السعودية .. تخلق الأزمات وتصدرها

فارق كبير بين دول لا يملك أفرادها حقوق المواطنة الحقة, وتحكمهم سلطة مطلقة يمكن أن تتخذ قرارات مصيرية دون شورى وى استشارة, ودول فيها ضمانات دستورية تُلجم نزوات الحكام وتضمن حقوق المواطنين.

وتزداد مأسآة الصنف الأول إذا يسيطر على الدولة تيار مغامر، أو صعد للسلطة من له تشوف للزعامة ولو دون أن يملك مقوماتها, أو كانت تدفعه طموحات العظمة، أو الرغبة في الانتقام من الآخرين ممن يمكن أن يصارعونه على السلطة أو حتى توهمات من هذا القبيل.

في هذه الحالة تصبح الدولة كائنا مدمرا للذات وللمجتمع، مصنعة للعنف.

ومع صعود وتنامي دور محمد بن سلمان؛ منذ تقلد منصب ولي العهد في السعودية، في يونيو الماضي، أصبحت السعودية من الدول المصدرة الخالقة للأزمات والمصدرة لها مما يطرح العديد من الأسئلة لدى مراقبي شؤون المملكة؛ هل بن سلمان إصلاحي يسعى لتحديث مملكته؟ أم هو مثبّت لنظام أشد قمعًا؟ أم هو من هذا النوع من الحكام الذين يؤدي صعودهم للسلطة إلى زعزعة استقرار بلاده وما جاورها؟

استطاع بن سلمان البالغ من العمر 31 عاما، الاستحواذ على قوة عظمى داخل المملكة، وهيمن على القوة العسكرية والسياسة الاقتصادية والتوجهات الخارجية، كما يعد مهندس المستنقع الدموي للحرب اليمنية، وهو محور أساسي في الصدع الحالي الذي أصاب الصف الخليجي من خلال أزمة حصار قطر.

ولا يتمتع والده، الملك سلمان، البالغ 81 عاما، بصحة جيدة، فهو يمشي بعصا ويعاني من فقدان التركيز في الاجتماعات، ومن خلال تمكين ابنه السابع، كأصغر وريث في التاريخ السعودي، فقد كسر «العاهل المريض» عقودا من التقاليد.

وإذا كانت الأشهر القليلة الأولى دليلا على ما هو آت، فإن بشائر المستقبل ليست جيدة، وعلى وجه الخصوص بعدما شنت السلطات السعودية حملة ضد المعارضة، واستهدفت المفكرين الإسلاميين، والنقاد من العامة، والمنافسين السياسيين، وتم احتجاز العشرات من علماء الدين البارزين لعدم إعلانهما تأييدا علنيا لموقف ولي العهد تجاه قطر.

كما تم منع صحفيين من الكتابة، في حين تعرض ناشطون في مجال حقوق الإنسان لعقوبات بالسجن لمدة 8 أعوام بسبب حملات سلمية، وأيا كان العنوان، فإن هذا التعصب ضد المعارضة يكاد يشي بـ«جنون العظمة».

وإذا كان هناك وقت يجب على المجتمع السعودي أن يناقش فيه كيفية المضي قدما، فربما بات بات أكثر إلحاحا الآن، في ظل رؤية ولي العهد 2030، فإن تهوره وافتقاره للحكمة قد يحول تلك الرؤية إلى سراب, على الرغم من ترحيب أكثر من 3500 مستثمر دولي ومصرفي ومدير شركة بإغراءات الاستثمار في مشروع مدينة «نيوم»، وهي مدينة أعمال تستند إلى التكنولوجيا الفائقة, سيتم بناؤها على قطعة أرض قاحلة على طول خليج العقبة، ويتم تصويرها على أنها ستكون ملجأ لوظائف ذوي الياقات البيضاء العاملين في مجالات التكنولوجيا الحيوية والطاقة البديلة والخدمات الرقمية.

وللمساعدة في تسهيل العمل وجذب رأس المال، سيتم إعفاؤها من اللوائح السعودية، ومن المرجح توفير السفر إليها بدون تأشيرة، وغيرها من الحوافز.

ومع مرور الوقت، ستعتمد بشكل أكبر على الروبوتات، وفقا للمواد الترويجية.

وللإشارة إلى الاتجاه الجديد، تم منح روبوت مؤنث، اسمه «صوفيا»، الجنسية السعودية وقد أثار ذلك سخرية السعوديين فيما أُعجب آخرون بذلك.

لن يولد الوظائف

ستيفن هيرتوج؛ الأستاذ المساعد في كلية لندن للاقتصاد، ومؤلف كتاب عن البيروقراطية السعودية قال: إن مشروع نيوم «لن يساعد في حد ذاته في المشاكل التي ستواجهها المملكة خلال الأعوام الـ 5 أو الـ 10 المقبلة».

وكان سجل المملكة من المشاريع الكبرى مختلطا، وقد نجحت في إنشاء مناطق خاصة عززت الصناعات الثقيلة، لكن خططا أخرى، مثل شبكة من المدن الاقتصادية ومنطقة مالية في الرياض، لم تحقق أهدافها.

ويقول البعض إن هناك اختلافا الآن، وهو وجود الأمير محمد، الذي يتمتع بدعم سلطة الدولة المركزية، وهو ما قد يساعد في دفع المشاريع إلى الأمام.

وفي هذا الأسبوع، أنجزت شركة بلاكستون استثمارا حكوميا بقيمة 20 مليار دولار أمريكي في صندوق البنية التحتية الأمريكي المخطط له، بالشراكة مع صندوق الاستثمار العام السعودي.

وقد رفض ستيفن شوارزمان، المقيم منذ فترة طويلة في المملكة والرئيس التنفيذي للشركة، التعليق على ما إذا كانت بلاكستون سوف تستثمر في المشروعات الضخمة في المملكة.

محفظة متنوعة

وتضم “نيوم” عددا من الاستثمارات ذات الاتجاهين، حيث افتتحت «سوفت بنك»؛ الشركة اليابانية العملاقة في مجال التقنية، مؤخرا صندوقا استثماريا، وهو صندوق «سوفت بنك فيجن»، بمساهمة بقيمة 45 مليار دولار من السعودية.

وينظر الصندوق في شراء حصة في الشركة السعودية للكهرباء، وقد أعلن عن خطط لمساعدة الشركة على تطوير الاستفادة من الطاقة الشمسية العام المقبل.

وستحصل شركات المساحات، التابعة لـ«برانسون»، على ما لا يقل عن مليار دولار من المملكة، وقال في مقابلة في الرياض إنه «يفكر في بناء فندق أو فندقين في المدن الجديدة».

وقال كيريل ديمترييف، الرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار المباشر الروسي، إن الصندوق سيضع المليارات لجلب الشركات الروسية المتطورة إلى “نيوم”.

وقد استقبلت بلاده استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار عام 2015 من المملكة. وقال ديمترييف: «نحن مندهشون جدا، ونشعر بالذهول من الطاقة التي نراها في المملكة، والرغبة في الحصول على الشركاء المناسبين، ونحن نعلم أن العديد من شركات التكنولوجيا الكبرى هنا، على استعداد للاستثمار في هذا المشروع».

وقال «أرييل إيمانويل»، مؤسس وكالة «إنديفور»، وهي شركة قابضة مقرها في بيفرلي هيلز، كاليفورنيا، وتعمل في الرياضة والتلفزيون والأزياء وغيرها من مجالات الترفيه: إنه اندهش من الحياة الحيوانية خلال زيارته للجزر السعودية، بما في ذلك السلاحف البحرية التي كانت تضع البيض، وقال إنه يفكر في الاستثمار هناك.

وقال إن «إحدى المزايا التي يتجاهلها الكثيرون الادعاء بأن السعودية ليست مفتوحة، وهي ليست مفتوحة على الإطلاق منذ عام 1979، وهذا يجعل هذه الأماكن بكرا، لم يمسها أحد».

وأضاف: «أريد أن أساعد بنصيحتي حول كيفية تطويرها، حتى يتمكن الناس في غضون 50 عاما من زيارتها ورؤيتها بنفس الصورة، بكرا وجميلة»، على حد تعبير موقع نيويورك تايمز.

رجل ولي العهد السعودي

 

وقد قفز مؤخرا على المشهد السعودي رجل يدعى «بدر محمد العساكر»، وهو رئيس المؤسسة الخيرية التابعة لولي العهد في باريس، رغم وجود بعض التباعد بين فرنسا والسعودية منذ وصول الرئيس إيمانويل ماكرون إلى السلطة.

ووفقا لمصادر دورية “إنتليجنس أون لاين” الاستخباراتية الفرنسية فإن «العساكر» التقى ماكرون، رغم أن الاجتماع لم يكن مسجلا ضمن الأجندة الرسمية للرئيس.

وتشير الدورية إلى أنه على الرغم من أن «العساكر» ليس عضوا رسميا في الحكومة السعودية، لكنه يلعب دورا رئيسيا كذراع يمنى لولي العهد، بوصفه الأمين العام لمؤسسة محمد بن سلمان الخيرية، «مسك».

ونما تأثير المؤسسة بشكل كبير في الآونة الأخيرة. وفي سبتمبر الماضي، التزمت المؤسسة بتمويل أنشطة برنامج الأغذية العالمي، كما نظمت معرضا للفن السعودي افتتح مؤخرا في اليونسكو.

ذراع للنفوذ

ويوظف بن سلمان المؤسسة كذراع لتحقيق النفوذ في الداخل والخارج. وعقدت «مسك» شراكات مع مؤسسات وكيانات أمريكية مثل مجموعة بوسطن الاستشارية وجامعة هارفارد.

وفي فبراير الماضي، أقامت «مسك» شراكة مع جوجل لتطوير برامج للتدريب المهني في السعودية.

كما تخطط «مسك» وبلومبيرج لتدريب الصحفيين السعوديين، في حين أن لوكهيد مارتن و«مسك» قاما معا بتمويل كلية للأعمال في الرياض.

وتقوم شركة جنرال إلكتريك أيضا بتطوير مشاريع مع «مسك» وفي مايو الماضي، تبرعت «مسك» المال لصندوق استثماري لرائدات الأعمال تدعمه «إيفانكا ترامب».

وترتبط «مسك» أيضا بشراكة مع شركة سيمنز الألمانية منذ العام الماضي وأطلقا مسابقة هاكثون وعددًا من البرامج الأخرى، كما ترتبط بشراكة مع كلية إنسياد للأعمال في فرنسا.

ويشغل «بدر العساكر» منصب الأمين العام للمؤسسة وهو أيضا رئيس ديوان ولي العهد، وهو خريج جامعة الملك سعود بالرياض، وهو المسؤول عن تنظيم أجندة بن سلمان وتخصيص الوقت لعمله السياسي، واستثماراته الشخصية، وأنشطته الترفيهية، وفقا للدورية الفرنسية.

ويشارك «العساكر»، الذي يشغل أيضا عضوية مجلس إدارة غرفة التجارة السعودية، منصب نائب المدير التنفيذي لمؤسسة العساكر، وهي الشركة العائلية التي يرأسها شقيقه عبدالمجيد عساكر. وتقدم الشركة، التي أسسها والد «العساكر» في عام 1980، خدمات التمثيل التجاري لبعض المجموعات الأجنبية في السعودية.

 

 

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …