشهر الماضي في جينكي التي تقع على بعد نحو 50 ميلًا غرب العاصمة الإثيوبية، وسرعان ما توسعت لتصل لأكثر من 130 بلدة في أوروميا، بعد أن ظهرت صور بشعة للمتظاهرين الضحايا جراء عنف الشرطة الإثيوبية.

وقالت منظمة العفو الدولية: إن الحكومة قتلت ما ما يقارب من 400 إثيوبي خلال الاحتجاجات الأخيرة، واعتقلت المئات من عناصر المعارضة، المحتجين على قيام الحكومة باقتطاع مساحة كبيرة من الأراضي المملوكة لهم، من أجل تنفيذ خطة التوسعات المزمع إقامتها حول العاصمة، عن طريق تهجيرهم من أراضيهم، ولم تقتصر المظاهرات على إثيوبيا فقط، بل امتدت إلى الأورومو المقيمين في الدول الأوروبية.

إدانات دولية

كثيرًا ما تصدر الأمم المتحدة وهيئات المراقبة الدولية بيانات إدانة واستنكار لحملات القمع العنيفة، التي تقوم بها الحكومة ضد الحركات الاحتجاجية الخاصة بالأورومو.

ويرى المدير الإقليمي لمنظمة العفو الدولية بشرق إفريقيا والقرن الإفريقي موثوني وانيكي، أن بيانات إدانة “القمع” غير كافية إذ يجب إدانة عمليات القتل غير القانونية التي تقوم بها قوات الأمن.

تقرير دولي تلو الآخر، يؤكد أن السلطات الإثيوبية لا تكف عن ملاحقة وقمع المعارضة، وهي حكومة تقيد الحريات العامة، إذ اعتُبرت إثيوبيا ثاني أكثر بلد أفريقي قمعًا في مجال حرية الصحافة، كما تتدخل الحكومة بشكل غير قانوني في الشؤون الإسلامية، وتضيق على رجال الدين. وسياسيًّا يرى العديد من المراقبين، أنه لا يوجد بإثيوبيا تمثيل عادل في الحكم.

 ويشير تقرير منظمة «هيومن رايتس ووتش» الذي نشر في يونيو الماضي، إلى أن هناك ما لا يقل عن 20,000 سياسي أورومي، يقبعون في السجون الإثيوبية منذ مارس 2014، ويؤكد التقرير أن: «الحكومة الإثيوبية شنت حملة قمع وحشي ضد متظاهرين سلميين بشكلٍ عام».

وتصف الحكومة الإثيوبية منظمي الاحتجاجات بـ«الإرهابيين والمدفوعين من جهات خارجية»، وأرسلت إلى المناطق التي تشهدها الاضطرابات قوات مكافحة الإرهاب، بعد أن فشلت الشرطة في وقف الاحتجاجات.

وتعد القومية الأورومية أبرز القوميات الإثيوبية التي تعارض الحكومة، وهي من تكافح ضد ما تعتبره نظام حكم أقلية، يسيطر على قومية تشكل النسبة الأكبر بين الإثيوبيين ويقمعهم، ويقود هذا النضال المسلح «جبهة تحرير أورومو»، التي تأسست عام 1973، وهي من أبرز الحركات التي تقاتل ضد الحكومة الإثيوبية في الوقت الحالي، وتنشط في مناطق الحدود مع كينيا، حيث يكثر أبناء القومية، ويرأسها «داود أبسا أيانا»، ومقرها الرئيسي في العاصمة الإريترية أسمرة. إضافة إلى حركات أخرى كـ«حركة استقلال الأورومو»، و«الجبهة الإسلامية لتحرير أوروميا»، و«جبهة تحرير الأرومو».

 مصر تدعم المعارضة الإثيوبية

«القاهرة الآن هي أكثر البلدان الآمنة أمام الأوروميين الفارين من إثيوبيا، خصوصًا بعد أن تغيّرت سياسات السودان وتعاونها مع الحكومة الإثيوبية في تسليم المعارضين الإثيوبيّين»، هذا التصريح يعود إلى الناشط السياسي الإثيوبي المعارض «جالاما جولوما».

ولمصر تأثير على الجبهات الوطنية الإثيوبية، وخصوصًا «جبهة تحرير أرومو»، التي تحتفي بها القاهرة, كما يستضيف الإعلام المصري شخصيات المعارضة الإثيوبية، خاصةً من الأقلية الأورومية؛ تلك الشخصيات هاجمت الحكومة الإثيوبية إعلاميًّا من مصر، وهو ما دفع الحكومة الإثيوبية، إلى اتهام مصر بالعمل على زعزعة استقرار البلاد.

 وتظهر إحصائيات مفوضية الأمم المتحدة أن ما يقارب 6916 إثيوبيًّا، من طالبي اللجوء السياسي، سجلوا في سجلات المنظّمة بالقاهرة. غالبية هؤلاء هم من مجموعة الأورومو العرقية، الذين سجلوا أن سبب لجوئهم هو في الغالب، وضعهم في موطنهم الأصلي. مصر تؤكد أن استقبالها للمعارضين الإثيوبيين «يأتي وفق التزامات دولية وليس استغلالًا لأي من الصراعات الداخلية، بهدف إضعاف الدولة الإثيوبية»، فحسب رئيس المنظمة المصرية لدعم اللاجئين، أحمد بدوي فإن: «لمصر التزامات دولية بعدم ردّ أي من طالبي اللجوء، في ما لا يتعارض مع الأمن القومي، حتى من يعبرون بطرق غير شرعية».

ثلاثة سيناريوهات.. أقواها القتال المسلح لإسقاط النظام

تتفاقم الأوضاع في إثيوبيا، لتصل الاحتجاجات للمرة الأولى إلى العاصمة أديس أبابا، وترى المعارضة أن المظاهرات، هي نتيجة تراكمية لقمع الإثيوبيين، فاضطهاد الحكومة دفع الشعب لأول مرة، لعصيان مدني رفضًا للقمع، وفي بحثها عن مخرج للأحداث، رأت المعارضة أن تشكيل حكومة وفاق وطني، تمثل كافة القوى السياسية، بما فيها قوى المعارضة، دون استثناء من أجل تحقيق المصالحة الوطنية في البلاد، سيعمل على احتواء المظاهرات التي تندلع بين الوقت والآخر، كما قال رئيس «حزب منتدى الوحدة والديمقراطية الفيدرالية المعارض» بيني بطرس.

ويضع مركز «مقديشو للبحوث والدراسات» ثلاثة سيناريوهات،  أولها «عدول الحكومة الإثيوبية عن موقفها وخطتها، إزاء توسعة العاصمة، وإخلاء قرابة مليوني مزارع، من أفراد القومية الأرومية، أو على الأقل تأجليها»، ويرى المركز أن هذا السيناريو ضعيف جدًّا.

أما السيناريو الثاني الذي استعرضته ورقة العمل المعنونة بـ«إثيوبيا: احتجاجات أوروميا جس نبض أم تمرد حقيقي؟« يأتي باحتمال المزيد من القمع، إذ لا يتوقع أن يتراجع النظام الحاكم عن خطة التوسيع، مع الاستمرار في ممارسة المزيد من القمع لوقف الاحتجاجات، ودليل ذلك أن الحكومة فرضت مؤخرًا الأحكام العرفية، وتشن عمليات واسعة لملاحقة القيادات الشبابية ورموز المعارضة.

أما السيناريو الثالث والأخير، فيتوقع المركز تحول الاحتجاجات السلمية إلى عنف مسلح، و«هذا ما سوف يعطي فرصةً قويةً للمعارضة المسلحة من القوميات المختلفة، أن تترك جبالها وتشارك في قتال النظام الحكومي»، خاصةً أن المعارضة المسلحة أعلنت من مدينة أوسلو النرويجية، تشكيل تحالف يضم جبهة تحرير أورومو، والجبهة الوطنية لتحرير أوجادين، والحركة المتحدة لبني شنقول، وجبهة تحرير شعب صداما، وحركة تحرير شعب جامبيلا، تحت اسم «تحالف الشعب للحرية والديمقراطية»، ويهدف هذا التحالف لإسقاط النظام الحاكم في إثيوبيا، متعهدًا بالنضال السلمي والسياسي والعسكري، إلى أن يتم إسقاط النظام الحالي.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …