مع اقتراب موعد الانتخابات المحلية المقررة في النصف الثاني من الشهر الجاري، وتصاعد حمى الترشيحات، سواء بالنسبة للطامحين بتولّي مسؤوليات تسيير الشأن المحلي، أو بالنسبة للأحزاب التي تسعى إلى تقديم مرشحين ينالون ثقة الشعب ويساعدونها على توسيع قاعدتها الشعبية، غاب الشباب الجامعي عن لوائح المرشحين مقارنة بالذين يحملون مستوى تعليمي أدنى.
وتعرف مقاطعة النخب الشابة للعمل السياسي توسعاً مضطرداً، ظاهرة ترجمتها أرقام رسمية قدمتها وزارة الداخلية والجماعات المحلية، بعد تسَلُمها ملفات المرشحين، وتشير هذه الأرقام إلى أنه من أصل 16 ألفاً و600 مرشح لانتخابات مجالس الولايات، 34 في المئة فقط يحملون شهادات جامعية مقابل 52 في المئة لم يدخلوا الجامعة، و13 في المئة لم يتجاوزوا الابتدائية، أي ما يعادل نحو ألفي مرشح في وقت يمكن للفائزين في انتخابات مجالس المحافظات، أن يشغلوا مناصب نواب في مجلس الأمة.
أما فيما يخص المرشحين للمجالس البلدية، وهم الأكثر أهمية بالنسبة للمواطنين بحكم موقعهم في تسيير الشأن العام المحلي ويكونون على اتصال يومي مع المواطن لحل مشاكله والاستماع لانشغالاته، فإن 25 من المئة منهم فقط يحملون شهادات جامعية و59 في المئة ذوو مستوى ثانوي وأساسي و16 من المئة ابتدائي، وهو ما يمثل أكثر من 16 ألف مرشح.
هذه الأرقام التي تكشف عدم اهتمام الشباب الجامعي في الانخراط في العمل السياسي وتحمل مسؤولية تسيير الشأن العام، يبررها على أرض الواقع عدد من الأسباب الموضوعية، بعضها متعلق بالثقة المفقودة بين المتعلمين والمؤسسات الحزبية التي فشلت في كسب ثقتهم، لما تمارسه قياداتها من تسلط وإهمال لاستمالة النخب، إضافة إلى سمعة الإدارة العامة التي طالما كانت محل اتهام وانتقاد الشارع.
في السياق، يرى المحلل السياسي ايدير دحماني أن ظاهرة عزوف الجامعيين يعود إلى «فقدان الثقة في الإدارة العمومية التي يعتبرها الجامعي فاسدة ورديئة، وفقدان الثقة في الغالبية الساحقة من الأحزاب السياسية التي تتشارك مع الإدارة سيئاتها»، مضيفاً بأن هذه الأحزاب «متواطئة في الرشوة وعدم امتلاكها برامج سياسية واقتصادية».
وهناك قراءات أخرى في مقاطعة الجامعيين للانتخابات سواء عن طريق الترشح أو النضال ضمن تشكيلات سياسية معينة. ويقول الكاتب الصحافي والمهتم بشؤون الجماعات المحلية علي ياحي، إن «نظرة المواطن وانتقاده للسلطات المحلية والصفات السلبية التي التصقت برئيس البلدية أبعدت الناس المتعلمين عن هذه الأوساط».
ويتطرق المتحدث إلى إشكال الصلاحيات التي يتمتع بها المنتخب المحلي في ممارسة مسؤولياته، فـ «الصلاحيات المحدودة التي مُنحت لرئيس البلدية والتي حولت مهامه إلى المصادقة على الوثائق وإزالة النفايات، جعلت أصحاب الشهادات الجامعية لا يولون الاهتمام بالمنصب، خاصة في ظل الممارسات الحاصلة داخل الأحزاب لتحديد قوائم المرشحين ورؤوسها، والمبنية على المحسوبية والمال بعيداً من الكفاءة».
ويُحمّل ياحي الطبقة السياسية «مسؤولية استمرار الحالة التي جعلت البلدية لا تقوم بهامها في التنمية المحلية، على اعتبار أن رئيس البلدية الذي لا يمتلك مستوى تعليمياً لا يمكنه القيام بمهامه في تسيير مؤسسة تحتاج إلى عدة مؤهلات».
ويحتدم النقاش حالياً حول ضرورة إعادة النظر في القانون الخاص بالانتخابات والمتعلق بحرية الترشح، وضرورة ربطه بالمستوى التعليمي، بهدف جعل مناصب تسيير الشأن العام بين أيدي الكفاءات العلمية، مع إعادة النظر في مسألة الصلاحيات الممنوحة للمنتخب المحلي.
وفي سياق القراءات المقدمة لظاهرة تراجع اهتمام الشباب الجامعي بالترشح والحياة السياسية عامةً، يرى الكاتب الصحافي عاطف الغزواني أن هذا يمكن تفسيره «بطبيعة الظاهرة الحزبية منذ نحو عقدين والتي أفرزت تسلق ظاهرة الشعبوية المرتبطة بالمصلحة والتزكية المطلقة للحاكم، مع تشجيع النظم الحاكمة لهذا السلوك السياسي».
ويضيف «ذلك دفع إلى اختفاء النخب المثقفة عن الصف السياسي والتحول إلى مراقب عام، قبل أن تتوسع إلى النخب الشابة التي تنفر بشكل عام من الأحزاب ومن تحول العمل السياسي الحزبي إلى أمر معيب بالنسبة إليها».
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات