قالت منظمة العفو الدولية، في تقرير جديد إن قمع حرية التعبير في عهد قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي “وصل إلى مستويات مروعة، لم يشهد لها مثيل في تاريخ مصر الحديث”.
وبيّن التقرير الذي حمل عنوان “مصر، سجن مفتوح للمنتقدين” أن مئات المصريين من الناشطين السياسيين، والصحفيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، وأعضاء المعارضة، والفنانين، ومشجعي كرة القدم، محتجزون حالياً في السجون بسبب “تجرؤهم على رفع صوتهم وانتقاد الحكومة والنظام”.
واعتبرت المنظمة أن الأوضاع في مصر ساءت عمّا كانت عليه في عهد الرئيس المصري الأسبق المخلوع محمد حسني مبارك الذي تظاهر ملايين المصريين ضد حكمه في يناير 2011.
وبحسب التقرير، قامت قوات أمن الانقلاب العسكري، في الأشهر العشرة الماضية، بعمليات اعتقال واحتجاز بشكل تعسفي لما لا يقل عن 111 شخصاً، “لمجرد التعبير السلمي عن آرائهم بانتقاد السلطات، أو الدعوة أو المشاركة في التظاهرات أو التجمعات السياسية”.
وأضافت أن 70 منهم، على الأقل، لا يزالون قيد الاحتجاز، ويواجهون تهماً قد تتسبب بصدور أحكام بالسجن ضدهم، قد تصل إلى 15 عاماً.
وذكرت المنظمة الدولية التي تتخذ من لندن مقراً لها في تقريرها، ثمانية أسباب تُظهر أن مصر تحوّلت إلى “سجن مفتوح” في عهد الانقلاب العسكري، وأن المصريين الذين يعيشون تحت حكمه “يُعامَلون كمجرمين لمجرد تعبيرهم عن آرائهم بصورة سلمية”.
1ـ الإعلام تحت الحصار
وتقول العفو الدولية إنه خلال الأشهر العشرة الماضية، كانت حملة القمع ضد وسائل الإعلام الأكثر قسوة، مضيفة أنه منذ بداية ديسمبر 2017 وحده، احتجزت السلطات ما لا يقل عن 28 صحفياً.
وتفيد المنظمة بأن معظم هؤلاء الصحفيين يعملون في وسائل إعلامية عبر الإنترنت، أو عملوا مع وسائل الإعلام الموجودة في الخارج، أو أجروا مقابلات مع قادة المعارضة، وتتهمهم السلطات المصرية بجرائم تتعلق بالإرهاب، والانتماء إلى جماعة محظورة، إلى جانب نشر معلومات كاذبة.
وداهمت قوات أمن الانقلاب العسكري مكتب موقع مصر العربية الإخباري، وأغلقت موقعه، واعتقلت عادل صبري بسبب تغطية موقع “مصر العربية” الناقدة لحالة حقوق الإنسان والوضع السياسي في مصر.
وأمرت النيابة بحبسه بتهم “الانتماء إلى جماعة إرهابية”، و”نشر معلومات كاذبة بغرض الإضرار بالأمن القومي”، على ذمة القضية 441 لسنة 2018. ولا يزال عادل صبري رهن الحبس الاحتياطي.
كما استهدف قطاع الأمن الوطني التابع لوزارة الداخلية العاملين في مجال الإعلام الذين ساهموا في إنتاج أفلام تسجيلية عن أوضاع حقوق الإنسان في مصر.
وفي 16 فبراير، اعتقلت قوات أمن الانقلاب العسكري الصحفي معتز ودنان لإجرائه مقابلة مع هشام جنينة، الرئيس الأسبق للجهاز المركزي للمحاسبات، حول قضية مكافحة الفساد في مصر.
وتقول المنظمة إن قطاع الأمن الوطني يستهدف أيضاً الصحفيين المؤيدين عادة للحكومة. ففي الرابع من مارس، أمرت النيابة بحبس مقدم البرامج التلفزيونية خيري رمضان، المقرب من النظام، لمدة أربعة أيام بتهمة إهانة وزارة الداخلية في برنامجه “مصر اليوم”.
كما اعتُقل الصحفيون الذين يقدّمون تقارير حول قضايا غير سياسية. ففي 28 فبراير، اعتقلت قوات الأمن في الإسكندرية الصحفية مي الصباغ، من موقع رصيف22، والمصوّر الصحفي أحمد مصطفى، بينما كانا يعملان على تقرير يتناول خط الترام في الإسكندرية، وأمرت النيابة بحبسهما لمدة 15 يوماً بتهمة الانضمام إلى “جماعة محظورة” تستخدم الإرهاب لتحقيق أهدافها، و”حيازة أدوات ومواد سمعية بصرية بهدف استخدامها لنشر معلومات كاذبة بغرض الإضرار بالأمن القومي”، و”تلقي الأموال من الكيانات الأجنبية لتحقيق الهدف المذكور أعلاه”، و”العمل في الصحافة، وتصوير فيديو، دون إذن من وزارة الثقافة “.
تعقّب مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي
يظهر التقرير أنه خلال الأشهر العشرة الماضية، اعتقل قطاع الأمن الوطني عشرات الناشطين بسبب انتقاداتهم للسلطات عبر الإنترنت، إضافة إلى اعتقال بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الذين نشروا محتوى ساخراً على الإنترنت.
و اعتقلت قوات أمن الانقلاب العسكري، المدون المعروف وائل عباس الذي أسس، عام 2004، مدونة “الوعي المصري”، وكشف عبرها عن العديد من حالات التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة على أيدي الشرطة.
أيضاً، قام حوالي 20 ضابط أمن يرتدون ملابس مدنية بإلقاء القبض على الكوميدي ومدون الفيديو شادي أبو زيد من منزله في السادس من مايو 2018.
وعمل أبو زيد مراسلاً للبرنامج التلفزيوني الساخر “أبله فاهيتا”. وبعد إلغاء البرنامج، استمر في مناقشة المواضيع الاجتماعية والسياسية، بأسلوب ساخر، في مقاطع فيديو نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، ولذا اتهمته النيابة بـ”عضوية جماعة محظورة”، و”نشر معلومات كاذبة”.
وفي 15 مايو، استدعت النيابة الناشط شادي الغزالي حرب لاستجوابه بتهمة “نشر معلومات كاذبة” عبر صفحته على فيسبوك، و”الانتماء إلى جماعة محظورة”.
حجب مواقع الإنترنت
تقول المنظمة إنه منذ مايو 2017 ، حجبت سلطات الانقلاب العسكري ما لا يقل عن 504 مواقع إلكترونية، مشيرةً إلى أن هذا الأسلوب جديد في مصر إذ أن حجب المواقع لم يكن شائعاً تحت حكم مبارك.
وبحسب إحصاءات غير حكومية، فإن 62% من المواقع المحجوبة تقدم خدمات إخبارية، و6% منها خاصة بمنظمات حقوق الإنسان، و5% تنتمي إلى الجماعات السياسية، و24% توفّر أدوات للتحايل على الرقابة على الإنترنت. وقد تم حجب المواقع دون أمر قضائي أو رقابة.
وتقول حكومة الانقلاب العسكري إنها تحجب المواقع الإلكترونية لأنها “تنشر معلومات كاذبة” أو “تضر بالأمن القومي”.
قوانين جديدة ضد حرية التعبير
يتحدث التقرير كذلك عن قوانين مصرية صدرت مؤخراً تمنح الأجهزة التنفيذية والأمنية سلطات واسعة في الرقابة على الإنترنت، ومنها القانون الذي وقعه السيسي في 27 أغسطس 2018، وهو القانون رقم 180 لعام 2018، المعروف باسم قانون تنظيم الصحافة والإعلام، والذي تقول المنظمة إنه يمنح الدولة سيطرة شبه كاملة على وسائل الإعلام المطبوعة والإلكترونية والإذاعية.
ويعتبر القانون أن أية حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي لديها أكثر من 5000 متابع، بمثابة منصات إعلامية تخضع لنفس المسؤولية الجنائية التي تخضع لها وسائل الإعلام، في ما يتعلق بأفعال مثل “نشر معلومات كاذبة”، أو “تحريض الجمهور لعصيان القوانين”.
وفي 14 أغسطس 2018، وقّع الرئيس المصري قانوناً جديداً حول الجريمة الإلكترونية، يمنح الشرطة وسلطات التحقيق سلطة مراقبة وحجب المواقع الإلكترونية التي تعتبر أنها تنشر مواد تحرّض على الجريمة أو الإضرار بالأمن القومي.
اعتقال كل مَن يحتج على الأوضاع الراهنة
يعرض التقرير أيضاً ما يصفه بالرد القاسي لقوات الشرطة المصرية على المحتجين سلمياً على إجراءات التقشف الحكومية.
ففي 11 مايو 2018، رفعت وزارة النقل سعر تذاكر المترو بنسبة 250 في المئة، ما زاد بشكل كبير من ارتفاع تكاليف المعيشة. وفي 12 مايو، اعتقلت قوات الأمن ما لا يقل عن 35 شخصاً بتهم “المشاركة في تظاهرات غير مصرح بها” و”العضوية في جماعة إرهابية”.
القضاء على المعارضة السياسية
يُظهر التقرير أن السلطات المصرية تسعى للقضاء على أية معارضة سياسية حقيقية، ويوثق تفاصيل القبض على سامي عنان، الرئيس الأسبق لأركان الجيش، بعد أربعة أيام من إعلانه في شريط فيديو بُث عبر فيسبوك نيته الترشح ضد الرئيس السيسي.
كما يشير إلى اعتقال كل من هشام جنينة، وهو أبرز مسؤول مصري سابق عمل على مكافحة الفساد، وعبد المنعم أبو الفتوح، مؤسس “حزب مصر القوية” السياسي، والمرشح الرئاسي في انتخابات 2012، وآخرين.
اعتقال مشجعي كرة القدم داخل وخارج الملاعب
يقول التقرير إنه دائماً ما كانت هناك علاقة متوترة غالباً بين الشرطة ومجموعات مشجعي النوادي الرياضية المعروفة باسم “الأولتراس”، وخاصة “الأولتراس أهلاوي” و”أولتراس وايت نايتس” التي تدعم ناديي الأهلي والزمالك الرياضية على التوالي.
ومنذ فبراير2018، اعتقلت قوات الأمن العشرات من أعضاء الأولتراس، بعضهم من منازلهم، وأحالتهم إلى نيابة أمن الدولة، التي أمرت بحبسهم على ذمة المحاكمة بتهمة “الانضمام إلى جماعة إرهابية”.
إساءة استخدام العدالة لاستهداف المختلفين
تحدث التقرير كذلك عمّا قال إنه إساءة قوات الأمن والنيابة لاستخدام نظام العدالة الجنائية بغرض استهداف ومضايقة المدافعين عن حقوق الإنسان، وأعضاء المعارضة، والصحافيين، عبر إبقائهم في الحبس الاحتياطي، أحياناً لسنوات.
ويضيف أنه في بعض الحالات، أمرت النيابة بحبس هؤلاء الأفراد بتهم جديدة فور صدور أمر من القاضي بإطلاق سراحهم في قضية أخرى.
كما قامت النيابة بتجميع معتقلين بصورة متكررة في نفس القضية، رغم أنهم لا يعرفون بعضهم البعض، وكانوا قد اعتُقلوا بشكل منفصل ولأسباب مختلفة.
و يقول التقرير إنه في فبراير 2018، اتهمت النيابة الصحفييْن حسن البنا ومصطفى العصار بنشر معلومات كاذبة، والانضمام إلى جماعة إرهابية في القضية رقم 441 لعام 2018 ، وتتعلق بعمل مزعوم للعصار مع مخرج أفلام تسجيلية.
وفي أبريل 2018، أضافت أمل فتحي إلى القضية، بعد أن بثت فيديو على فيسبوك يتحدث عن تجربتها مع التحرش الجنسي، رغم أن النيابة لم تبد السبب في قراراها، أو ما إذا كانت تشك في أن فتحي كانت على صلة بالصحافيين أو الفيلم التسجيلي.
وفي نهاية تقريرها، وجهت منظمة العفو الدولية دعوة لكل مؤيديها في جميع أنحاء العالم للتضامن مع أولئك “الذين يواجهون خطراً بسبب تعبيرهم عن آرائهم، والكتابة إلى حكومة الانقلاب العسكري ومطالبتها بوضع حد للاضطهاد”.
كما دعت المنظمة سلطات الانقلاب العسكري لإطلاق سراح “جميع المعتقلين المحتجزين في السجون لمجرد تعبيرهم عن آرائهم بصورة سلمية، ووضع حد لحملتها القمعية للرقابة على الإعلام، وإلغاء التشريعات التي تشدد قبضة الدولة على حرية التعبير في البلاد”.
ولم تصدر حكومة الانقلاب العسكري تعقيباً على تقرير المنظمة، لكن غالباً ما ترفض مصر تقارير العفو الدولية وتتهمها بأنها تعمل لصالح “جماعات معينة لا ترغب في استقرار مصر”.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات