صفقة القرن تعنى إلغاء كافة المرجعيات القانونية التى تؤسس لشرعية وجود إسرائيل ولذلك كان من أهم طلبات ترامب من السلطة هو إلغاء كل قرارات الأمم المتحدة التى تتأسس عليها فكرة حل الدولتين. وبالفعل فإن الصفقة تؤدى إلى دولتين دولة عملاقة وهى إسرائيل ودولة شكلية لاحدود لها ولاسيادة وحرمان اللاجئين من العودة بل والمطالبة بتعويضات لليهود العرب النازحين الي إسرائيل . والدولة اللسطينية الموهومة عبارة عن كيان مؤقت لحين ضمها الي اسرائيل هي مجرد جيوب متفرقة تشبه معازل الأفارقة فى جنوب إفريقيا. كذلك فإن هذه الصفقة تؤدى إلى تعطيل كافة قرارات الأمم المتحدة لحين الضغط على السلطة وإجبار الدول العربية الأخرى على التخلى عنها.
فى هذه المقالة سنعالج نقطتين: الأولى هى المرجعيات التى تقوم عليها إسرائيل والثانى تعطيل الصفقة للقرارات الدولية مما يشى بأن هذه الصفقة لم يشارك فيها الفلسطينيون وإنما هو تصور أمريكى – إسرائيلى يستند أساساً إلى السلام البيولوجى أو الاقتصادى وليس السلام السياسى، وهو يؤدى إلى طمس فلسطين والفلسطينيين من الخريطة وتمدد إسرائيل على كل فلسطين.
أولا: الصفقة وإلغاء شرعية إسرائيل:
تعيد الصفقة الحالة إلى ما قبل تقسيم فلسطين وبذلك فهى تلغي المرجعيات الآتيةوتبطلها من طرف واحد:
1- قرار التقسيم: والثابت أن نية إسرائيل فى ضم كل فلسطين كانت واضحة تماما فى الخطاب الصهيونى ولذلك أعلنت إسرائيل أن قرار التقسيم ليس شهادة ميلادها واعتبرت أن للقرار دلالة واحدة وهى أن المجتمع الدولى بهذا القرار يعترف بأن اليهود كانوا فى فلسطين وأكد أبا أيبان ممثل الوكالة اليهودية فى ذلك الوقت بأنه لايهم ما حصل عليه اليهود من الأرض لأن اليهود سوف يستردون أرضهم من الغاصبين الفلسطينيين. ولكن هذا القرار لم تعترف به إسرائيل بعد ذلك وإنما ظلت تلح على العرب لقبوله بالمفهوم الذى قدمته إسرائيل للقرار وهو أن فلسطين كلها لليهود وأن ما فعلته إسرائيل فى الفلسطينيين هو عقاب لهم على اغتصابهم فلسطين اليهودية وصدقت إسرائيل نفسها فصارت تداهن الفلسطينيين والمجتمع الدولى بشعار زائف هو السلام الإسرائيلى حتى صفقة القرن التي أسماها ترامب ونتانياهو خطة السلام فى الشرق الأوسط. وقد اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بالقرار فى دورة الجزائر للمجلس التشريعى عام 1988 فولد ذلك موجة جديدة من الانقسام والصراع الفلسطينى وكانت المنظمة تأمل بهذا الاعتراف أن تتحدث لغة الدبلوماسية الدولية المنافقة.
2- قرار قبول إسرائيل عضوا فى الأمم المتحدة فى التاسع من مايو 1949 هذا القرار الذى قبلت الأمم المتحدة فيه عضوية إسرائيل مشروط بثلاثة شروط لم تحقق إسرائيل شرطا واحدا منها بل أن إسرائيل بهذه الصفقة تكون قد فقدت شروط العضوية فى الأمم المتحدة فى المادة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة ويترتب على ذلك بطلان عضوية إسرائيل فى الأمم المتحدة.
3- بطلان اتفاق اوسلو الذى ألزمت به إسرائيل السلطة الفلسطينية بأن تكون حارسا لها من خلال التعاون الأمنى ضد المقاومة دون أن تحترم إسرائيل أيا من أحكام أوسلو التى تنص على مفاوضات الوضع النهائى على خمسة قضايا من بينها القدس ولكن إسرائيل تقرر ما تشاء من جانب واحد دون النظر من أى قيد دولى بل أن إسرائيل أنشأت مؤسساتها لكى تحقق اغتصاب فلسطين ولذلك يجب على الدول العربية والإسلامية أن تسقط أى تمثيل برلمانى أو قضائى لإسرائيل فى المنظمات الدولية بسبب التزام هذه المؤسسات والأجهزة بسياسة الحكومة الصهيونية الملتزمة باغتصاب فلسطين وعلى أساس أن الكينست الإسرائيلى يتشكل من نواب يساندون هذا المخطط وأن بقاءهم فى إسرائيل مرهون بهذا الدعم وأن رئاسة الوزراء تؤول الي من يثبت أنه أكثر فتكا ودمارا بالفلسطينيين.
4- بطلان الاعتراف بإسرائيل فقد اعترفت الدول بها على أساس أنها دولة مستقلة تحب السلام وتحترم ميثاق الأمم المتحدة وقد أثبتت إسرائيل أنها فى جانب والمجتمع الدولى فى جانب آخر ولذلك يجب على دول العالم أن تسحب اعترافها من إسرائيل وأن تسحب بعثاتها منها على أساس أن الاعتراف كان بإسرائيل الأخرى وأن الدول لا يجب أن تسكت على تحول إسرائيل إلى كيان غاصب يهدد السلام والعدل وينتهك قرارات الأمم المتحدة وميثاقها لأن إسرائيل في صفقة القرن كيان عنصري فاقد لمفهوم الدولة في القانون الدولي.
5- بطلان اتفاقات السلام بين إسرائيل من ناحية ومصر والأردن واعلان مبادىء أوسلو مع الفلسطينيين من ناحية أخرى فقد اعترفت مصر بإسرائيل حتى دون أن يكون لها حدود معترف بها وكان اعتراف مصر بإسرائيل هو السبب الاساسى فى دفع المشروع الصهيونى إلى نهايته ولذلك فإن أكبر ضربة لطموح إسرائيل وتوحشها وردها إلى الطريق الذى رسمته الدبلوماسية الدولية هو سحب الاعتراف بإسرائيل من جانب مصر والاردن ومنظمة التحرير.
6- بطلان وثيقة الاعتراف المتبادل المزعومة. حاول أبو مازن وهو يتحدث إلى وزراء الخارجية العرب فى القاهرة يوم الأول من فبراير 2020 أن يبرر أوسلو ووثيقة عرفات التى سميت زورا الاعتراف المتبادل كما حاول ذلك في كلمته يوم 11 فبراير 2020 أمام مجلس الأمن والغريب أنه تمسك بأوسلو رغم بطلانها بمجرد إعلان الصفقة.والحق أن هذه الوثيقة كانت ضمن محطات المشروع الصهيونى كما كانت أوسلو أيضا رغم تظاهر البعض في اسرائيل بأن أوسلو كانت كارثة علي إسرائيل disaster علما بأن بيريز أشاد بها في مذكراته. وكان عرفات يأمل أن مرونته يمكن أن تشجع إسرائيل على التعاون لتسوية معقوله ولكنى واثق أن عرفات كان مدركا منذ البداية للغرض النهائى للمشروع الصهيونى ولكنه تعامل مع بيئته ومحيطه دون أن يتنبه إلى أن هذا التعاون كان أحد مشجعات إسرائيل على المضى قدما وانتهى الأمر بقتله وأبو مازن يدرك هذه النهاية ولذلك أبدى مرونة كافية وترك الباب مفتوحا ولم يكن حادا اتجاه إسرائيل كما أنه تراجع وتمسك بأوسلو.
ووثيقة الاعتراف المتبادل هذه تنص على اعتراف الفلسطينيين بدولة إسرائيل دون تحديد لحدودها أى كما تريد إسرائيل فهو توقيع على بياض للمشروع الصهيونى أما المقابل الذى قدمته إسرائيل فكان مجرد الاعتراف من جانبها بأن منظمة التحرير الفلسطينية هى الممثل أو الوكيل عن الشعب الفلسطينى والغريب أن أبا مازن أحتفل كثيرا فى كلمته فى الجامعة العربية بإعتراف إسرائيل بالشعب الفلسطينى عام 1993 وكأن اعتراف إسرائيل قد خلق الشعب الفلسطينى من عدم وأغفل أن الجمعية العامة للأمم المتحدة كانت قد أصدرت قرارا بالاعتراف بأن الفلسطينيين شعب عام 1969. والغريب أن إسرائيل كان لديها خطة متكاملة للاستيلاء على فلسطين وانها كانت تكشف عن مراحل هذه الخطة فتلهى الفلسطينيون والعرب بهذه الجزئيات ونسوا أن يضموها إلى خطة متكاملة مما يعنى أن العرب ليس لديهم عقل مركزى مثل إسرائيل وأن الدكتاتورية العربية هى السبب فى ازدهار المشروع الصهيونى .
7- بطلان اتفاق كامب ديفيد وصفقة السلام مع إسرائيل
موافقة مصر الخجلي على صفقة القرن لا يعنى فى القانون أن صفقة القرن أبطلت كل الاتفاقيات التى ابرمتها مصر مع إسرائيل وأن الموافقة على صفقة القرن يعنى أحد أمرين أما التناقض فى المواقف والاثار القانونية وإما أن السادات كان متعمدا بأن تكون كامب دافيد محطة أساسية لصفقة القرن فلم يعد مجديا التخفى وراء الشعارات والكلمات لأن تمكين إسرائيل من فلسطين هو تهديد وجودى لمصر قبل غيرها لأن المشروع الصهيونى قام أساسا لضرب مصر .
صفقة القرن أذاً تعيد الوضع فى فلسطين إلى ما قبل قرارتقسيم فلسطين
ثانياً: انتهاك المرجعيات القانونية للحقوق الفلسطينية
1- حق العودة فى قرار الجمعية العامة رقم 194 فى عام 1948 .
2- حقوق الاقلية الفلسطينية حيث ألزم قرار قبول إسرائيل عضوا فى الأمم المتحدة إسرائيل بأن تصدر دستورا تحترم فيه حقوق هذه الاقلية ومعنى صفقة القرن أن تطرد إسرائيل عرب 1948 كما أن قرار التقسيم انتهكته إسرائيل أيضا وهو أساس الشرعية القانونية لإسرائيل المخالف للشرعية الدولية العامة فى ميثاق الأمم المتحدة.
3- انتهاك كافة أحكام القانون الدولى الخاصة بالاحتلال الحربى والاستيطان وضم الأراضى وكذلك جرائم الاحتلال فى فلسطين .
4- عدم حل المشكلة الفلسطينية أدى إلى تفاقم مشكلة اللاجئين والاعتراف بحق العودة وانشاء منظمة الانروا للعناية باللاجئين حتي تتم التسوية وضمنها عودة اللاجئين الي وطنهم وديارهم، وأن صفقة القرن تسلم فلسطين لإسرائيل وتقضى على حقوق اللاجئين وتنهى عمل الانروا وتلغى حق العودة وكلها حقوق ناتجة عن الجريمة الأولى وهى اغتصاب إسرائيل لأراضى الفلسطينيين . كما أن الصفقة تنتهك قرارات وكالات الأمم المتحدة المتخصصة بشأن الفلسطينيين وأراضى فلسطين وباختصار فأن الصفقة هى قمة الدعوة إلى اهدار سلطة القانون الدولى وفتح الباب للفوضى فى العلاقات الدولية.
5- أن صفقة القرن تنهى الجامعة العربية وتؤكد على احلال الشرق الأوسط الجديد محل العالم العربى كما تسقط كافة المبادرات الهادفة إلى تسوية القضية بما فى ذلك المبادرة العربية للسلام ولذلك كانت دعوة أبو مازن لاعادة السير فى طريق حل الدولتين هو فتح الباب للعمل خارج الصفقة وبديلا لها وهى محاولة فلسطينية للافلات من تبعات الصفقة المدمرة .
6- صفقة القرن تعنى وضع اللمسات الأخيرة على ابادة العرق الفلسطينى وأن الموافقة عليها هى مشاركة فى الجريمة ومساعدة على احلال الصهيونية محل العروبة .
7- الصفقة هى لطمة لقرار محكمة العدل الدولية ضد الجدار العازل وقرارات الأمم المتحدة ضد الاستيطان واعتراف بأن واشنطن وإسرائيل تصنعان نظاما دوليا جديدا بقواعد جديدة ولذلك استشعرت روسيا هذا البعد فى الصفقة ورفضتها على أساس واحد وهو أن واشنطن لا تملك الانفراد بالقرار فى فلسطين ويدخل ذلك في الصراع الروسي الأمريكي.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات