السعودية تستغل أحداث الأقصى لفتح قنوات اتصال مع تل أبيب

كشفت أحداث أولى القبلتين، وثاني مسجد وُضع على الأرض بعد بيت الله الحرام، الأقصى الأسير, أن الدول التي كانت تدعي أنها بوابة الممانعة يوما ما, قد تحولت إلى قاطرة للتطبيع.

وبالتوازي مع المحاولات الأخيرة بمحاصرة الأقصى من قبل الصهاينة وإغلاق بواباته ومنع جموع المسلمين من أداء شعائرهم ومناسكهم، والتي كانت بالون اختبار لمدى حيوية المرابطين وجاهزيتهم للذود عن حرماته فحسب، كانت هناك محاولة رخيصة من قبل عرب وصهاينة لإبراز مدى قوة ومتانة العلاقة بين الكيان الصهيوني وبعض الدول التي رغب الكيان في إبراز مدى كفاءة قيادتها المصنعة في دواليب “تل أبيب” ومزارع “عيال زايد”.

صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، قالت إن إعلان الديوان الملكي السعودي، عن نجاح جهوده في حل أزمة الأقصى، يكشف طبيعة الاتصالات بين المملكة وإسرائيل. ونقلت الصحيفة، عن مُحلل الشؤون العربيّة «تسفي بارئيل»، قوله إن البيان الرسميّ الذي أكّد أنّ هذه الاتصالات أثمرت في حلّ المشكلة في المسجد الأقصى، يتحدّث عمليا عن الاتصالات التي أجراها وليّ العهد محمد بن سلمان، وليس والده، بحسب ما نقلت صحيفة «رأي اليوم».

وأوضح نقلا عن مصادر سياسيّة وُصفها بأنّها رفيعة المُستوى في تل أبيب، أنّه من غير المُستبعد أبدًا أنّ يكون قسم من هذه الاتصالات قد جرى بين الديوان الملكيّ السعوديّ وديوان رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو.

ولفت إلى أنّ ولي العهد السعوديّ، تربطه علاقات وطيدة مع صنّاع القرار في تل أبيب، على حدّ تعبيره.

اتصالات

وكان البيان الذي صدر عن الديوان الملكي السعودي جاء فيه إن الملك سلمان بن عبد العزيز، “أجرى خلال الأيام الماضية الاتصالات اللازمة بالعديد من زعماء دول العالم، لإلغاء القيود المفروضة على الدخول للمسجد الاقصى، تكللت بالنجاح، وبالشكل الذي يُسهم ـ إن شاء الله ـ في إعادة الاستقرار والطمأنينة للمصلين، والحفاظ على كرامتهم وأمنهم”.

كما سارع سعود القحطاني، المستشار بالديوان الملكي السعودي، ولجانه الإلكترونية لاستغلال الحدث في تلميع صورة المملكة بعد ما أصابها بسبب حصار قطر وتفريق شمل العائلات في شهر رمضان.

وشهدت الأيام الأخيرة، انطلاق دعوات غير مسبوقة للتطبيع مع إسرائيل، رغم أن التصريح بهذا الأمر علناً كان من قبيل «التابوهات» المحرمة، قبل وصول ولي العهد محمد بن سلمان، إلى رأس السلطة.

تهيئة إعلامية

واعتبر المراقبون أن تداول الإعلام السعودي لتدخل الملك سلمان لحل أزمة الأقصى، ربما يدل على أن مكانة السعودية لدى الاحتلال باتت أكبر من تلك التي كانت مخصصة للأردن، وفق اتفاقية وادي عربة التي نصت على الاعتراف بمكانة مميزة للأردن في الحرم القدسي.

وأوضحت تقارير أن المملكة تجر حاليا قاطرة التطبيع بشكل متسارع، كما أن الإمارات والبحرين ينسجان علاقات سرية مع تل أبيب، كما أشارت تسريبات عدة وصحف إسرائيلية.

ووفق كثير من المحللين، تأتي تلك الموجه الإعلامية السعودية تجاه إسرائيل ضمن خطة محمد بن سلمان، لتهيئة الشارع السعودي لأي اتفاق محتمل مع إسرائيل.

وعلى الرغم من أن علماء السعودية مُنعوا من التغريد عن الأقصى استمرارا لتعهدهم بعدم التغريد, تحت تهديدات الديوان الملكي, على خلفية الأزمة الخليجية وتعيين بن سلمان وليا للعهد، فقد غرد الدكتور عائض القرني ممتدحًا تدخل سلمان لإعادة فتح الأقصى، قائلا: «الملك سلمان يفتح أبواب الأقصى.. اللهم أيده بالحق، وانصر به الملة، ووفقه لنصرة الإسلام والمسلمين».

ورأى مراقبون أن تغريدة «القرني» جاءت في سياق التدليل على وجود حملة منظمة لاستغلال الموضوع في تلميع صورة النظام السعودي.

كما أن نشر موقع «إيلاف» لتلك المعلومات عن مصادر وصفها بالمطلعة، يعتبر جزءا من التمهيد الشعبي والإعلامي لما يسمى بـ«صفقة القرن» للتطبيع مع الاحتلال، والإقرار بشروطه.

تطبيع مرتقب

ويتزامن ذلك مع زخم متصاعد بشكل غير مسبوق في العلاقات السعودية الإسرائيلية منذ زيارة الرئيس الأمريكي ترامب للمملكة مايو الماضي، والتي بلغت ذروتها بدعوات صدرت عن وزراء إسرائيليين، قبل أيام، للملك سلمان إلى إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، ودعوة  نتنياهو لزيارة السعودية، وإرسال ولي العهد محمد بن سلمان إلى إسرائيل.

كما تزامن ذلك مع توقيع رئيس سلطة الانقلاب العسكري في مصر؛ عبد الفتاح السيسي، اتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، التي انتقلت بموجبها السيادة على جزيرتي «تيران وصنافير» إلى المملكة، وبالتالي أصبح مضيق «تيران» ممراً مائياً دولياً وليس مصرياً، كما انتقلت كافة الإجراءات والترتيبات الأمنية التي كانت تقع على عاتق الجانب المصري في اتفاقية «كامب ديفيد» إلى الجانب السعودي، ما يعني ضرورة وجود اتصالات وعلاقات سياسية وعسكرية بين إسرائيل والسعودية.

وكانت صحيفة «وول ستريت جورنال» قد نشرت قبل شهرين، أن دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات، بلورت اقتراحاً يقول إنها ستوافق على القيام بخطوات تطبيع للعلاقات مع إسرائيل حال قيام حكومة نتنياهو بخطوات من قبلها إزاء الفلسطينيين، كتجميد البناء بشكل جزئي في المستوطنات وتخفيف القيود المفروضة على التجارة مع قطاع غزة.

ويعتمد التقرير على تفاصيل من الوثيقة التي تمت صياغتها بين ممثلي دول عربية عدة، ويشير إلى أن السعودية والإمارات اطلعتا الإدارة الأمريكية وإسرائيل على الاقتراح الذي يشمل خطوات مثل تأسيس خطوط اتصال مباشر بين إسرائيل وبعض الدول العربية، والسماح لشركات الطيران الإسرائيلية بالتحليق في أجواء دول الخليج، ورفع القيود المفروضة على التجارة مع إسرائيل.

الجديد في الأمر، أيضاً، هو انخراط إعلاميين سعوديين، خلال الأيام القليلة الماضية، في عملية التطبيع مع إسرائيل بلا ثمن من زاوية أن السعودية ليس لديها أي خلاف ثنائي مع إسرائيل يمنعها من إقامة علاقات طبيعية، وأن الخلاف الأهم مع إيران، فضلا عن ظهور باحث سعودي علنا على شاشة التليفزيون الإسرائيلي، على الهواء مباشرة من المملكة.

أنور عشقي  .. عاشق التطبيع  

وتوقع عاشق التطبيع مع الكيان الاسرائيلي؛ اللواء السعودي المتقاعد أنور عشقي, أن العالم الإسلامي سيطبّع مع إسرائيل إذا طبّعت السعودية، مشيرا إلى أن المملكة ستنسج علاقة مع إسرائيل إذا وافقت الأخيرة على المبادرة العربية. 

وفي مقابلة مع فضائية «دويتشه فيله»، الألمانية، قال عشقي؛ رئيس مركز «الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والقانونية» في جدة، إن تطبيع العلاقات مع إسرائيل رهن بموافقتها على المبادرة العربية، لافتا إلى أن السعودية بعد تسلمها جزيرتي «تيران وصنافير» عقب إقرار البرلمان المصري لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية، ستتعامل مع اتفاقية «كامب ديفيد» التي لم تعد اتفاقية مصرية إسرائيلية.

 

والمبادرة العربية، أطلقها ولي العهد السعودي عبد الله بن عبد العزيز، في العام 2002، وتقضي بإنشاء دولة فلسطينية معترف بها دوليًا على حدود 1967، وعودة اللاجئين وانسحاب الاحتلال من هضبة الجولان المحتلة، مقابل اعتراف وتطبيع العلاقات بين الدول العربية مع إسرائيل.

وحول اتفاقية الجزيرتين مع مصر قال عشقي: «لم يكن الهدف من استرداد الجزيرتين إقامة علاقة بين المملكة وإسرائيل، وإنما كان الهدف ترسيم الحدود مع مصر، وعندما رسمت الحدود أصبحت الجزيرتان داخل حدود المملكة، وهذا سيفضي إلى التعامل مع معاهدة «كامب ديفيد».

وأضاف: «المعاهدة لم تعد مصرية إسرائيلية، وإنما صارت دولية، فمصر والسعودية ستشتركان في السيطرة على الممر الذي تمر منه السفن الإسرائيلية والأردنية وغيرها من السفن التي تمر للبلدين».

يشار إلى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، طرح مبادرة تختلف قليلا عن المبادرة العربية، وتدرس الآن في الولايات المتحدة، قبل النظر فيها.

وبحسب اللواء السعودي السابق: «إذا وافق الأخوة الفلسطينيون على مبادرة نتنياهو فأنا على يقين بأن المملكة لن تعترض على ذلك».

ورأى أن الفوارق بين المبادرتين، هي أن (إسرائيل) تجيز أن يكون هناك دولة فلسطينية على أن تكون على اتحاد كونفدرالي، وبضمان من الأردن ومن مصر.

أما الاختلاف الثاني، بحسب «عشقي» فهو أن يترك أمر القدس إلى النهاية.

وأشار «عشقي»، إلى أن أهم الأوراق التي تملكها المملكة هي التطبيع مع إسرائيل، لضمان إعطاء الفلسطينيين حقوقهم.

وقال: «كما تبين لنا في مؤتمر القمة الإسلامي الأمريكي الأخير، فإن موقف المملكة دليل للدول الإسلامية، فإذا طبعت المملكة مع (إسرائيل)، سوف تطبع الدول الإسلامية كلها مع تل أبيب، وستكون قد كسرت العزلة بينها وبين دول المنطقة».

موقف الشارع السعودي

وردا على سؤال حول موقف المجتمع السعودي، قال إن «المجتمع الآن لو نظرنا إلى تغريدات وتعليقات أبنائه، نجد أنهم يقولون إن (إسرائيل) لم يسجل منها عدوان واحد على المملكة»!.

ويأتي رأي «عشقي»، رغم تفوق “وسم” بعنوان «سعوديون ضد التطبيع»، على اللجان الإلكترونية التي روجت للتطبيع على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر».

وتحول الوسم إلى انتفاضة سعودية شعبية، ضد ما أسموه «حملات التطبيع» التي روج لها بعض الحسابات المنسوبة للجان الإلكترونية، وبررت الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مواقع في قطاع غزة، ودعت إلى التطبيع رسمياً مع تل أبيب.

ووصف المغردون، التطبيع بأنه «خيانة صريحة، تستدعي الوقوف عندها، وكشف أخطارها».

مواجهة إيران

وحول ما إذا كان التقارب السعودي، مرده وجود العدو الإيراني المشترك بين الطرفين، قال: «هذا ليس اتفاقاً وإنما ظرف. فالظروف هي التي حكمت بذلك. العداء لإيران له زاويتان: زاوية إسرائيلية وزاوية سعودية. والزاوية السعودية تختلف عن الزاوية الإسرائيلية».

وأضاف: «عداء (إسرائيل) لإيران هو أن إيران تريد أن تنهي (تل أبيب) من الوجود، لكنها مع السعودية تريد إزعاجها والإخلال بأمنها، والمملكة لا أقول بأنها مستعدة أن تتحالف مع الشيطان لحماية نفسها، لكن طالما أن المملكة تستطيع أن تحمي نفسها فليس من الداعي أن تتحالف مع أي إنسان أو شيطان».

وردا على سؤال عما إذا كانت السعودية تبحث عن طرف عسكري أقوى من إيران للتحالف معه كإسرائيل, قال عشقي: في الحقيقة إن الأقوى من إسرائيل هي الولايات المتحدة, لهذا تتحالف معها المملكة.

ومعروف عن «عشقي» تحركاته المثيرة للجدل حيث ظهر في العديد من اللقاءات مع مسؤولين إسرائيلين، ووسائل إعلام إسرائيلية، كما زار  الكيان المحتل.

وفي سياق متصل، كشف أن دولة عربية (لم يسمها)، تقوم بإدخال إموال إلى مدينة القدس المحتلة لشراء عقارات لصالح جمعيات يهودية، مشيرا إلى أن تلك المعلومات واردة من أهل القدس.

كما لوحظ في الفترة الأخيرة، تقارب اقتصادي غير رسمي بين الرياض وتل أبيب؛ حيث زار رجال أعمال ومسؤولون سعوديون سابقون إسرائيل، والتقطت عدسات الكاميرات مصافحات بين مسؤولين إسرائيليين وأمراء سعوديين؛ وهو أمر غير مسبوق.

ودعمت (إسرائيل) الحصار الحالي الذي تفرضه السعودية والإمارات على قطر، كما دعت الدوحةَ مرارا وتكرارا إلى عدم استضافة الشخصيات الفلسطينية البارزة، وهو الأمر الذي باتت تشاركها فيها الرياض وأبوظبي.

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …