تحت شعار “متحدون” شارك نحو أربعين ألف شخص، أمس الأحد 25 أغسطس في مظاهرة ضد العنصرية وللدفاع عن المجتمع المتفتح والحر وضد تهميش الآخرين، ومعاداة الأجانب والمهاجرين، بمدينة دريسدن عاصمة ولاية ساكسونيا (شرق) ألمانيا.
وتأتي المظاهرة الحاشدة هذه في المدينة التي تعد معقلا لحركة “أوروبيون ضد أسلمة الغرب” اليمينية التي تسمى “بيغيدا” قبل نحو أسبوع من انتخابات ستنطلق بالولاية الأحد القادم، من المتوقع أن يحصل فيها حزب “بديل لألمانيا” اليميني المتطرف على المركز الثاني.
وأراد المنظمون من أحزاب سياسية يسارية ومنظمات المجتمع المدني أن يظهروا بأن دريسدن ليست مدينة لحركة بيغيدا فقط، بل هناك أغلبية منفتحة وتقبل التعدد والتنوع في المجتمع.
شهود على العنصرية
“تعرضت لمواقف عنصرية خلال حياتي اليومية وفي دراستي سابقا بحكم أن زوجتي ألمانية مسلمة محجبة، وهي تعرضت لعنصرية أكثر من العرب” هكذا يقول أمجد عبد الهادي أحد المشاركين من أصول مصرية في المظاهرة.
ويضيف خلال حديثه للجزيرة نت: “أشارك اليوم مع زوجتي وغالبية الناس الذين يعتبر أغلبهم من صغار السن، بعكس مؤيدي حركة بيغيدا الذين يتظاهرون أسبوعيا ضد الإسلام والمسلمين، ولإعطاء صورة مختلفة عن المدينة غير تلك التي رسمها الشعبويون”.
وتقول ريجينا عبد الهادي، زوجة أمجد للجزيرة نت: إنها سعيدة بزواجها من رجل مصري، وترتدي الحجاب برغبتها، وتشارك اليوم لأنه من المهم بالنسبة لها إظهار أن دريسدن ليست حركة بيغيدا فقط، بل إن الأغلبية لديهم اتجاهات مختلفة.
ودعت المواطنة الناخبين بالولاية للتوجه لصناديق الاقتراع الأحد المقبل، حتى لا يصل حزب “بديل لألمانيا” إلى السلطة.
ومن بين الحاضرين دانيال وإشتيفقة وأطفالهما من مدينة كوتبس، وقد أحبوا أن يرفعوا بالونات بشعارات وألوان مختلفة لإيصال رسالة التعدد والتنوع التي هدفوا إليها.
ورفعت إحدى الفتيات المشاركات بالمظاهرة شعار “لا للنازية” بالعربية.
وتقول فانية شاتكامب، وهي إحدى المشاركات في تنظيم المظاهرة، إنها تشارك لأنه يمكن أن يكون الفن الذي يأتي ضمن حرية التعبير مهددا من قبل الحزب اليميني المتطرف إذا ما وصل للسلطة بالانتخابات المقررة الأحد القادم في الولاية.
وتضيف عضو مسرح المدينة في حديث للجزيرة نت “كان لزاما علينا أن نقف ونشارك في المظاهرة مع ستين من المؤسسات الثقافية الأخرى في دريسدن من أجل الحفاظ على الحق في التعبير بحرية، وقد اخترنا لنعبر عن فكرتنا بهذه العربة وبعض الأغاني بمشاركة الفنانة بيرناديت لاهينغست”.
العنصرية في أسوأ صورها
من شرق ألمانيا، تنطلق دائمًا الدعوات العنصرية ضد الأجانب وخاصة المسلمين منهم، واكب ذلك صعود اليمين المتطرف في أوروبا كلها؛ هولندا من جانب ومارين لوبان ابنة اليميني جون ماري لوبان المعروف بتوجهاته المتطرفة تجاه العرب والمسلمين وبريطانيا من جانب مختلف، التي رفض فيها تيار المحافظين فتح حدود البلاد للعرب والمسلمين، خصوصًا منذ اندلاع الأزمة القاتلة في سوريا.
والشرق الألماني تحديدًا معروف باحتضانه للنازية والجيوب السياسية المتعاطفة معها، ومنه دائمًا تخرج الدعوات والمسيرات الرامية إلى طرد الأجانب وخاصة المسلمين، وهو ما أثار قلق الحكومة الألمانية التي عبرت أكثر من مرة عن تخوفها من ازدياد نبرة التطرف في مدن الشرق التي تتوق بين الحين والآخر إلى العودة لأطلال النازية، وهي التوجهات التي يدعمها عدد من قادة الأحزاب بل والمسؤولين أنفسهم.
وفي القلب رئيس وزراء مقاطعة بافاريا الذي دافع عن المحتجين، معتبرًا أن الهجوم على الإسلام والمسلمين والأجانب بشكل عام، يدخل في سياقات التعبير عن الرأي وهو حق تحميه ألمانيا، ولم ينس في سياق تصريحاته التعبير عن شيء ما يحدث داخل الكواليس، معتبرًا أن القلق من المسلمين والمهاجرين حقيقة يجب التعامل معها بجدية.
مكافحة الإسلاموفوبيا
في أبريل الماضي، دعا رئيس المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا أيمن مزيك إلى تعيين “مفوض خاص من طرف الحكومة الألمانية لمكافحة ظاهرة العداء للمسلمين والاسلاموفوبيا في المجتمع الألماني”.
ونقلت صحيفة “أوسنا بروكر تسايتونغ” الألمانية أقوال مزيك الذي أكد على أن هناك نوعا من المشاعر الكامنة “المعادية للمسلمين من قبل البعض في ألمانيا”.
ورأى مزيك أن مسألة العداء للمسلمين “تقابل بنوع من اللامبالاة في المجتمع” وأنها لا تلقى الأهمية المطلوبة، وهو ما يظهر أهمية وجود مفوض خاص من قبل الحكومة الألمانية يكون من واجبه التحاور مع المجتمع، ورصد أية اعتداءات على المسلمين.
وذكر مزيك أن من واجب هذا المفوض الخاص أيضًا أن يبلغ الجمهور الأمني بالتقارير الاعلامية، وأن يعزز التثقيف السياسي المجتمعي فيما يخص قضايا الاعتداء على المسلمين.
ومعلقًا على القرار رأى عبد الصمد اليزيدي الأمين العام للمجلس الأعلى للمسلمين، أن كثرة الاعتداءات على المسلمين التي تشهدها المدن الألمانية توضح أهمية الدعوة لتعيين مفوض خاص.
وقال: “هناك تحول في الاعتداءات على المسلمين في ألمانيا من لفظي إلى جسدي، وهو ما يثير القلق لدينا”. ويستشهد اليزيدي بحادثة الاعتداء على سيدة محجبة حامل في برلين في أواخر مارس، قائلا: “لمثل هذه الاعتداءات وغيرها يجب أن يدق ناقوس الخطر”.
وكان أيمن مزيك قد ربط في حواره مع صحيفة “أوسنا بروكر تسايتونغ” الألمانية بين تراجع الاعتداءات على المسلمين وبين تراجع قدوم المهاجرين إلى ألمانيا، وقال إن بعض المتطرفين يربطون بشكل تلقائي بين المسلمين في ألمانيا وبين اللاجئين والمهاجرين، هو أمر أعتبره رئيس المجلس الاعلى للمسلمين بأنه غير صحيح.
جرائم الكراهية في ألمانيا
بأرقام بلغت مستويات قياسية بالأعوام الأخيرة، تواجه ألمانيا تزايدًا لافتًا في عدد جرائم اليمين المتطرف، ما يؤشر على توسع نطاق فكر عنصري يهدد التعايش المشترك.
ووفق معلومات جمعها مراسل وكالة الأناضول، سجلت جرائم اليمين المتطرف في ألمانيا رقما قياسيا عام 2016، على خلفية موجة اللجوء الكبيرة في 2015، لتبلغ 23 ألف و555 جريمة.
وفي عام 2017، سُجلت 20 ألف و520 جريمة لليمين المتطرف، فيما تناقص العدد إلى 19 ألف و105 جريمة، للعام الماضي، في وقت من المنتظر أن يصدر التقرير النهائي بهذا الخصوص في مايو القادم.
ويشير الخبراء إلى أن العدد الحقيقي لجرائم اليمين المتطرف أكبر بكثير مما هو مسجل في التقارير، بسبب عدم قيام الكثير من الأشخاص بالإبلاغ عن هذا النوع من الحوادث والجرائم.
وشكلت حالات الدعوة والترويج للتمييز العنصري النسبة الأكبر بين جرائم اليمين المتطرف، في حين تم تسجيل أكثر من ألف حالة لاستخدام العنف والقوة.
وسُجلت 215 حادثة عنف في الأشهر الأربع الأولى من العام الماضي، وارتفع الرقم إلى 536 خلال بنهاية شهر أغسطس، ليصل في نهاية العام المذكور إلى ألف و72 حالة.
ونفذت جماعات اليمين المتطرف في ألمانيا، 578 هجوما ضد المسلمين والمساجد في الفترة بين يناير، وسبتمبر من العام الماضي، أي بمعدل 196 هجوم في الربع الأول من العام، و192 هجوم في الثاني، و190 هجوم في الثالث، في حين لم يصدر حتى الآن عدد حالات استهداف المسلمين في الربع الأخير من العام.
وشملت الهجمات ضد المسلمين حالات عديدة مثل توجيه الإهانات والتحرش، وإلحاق أضرار مادية بالمساجد، وكتابة ألفاظ عنصرية على جدرانها، حيث جُرح فيها 40 شخصا على الأقل.
وبحسب بيانات وزارة الداخلية الألمانية، تم تسجيل ألف و775 حالة استهداف للاجئين، و173 هجوما على مساكن اللاجئين، من قِبل اليمين المتطرف، في العام الماضي، جُرح خلالها 315 شخصا، بينهم 14 طفل.
كما نفذ المتطرفون اليمينيون، بالعام نفسه، 670 هجوما ضد اليهود، جرى استخدام العنف في 19 حالة منها، وأُصيب خلالها 10 أشخاص.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات