كنا قد كتبنا في مايو الماضي بمناسبة فشل الجولة 14 من مفاوضات سد النهضة بين الدول الثلاث مصر والسودان وإثيوبيا ، وخلصنا إلى عدم جدوى استمرار الطرف المصري بها لا سيما مع استمرار التعنت الإثيوبي، وتصاعد الخلافات بين القاهرة والخرطوم، وما تردد عن طلب الأخيرة تسوية أزمة حلايب وشلاتين لقاء توسطها لدى أديس أبابا بخصوص السد.
ويبدو أن الطرف المصري توصل إلى هذه النتيجة؛ أي فشل المفاوضات, بعد طول انتظار؛ مدة ستة أشهر، وثلاث جولات إضافية، وإتمام إثيوبيا 60 % من السد بحسب وزير الري المصري محمد عبد العاطي الذي أعلن من قلب القاهرة فشل الجولة 17 بسبب ما وصفه بتعنت الجانبين السوداني والإثيوبي بشأن التقرير الاستهلالي للمكتبين الفرنسيين رغم أن إثيوبيا هي التي اختارت أحدهما، وعمدت على استبعاد المكتب الهولندي الذي رشحته مصر. ولعل خطورة هذا الفشل أنه لا يرتبط بهذه الجولة كسوابقها، ولكن بمستقبل عملية التفاوض، وكيف يمكن درء الأضرار التي يمكن أن تنجم عن بناء سد بهذا الحجم؛ 174 مترا ويحتجز 74 مليار متر مكعب من الماء, في حالة توقف هذه المفاوضات.
وهنا يبرز السؤال: كيف توصلنا لهذه النتيجة؟
هناك عدة مؤشرات يمكن رصدها في هذا الشأن تشير ليس فقط إلى التعنت الإثيوبي، وإنما سعيها لعدم حصول مصر على استحقاقات مصرية واضحة من ناحية، أو إلزام نفسها بالتزامات تمس سيادتها أو تدفعها لتقديم تنازلات مجانية.
لقد استغلت إثيوبيا حالة عدم الاستقرار في مصر بعد انقلاب يوليو 2013، لمواصلة عملية بناء السد، والتعنت في تنفيذ مقررات اللجنة الدولية للخبراء التي أصدرت تقريرها أواخر عهد الرئيس محمد مرسي، وطالبت حينها بإجراء ثلاث دراسات توضيحية؛
الأولى تتعلق بمعرفة الآثار المائية التي قد تصيب دولتي المصب؛ مصر والسودان، جرّاء بناء السد.
والثانية تناقش الآثار البيئية والاجتماعية والاقتصادية المترتبة على ذلك،
وأصرت إثيوبيا على استبعاد الدراسة الثالثة الخاصة بسلامة السد وحجمه وسعته التخزينية, وهو ما يفسر قيامها بعد ذلك بزيادة حجم بحيرته من 14 مليار متر مكعب إلى 74 مليار متر مكعب رغم عدم الحاجة لكل هذه المساحة التخزينية لتوليد الكهرباء.
وعندما وصل السيسي للسلطة واتفق مع رئيس الوزراء الإثيوبي ديسالين على هامش القمة الأفريقية في يوليو 2014 على ضرورة تشكيل اللجنة الفنية المنوط بها تكليف مكاتب استشارية بتنفيذ الدراسات التي طلبتها اللجنة الدولية، حرصت إثيوبيا في أول اجتماع ثلاثي على رفض الطلب المصري بتدويل اللجنة على غرار لجنة الخبراء، حيث كانت مصر تخشى في حينها من أن يحدث تواطؤ ضدها، ومع ذلك انصاعت للطلب الإثيوبي بأن تكون اللجنة وطنية. ثم رفضت طلبا مصريا آخر بوقف أعمال بناء السد لحين اكتمال الدراسات، وبعدها بشهرين, في أكتوبر 2014 أعلن وزير الري الإثيوبي عدم إلزامية النتائج الخاصة بدراستي هذين المكتبين، حيث أفاد بأن هذه الدراسات، وإن كانت تحظى بالاحترام (RESPECTED) إلا أنها لا تعني وقف بناء السد. وهو ما أيده أيضا وزير الري السوداني في حديثه للتليفزيون المصري، حيث قال إن رأي المكتب الاستشاري ليس ملزما، وليس حكما قضائيا. واضطر المفاوض المصري للموافقة عليه، ثم جاء إعلان المبادئ الذي وقعته الدول الثلاث في الخرطوم في مارس 2015 ليؤكد هذا الأمر حيث أشار في البند الخامس الخاص بالتعاون في عملية الملء الأول وإدارة السد إلى احترام ” وليس الالتزام” بالمخرجات النهائية للتقرير الختامي للجنة الوطنية حول الدراسات الموصي بها في التقرير النهائي للجنة الدولية.
هذا النص يفسر لنا عدة أمور منها أسباب استمرار الرفض الإثيوبي والسوداني الأخير للتقرير الاستهلالي “الأولي” لهذين المكتبين رغم بحثه منذ مايو الماضي, أي منذ ستة أشهر، ورغم انتهاء المدة الرسيمة لإنجازه في أغسطس الماضي. والثاني أسباب حرص إثيوبيا على عدم مشاركة مصر في موضوع ملء السد للمرة الأولى، وكذلك إدارته باعتبارهما من أعمال السيادة. صحيح أنها ملتزمة ببند التعاون كما جاء في إعلان المبادئ، لكنها تفسره وفق مفهومها، حيث يقتصر على قيامها بإطلاع المصريين بما تريده، كما حدث في زيارة وزير الري المصري الأخيرة للسد.
وبالتالي يبقى التساؤل عن خيارات مصر بعد فشل المفاوضات؟
لقد نص اتفاق مبادئ الخرطوم في بنده العاشر على أن تقوم الدول الثلاث بتسوية منازعاتها الناشئة عن تفسير أو تطبيق هذا الاتفاق بالتوافق من خلال المشاورات أو التفاوض وفقاً لمبدأ حسن النوايا، وإذا لم تنجح في حل الخلاف من خلال المشاورات أو المفاوضات، فيمكن لها مجتمعة طلب التوفيق، الوساطة أو إحالة الأمر لعناية رؤساء الدول/رئيس الحكومة.
ومعنى هذا وفي ظل فشل المفاوضات الفنية، فإن الأمر الآن في ملعب السيسي لتسوية هذه المسائل وغيرها، لكن علاقاته بكلا البلدين تشهد توترا ملحوظا في الآونة الأخيرة، مقابل توطيد العلاقات بينهما بصورة لافتة. ومن ثم قد تكون هناك صعوبة في المفاوضات المباشرة، وبالتالي يمكن أن يبحث السيسي عن وسيط للتدخل. وهنا السؤال هل ممكن أن يكون هذا الوسيط هو إسرائيل صاحبة العلاقات الوطيدة مع أديس أبابا، أم السعودية والإمارات رغم توتر علاقتيهما بالسودان على خلفية أزمة حصار قطر؟ وفي حالة الفشل ماذا سيفعل السيسي لاسيما في حال فشل التسوية السياسية ورفض إثيوبيا التسوية القانونية؟، ناهيك عن ضعف فاعلية وسائل الضغط المحدودة التي يمتلكها في مواجهتهما لا سيما بعد اكتشاف أمر دعمه للمعارضة في الحالة الإثيوبية، ولدولة جنوب السودان في حالة السودان؟ أم سيكون البديل الأسهل البحث عن مصادر مياه بديلة، أو حتى الطلب من الشعب المصري الكادح تقليل الاستهلاك عبر رفع الدعم الكلي عن المياه؟
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات