الرابحون في اليمن من الأزمة الخليجية .. و«الإصلاح» الخاسر الأكبر

كان من الطبيعي أن تبرز أزمة يمنية جديدة كرد فعل لأزمة حصار قطر، وجاء إعلان الحكومة اليمنية الخاضعة للرياض قطع علاقاتها مع قطر في ذات يوم الخامس من يونيو 2017، دليلا على تبعية القرار السياسي اليمني للرياض، بل اتهمت اليمن قطر بدعم الحوثيين والمجموعات المتطرفة التي تتخذ من اليمن مقرًا لها، وقد استُبعدت القوات المسلحة القطرية من التحالف الذي تقوده السعودية.

وقد اعتقلت السلطات اليمنية في محافظة حضرموت، شرقي البلاد، كلا من الشيخ أحمد علي أحمد برعود، والشيخ عبدالله محمد علي اليزيدي، المدرجين بقائمة الإرهاب المزعومة التي أعدتها دول الحصار على قطر، مع 3 مؤسسات هي مؤسسة «البلاغ» الخيرية، وجمعيتا «الإحسان» و«الرحمة».

ويشغل اليزيدي منصب رئيس جمعية «الإحسان» الخيرية، كما شارك في عام 2016، في إطلاق مشاريع في حضرموت برعاية مؤسسة «عيد» الخيرية القطرية.

أما «برعود»، فكان مديرا لمؤسسة «الرحمة» الخيرية، كما كان ناشطا وداعما لأعمال جمعية «عيد» الخيرية باليمن.

وجاء قرار الاعتقال بعد ساعات من إعلان السعودية والإمارات والبحرين ومصر تصنيف 9 كيانات و9 أفراد ضمن قائمة جديدة للإرهاب، وإضافتها إلى قوائم الإرهاب المحظورة لديها.

الكيانات التسعة منها 3 يمنية هي «مؤسسة البلاغ الخيرية»، و«جمعية الإحسان الخيرية»، و«مؤسسة الرحمة الخيرية», إضافة إلى 6 كيانات ليبية هي «مجلس شورى ثوار بنغازي»، و«مركز السرايا للإعلام»، و«وكالة بشرى الإخبارية»، و«كتيبة راف الله السحاتي»، و«قناة النبأ»، و«مؤسسة التناصح للدعوة والثقافة والإعلام».

والأشخاص التسعة المضافون لقوائم الإرهاب 3 قطريين و3 يمنيين وليبيان وكويتي.

وهذه القائمة هي الثانية التي تصدرها الدول الأربع، حيث أصدرت في 8 يونيو الماضي، قائمة ضمت 59 كيانا وفردا من قطر ودول عربية أخرى، في حين أعلنت «الأمم المتحدة» رفضها لتصنيف مؤسسات خيرية قطرية كيانات إرهابية.

قطر واليمن

ويختلف موقف قطر في الأزمة الحالية عن دورها الهام سابقًا في اليمن، وقد لعبت قطر دورًا رئيسيًا في الوساطة بين الحكومة اليمنية والحوثيين في عامي 2007 و2008، واستضافت محادثات وقف إطلاق النار في الدوحة، وتقدمت لتمويل إعادة إعمار محافظة صعدة آنذاك. وفي حين رحب الكثيرون بالمحادثات في المجتمع الدولي، لم تحظ قطر بثقة الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح.

وقد وصلت التوترات بين «صالح» وقطر إلى ذروتها عام 2011، عندما أيدت قطر بشكلٍ صريح الثورة اليمنية، ووفرت منصة إعلامية للعديد من المعارضين الرئيسيين لحكومة صالح.

ومع ذلك، في أعقاب أزمة الخليج عام 2014، عندما سحبت البحرين والسعودية والإمارات سفراءها من قطر احتجاجًا على العديد من السياسات نفسها التي عجلت بالأزمة الحالية، وبعد إطلاق عاصفة الحزم، بهدف استعادة الحكم من الحوثيين في اليمن، تراجعت قطر إلى حدٍ كبير ودخلت في التحالف الخليجي في اليمن, ونشرت قواتها للعمل في الائتلاف، وأصيب ستة من جنودها في القتال على الحدود اليمنية السعودية.

وفي نفس الوقت نفسه تقريبًا الذي اندلعت فيه الأزمة الأخيرة، كانت قطر تستضيف المؤتمرات الإنسانية المدعومة من الائتلاف، وتقدم الدعم لأعمال التحالف في وسائل الإعلام التابعة لها، كما قدمت مساعدات سخية لليمن قبل عام 2011 ومنذ ذلك الحين.

 

المقاطعة والإصلاح

وعلى الرغم من هذا الدعم، سرعان ما أعلنت الحكومة اليمنية، التي تتخذ من الرياض مقرًا لها، مقاطعتها لقطر، تماشيًا مع قرار دول الحصار الأربعة، على الرغم من أنّ الحكومة القطرية كانت حتى وقتٍ قريب تدفع رواتب وزارة الخارجية اليمنية.

وتحول المسؤولون الموالون للرئيس اليمني «عبد ربه منصور هادي»، بين عشيةٍ وضحاها، لإدانة قناة ” الجزيرة” كوسيلة للدعاية الإرهابية, بعد أن كانوا ضيوفًا متكررين على القناة.

ومن الطبيعي أن يؤثر ذلك على حزب “الإصلاح”، الذي عبر علنًا في الأعوام الماضية عن توجهاته الخارجية، وقد شهدت تظاهراته في اليمن رفع لافتات تندد بالانقلاب على الرئيس المصري محمد مرسي، ولافتات تشكر قطر، لكنّ الحزب الآن أضعف من أي وقتٍ مضى، في الوقت الذي تشتد فيه قبضة الحوثيين على العاصمة، والانفصاليين في الجنوب.

ومما لا يثير الدهشة، أنّ الأزمة جاءت نعمةً لخصوم الإصلاح والإخوان في اليمن، أي «صالح» وأنصاره الذين أيدوا صراحةً تحرك دول الحصار لعزل قطر، مما يعكس عداءهم تجاه قطر لدعمها الانتفاضة اليمنية عام 2011. وفي تجمعٍ بعدن بعد بدء الأزمة مباشرةً، أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي له علاقات وثيقة مع الإمارات، أنّ جماعة الإخوان المسلمين منظمةً إرهابية، وهي خطوة تتماشى مع القمع المتزايد لأنشطة الإصلاح في الجنوب.

إلا أنّ “الإصلاح” لم يكن الطرف الوحيد المتضرر، فقد أضافت دول الحصار الأمين العام لحزب اتحاد الرشاد السلفي، «عبد الوهاب الحميقاني»، إلى قائمة الإرهاب، ولم تكن هذه الخطوة صادمة تمامًا، فهو مدرج سابقًا في قائمة وزارة الخزانة الأمريكية للإرهاب، لكنّ الأمر كان محرجًا بشكلٍ لا يمكن إنكاره، بسبب تواجده المتكرر في الرياض، وموقعه الحالي كمستشار لـ«هادي».

وقد ساعدت هذه القرارات على تسليط الضوء على الانقسامات بين القوات المناهضة للحوثيين، لاسيما التوترات التي طال أمدها بين حزب الإصلاح والإمارات، والتي تصاعدت لتصبح حربًا كلامية مفتوحة، وهو ما انعكس في زيادة التقارير عن حالات احتجاز خارج نطاق القضاء والتعذيب على يد القوات الموالية للإمارات في جنوب اليمن.

وفي حين أنّ قضية قطر قد تظهر على أنّها قضية خارجية، فقد كان لها بالفعل تأثير كبير على الديناميكيات السياسية الداخلية لليمن، وقد يستمر ذلك مع استمرار الأزمة الخليجية وقد أدى غرق اليمن في الحرب الأهلية إلى زيادة قابليتها لعدم الاستقرار الناجم عن التحولات الجيوسياسية الإقليمية.

بل إنّ هذا الضعف أكثر تعقيدًا من أزمة الخليج الحالية، مما قد يؤدي إلى تعقيد أي جهود سلامٍ، الأمر الذي يترك اليمن في خطر أن يكون ساحة معركة للمصالح الإقليمية لأعوامٍ قادمة.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …