الداعية.. بين واجبات دعوته ومتطلبات أسرته

يخطئ كثير من الأزواج العاملين في حقل الدعوة، حين يتصورون أن العمل للدعوة هو الواجب الأوحد عليهم، وما عداه فهو هامش من عرَض الدنيا علينا أن نتركه ونطرحه جانباً!! هذا الفهم المعوج أوجد خللاً كبيراً في بيوت كثير من الدعاة، وأثر على الزوجات والأولاد، فلكم رأينا من بيوتٍ.. أربابها من كبار الدعاة، والأولاد فاشلون أو منحرفون..  أما الزوجة فإما أنها لم تتحمل وملت ـ وهذا حقها ـ فطلبت الطلاق، وإما أنها صبرت واحتسبت وغدت “مخنوقة” لا ترى لحياتها الأسرية أي معنى أو هدف.

الخلية الأولى

إن الأُسْرة هي الخلية الأولى، واللَّبِنَة الأساسية في بناء المجتمع الإسلامي الحق، فإنْ صلُحَتْ صَلُح جسد الأمة، وإن فَسَدتْ تمزّقت الأمة. لذا، فإننا عندما نبدأ الدعوة يجب أن نبدأ من الداخل للخارج، وليس العكس، فتماسك الأُسْرة وثباتها وقوتها سيعطي دَفعَتين قويتين لرب الأسرة «الداعية»:

أولاهما: أنه عندما يبدأ عمله الدعوي، ويتكلم وينصح، سيلقى هذا الكلام قبولاً، ويؤثر بدوره في قلوب مستمعيه، أمَّا أن يجلس ليتكلم في إصلاح الأسرة والمجتمع.. وبيته منهار أو موشك على الانهيار، فهذا مدعاة للعجب بل والنفور. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا ما لَا تَفْعَلُونَ}[الصف:2-3].

أما الدَّفعة الثانية، فهي أنها تمثل صورة دعوية لا تحتاج إلى كلمات، فالدعوة ليست فقط خُطبًا وندوات واجتماعات وشعارات، إنما دعوة النموذج والمثَال والقُدوة تكون أصدق كثيرًا وأسرع تأثيرًا، ولئن أضع للناس مثلاً يُحتذَى، أفضل من أن أظل أقرع أسماعهم بما يجب وما لا يجب.

الدعاة أطباء القلوب والأرواح

إن مما ابتلي به بعض المتصدرين للدعوة.. التساهل في أمر بيوتهم، وقد غفلوا عن أمر بالغ الأهمية وهو أنهم أطباء لقلوب الناس وأرواحهم, يشخصون لهم الداء ويصفون الدواء، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، حيث أنه كان راعياً بحق لأسرته وزوجاته، ولا نظن أن أحداً من الدعاة مشغول بالدعوة كما شُغل بها النبي العظيم صلى الله عليه وسلم. ولعلني لا أكون مخطئا إذا قلت: إن الدعوة واجب كفائي، في حين أن رعاية البيت وتنشئه الأسرة المسلمة واجب عيني، والعيني مقدم على الكفائي. ولعل الله تعالى يطرح البركة في الوقت إذا ما أخلص الداعي العمل لوجهه تعالى وأيقن أن الأقربين أولى بالمعروف. الداعية قدوةوالدعوة لا قيمة لها إن لم ترافقها القدوة, وهذا ما بينته سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وسير جميع العظماء من الخلفاء الراشدين والعلماء الأجلاء. وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خير الناس هو خيرهم لأهله. فكيف يسمع داعية هذا الحديث ثم يسئ لأهله!فترك الداعية أهله بالأيام دون أن يرى أبناءه، صورة من الإساءة البالغة لأهله ولزوجته التي ألقى على كاهلها وحدها همهم، وكذلك إساءة للأبناء أنفسهم الذين يعيشون وكأنهم يتامى، كل ذلك في سبيل ماذا؟ما أسهل الكلام، وما أيسر الندوات، وما أصعب وأعظم أن يكون الإنسان كرسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم القدوة الواضحة ثم يتلوها بكلام موجز مختصر في أسلوب رقيق رقراق.وليست هذه المشكلة مقتصرة على البيت فقط، بل إنها تشمل كافة أوجه الحياة. فكثيراً ما نجد المتدين هو الأخير في الجامعة، وهو الذي يزوغ من العمل، وقد تجده ضعيفاً لا يمارس الرياضة، ويمشي متماوتاً بطيئاً، وليس هذا من الإسلام في شيء: “يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين” (القصص) “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف…”.وهذا المتدين تديناً ظاهرياً الذي لم يكن قدوة في كافة أوجه حياته، ولم يحرص على أن يكون كذلك، يحكم على الدعوة بالفشل الذريع، بل إنه يقوم – دون أن يدري – بدعوة ضد هذا الدين؛ لأن الإسلام دين عملي تطبيقي لا تنظيري. وهذا الشخص يثبت عند الناس المقولة الشيطانية بأن هذا الدين نظري لا يصلح للتطبيق. الدعوة الأُسرية

إنَّ الدعوةَ الأُسَرية من أعظم مسالك الدعوة، ويخطئ الكثيرون ممن يتحدثون عن الدعوة الأُسَرية ويفسرونها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقط.. بالقطع هما حَجَرَا أساسٍ، لكن الكيفية والطريقة تسبقهما في الأهمية. فقبل أن ندعو يجب أن نُمَهِّد الطريق لدعوتنا، ولكي تسمع الزوجة ويعي الأبناء يجب أن تكونَ قد اقتربتَ منهم بالدرجة الكافية التي تجعلهم يحبونك، ويثقون بك، ويعرفون أن كل كلمة تخرج من فَمِك في حبٍّ لهم ورغبة في رفعتهم في الدنيا والآخرة .. علينا جميعا أن نحمل لواء تربية البيت، موقنين أنه لا يقل شأناً عن تربية الآخرين، وأولادنا أولى بالدعوة والمعروف من أولاد العالم كله.

 

نداء إلى أختي الداعية

وعلى الأخت الداعية أن تعمل على راحة زوجها راحةً تامةً، وكل أخت تعلم ما يريحه حتى يعينها على الدعوة، أما الأولاد فتقوم بتغذيتهم تغذيةً فكريةً مع التغذية الجسدية ليفهموا أهمية الدعوة وقيمة خروجها، وتشكرهم أمام الآخرين على أنهم من الأسباب الرئيسة لخروجها، بل تجعلهم يشاركونها في الدروس ويجهزون لها المراجع، وهكذا نربي دعاة دون أن يشعروا، وإن فعلت ذلك تستطيع أن تعلم تمام العلم أين الأولويات، وينير الله عز وجل لها الطريق.

والداعية الحقة لا تهمل علاقاتها العائلية على الإطلاق بل تحرص عليها وتعمقها، أما التي تنشغل عن الأهل بالدعوة فلن تجنيَ إلا القليل، والداعية التي لا يشغلها إلا رضا الله تستطيع أن تقوم بذلك كله، ويبارك الله في الوقت، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرعى تسعة بيوتٍ، وهو القائد الحربي العسكري ورئيس الدولة وحبيب الناس وجليسهم، فاستطاع أن يفعل ذلك كله وهو لنا القدوة.

 

الطريق من هنا

1- حاول – أخي الداعية – إقناع إخوانك الدعاة الذين تعمل معهم بأهمية جعل بيوت الدعاة وزوجاتهم وأولادهم محورًا ذا أهمية خاصة من محاور العمل الدعوي الذي تتعرضون له، بمعنى أن يكون نُصْب أعيُنكم وأنتم تخططون وتعدون أعمالكم الدعوية أن يكون للبيت والزوجة والأولاد نصيب من تلك الأعمال، على أن تُتَابَع وتُقيَّم من وقتٍ لآخر، وتُزَال العقبات وتُحَل المشكلات أولاً بأول.

2- حاول أن تجمع أكثر من عمل دعوي في يوم واحد، وأن تضغط أنشطتك الدعوية في أيام محددة من الأسبوع، بحيث يتبقى لك ولبيتك وأهلك أيام أُخَر.

3- لا تتحرّج من الاعتذار عن عملٍ أو نشاط دعوي تشعر أنه سيُحمّلك فوق طاقتك، أو تتوقع أنك ستهدر –  من أجل القيام به – واجبًا آخر أو تضيع حقّا من الحقوق الأخرى. فلا يسعدنا أبدًا، ولا يرضي صاحب الدعوة عز وجل أن نهدم واجبًا لنبني على أنقاضه آخر، والقاعدة الأصولية تقول بأن «دفع المفسدة مُقدَّم على جلب المصلحة».

4- اجعل لبيتك وأهلك يومًا في الأسبوع، لا ترتبط فيه بأية ارتباطات خارجية مهما حدث، وأسقِطْه من حساباتك تمامًا وأنت تُسَكِّن أعمالك الدعوية على وقتك، فلا تقترب منه مطلقًا. ولتعمل في هذا اليوم على أن تشيع في البيت جو الود والمرح والسرور، وتقضي مصالح الزوجة والأولاد، وتجلس معهم جلسة يظللها الود والحب، تقرءون فيها مقتطفات من العلوم النافعة، وتُعطَى فيها لكل أفراد الأسرة الفرصة ليعبر عن كل ما يجول بخاطره ويحب أن يطرحه ويناقشه، وتتخلل تلك الجلسة المسابقات والحكايات الطريفة. وستكون تلك الجلسة بمثابة الزاد الذي يعين كل فرد من أفراد الأسرة على واجباته، وفي نفس الوقت ستمثل عاملاً قويّا من عوامل الربط والاندماج بينك وبين أهلك.

5- التقليل قدر المستطاع من الجلسات والاجتماعات والأوقات الطويلة التي تُنفَق في مناقشات وحوارات لا طائل من ورائها، ومحاولة تحديد جدول أعمال لكل اجتماع تعقدونه لا ينبغي الزيادة عليه، وبحيث يكون له موعد بدء وموعد انتهاء، ويكون لكل فقرة من فقراته وقتها المحدد، مع احترام تلك المواعيد، حفاظًا على أوقاتكم من أن تُهدَر فيما لا يفيد، وبيوتكم في أمس الحاجة إلى تلك الأوقات.

وتستطيع أخي الداعية أن تجعل زوجتك وأولادك يتفهمون مسئولياتك، ويغفرون لك انشغالك عنهم، بل ويقدمون إليك العون والسند، بدلاً من الشكوى والتذمر، ولكن بعد أن تقدّم لهم ما يؤهلهم لذلك ويعينهم عليه، من رعاية واهتمام وحُسْن تربية وتوجيه، وإدراك لأهمية الدعوة إلى الله عز وجل وشرف القيام بها، وضرورة أن يكون لكل مسلم قِسط ونصيب من أعمالها، كل ذلك في ظل الحب والود والتعاون، لا المفاصلة والتعارض.

شاهد أيضاً

هيئات إسلامية: خطة ترامب تصفية للقضية الفلسطينية

أصدر عدد من المؤسسات والهيئات العلمية والدعوية، إلى جانب عشرات العلماء من مختلف الدول العربية …