التغيير الأبرز الذي حدث في بنية النظام الخاص للجماعة الإسلامية في مصر في مطلع تسعينيات القرن الماضي, كان مع مقتل الدكتور علاء محيي الدين المتحدث الإعلامي للجماعة عام 1990 ، والذي يُعتقد أنه قتل على أيدي أجهزة الأمن, إذ شكل هذا الحادث تغييرا في طبيعة الصراع بين الجماعة الإسلامية والدولة المصرية, وعمدت الجماعة للرد عبر محاولة اغتيال عبد الحليم موسى ليسقط بدلا منه – عن طريق الخطأ – الدكتور رفعت المحجوب)[1].
5- نحن الآن على أبواب لحظة تاريخية ولكن بمضامين متضاربة.. فبعد مرحلة اتسمت بالحذر والترقب امتدت لأكثر من عام بعد اغتيال الدكتور المحجوب فضلت الدولة فيها – وربما عجزت لحظيا – ألا توسع من عملياتها القمعية تجاه الجماعة الإسلامية رغم موقع الفقيد في النظام السياسي المصري … فقد بدا وأن الجماعة الإسلامية قد اختارت أن تقوم بنقلة حاسمة في مواجهة النظام الحاكم إذ قررت بحلول عام 1992 المبادرة بالقيام بعمليات مسلحة ضد النظام.. ويشرح لنا المهندس عصام دربالة مبررات اتخاذ هذا القرار: ( منذ عام 1986 والجماعة تعتمد سياسة رد الفعل، ولكن زكي بدر اعتمد سياسة التصفية الجسدية في الشارع, وعليه فمنذ عام 1992 تغيرت سياسة الجماعة من رد الفعل إلى الهجوم )[2].
6- مع حلول شهر إبريل 1992 بدأت الجماعة عملياتها تنفيذا لهذا القرار باستهداف رجال الشرطة؛ خاصة الذين لهم دور في قمع نشاط الجماعة، وسرعان ما لحق بهم أقباط الصعيد مع مقتل 14 قبطيا من قرية صنبو التابعة لمركز ديروط, غير أن قيادات الجماعة أوضحوا لاحقا أن استهداف الأقباط لم يكن ممنهجا، ولكنه يمثل أحد مظاهر الفوضى وعدم الانضباط في أداء الجماعة العسكري, وهو ما يوضحه عصام دربالة: ( أحداث صنبو لم يأمر بها أي من قيادات الجماعة، وإنما تُركت لأمير القريه الذي تحرك، وقال بعد ذلك إنه لم يقصد أن يقتل 14 شخصا، وإنما أحد الذين قاموا بالتنفيذ هو الذي أشعل المواجهات)[3].
7- مع تكثيف النظام جهوده لردع الجماعة الإسلامية عن الاستمرار في توجهها الهجومي الجديد فقد لجأت الجماعة إلى إعتماد مسارين إضافيين في عملياتها المسلحة:
المسار الأول: ضرب النشاط السياحي وذلك ابتداءً من شهر سبتمبر 1992، ويحدثنا هشام مبارك, في دراسته عن جماعات العنف, عن تأثير هذه العمليات ( بدأ الجناح العسكري بمهاجمة الشرطة … وبعد أن تلقت الجماعة ضربات مؤثرة اتجهت لضرب السياحة في محاولة لوقف الهجوم الأمني، وهي محاولة اربكت الدولة، وأفقدتها اتزانها لفترة ليست قصيرة)[4].. وقد مثلت عمليات العنف ضد السياحة مأزقا للدولة من الناحية الأمنية والاقتصادية والسياسية على النحو الذي سوف نعرض إليه لاحقا.
المسار الثاني: تحديد مناطق ساخنة يتم تصعيد أعمال العنف بها للتخفيف عن مناطق أخرى أو كوسيلة للضغط لتحقيق مطالب الجماعة، وفي هذا الإطار فقد تركزت عمليات الجماعة في محافظة أسيوط عام 1993، ثم انتقلت إلى محافظة المنيا عام 1994.. ويروي ماهر فرغلي أحد أبناء الجماعة المنتمين لمركز ملوي بمحافظة المنيا ( اجتمع معنا الأمير، وقال إن الجماعة تريد أن تكون ملوي، وإمبابة نقاطا ساخنة من أجل الضغط على الحكومة للافراج عن المعتقلين … وجمع الأمير 130 شابا في أرض تابعه لإحدى القرى البعيدة – كلهم سيقتلون بعد ذلك – ووعدهم بالنصر وبركوع الحكومة أمام طلبات مشايخ الجماعة، وتلا عليهم جانبا من رسالة الدكتور ناجح ابراهيم ” للقابضين على الجمر ” وهي الرسالة التي كان قد كتبها من قبل دعما لمجاهدي الجماعة في مركز ديروط)[5].
8-مع توالي عمليات الجناح العسكري للجماعة خلال عام 1992، ظهر ارتباك الأجهزة الأمنية في مواجهتها، ووفقا لدراسة “دراج وباروت” عن الحركات الإسلامية فقد وصل معدل العنف في ذلك العام إلى ( قتيل كل 4 أيام، وجريح كل يومين، و25 معتقلا يوميا ) [6].. وقد جاءت قصة لجنة العلماء للوساطة بين الدولة والجماعة الإسلامية حينذاك كأحد التجليات البارزة لهذا الارتباك إذ انتهت القصة بوأد اللجنة، وإزاحة الوزير على النحو الذي سنعرض له لاحقا.
وفي مايو1993 عُين اللواء حسن الألفي وزيرا للداخلية بعد أن رفعت الدولة راية المواجهة الشامله لجماعات العنف. وفي أغسطس 1993 أجرى الألفي تغييرا في قيادة وبنية جهاز مباحث أمن الدولة ليتولى قيادته اللواء أحمد العدلي وذلك إيذانا ببدء الخطوات التنفيذية للمرحلة الجديدة. ويروي الأستاذ عبد الرحيم علي الكاتب وثيق الصلة بالدوائر الأمنية طبيعة التحدي الذي كانت تواجهه تلك الدوائر حينذاك:
(كانت الصعوبات التي تحاصر جهاز أمن الدولة تتمثل في مشكلتين رئيسيتين:
الأولى: عدم توافر قاعدة معلومات متكاملة عن تنظيمات العنف وتشكيلاتها.
الثانية: عدم وجود جهاز مدرب على حرب الشوارع، وهي الوسيلة التي تجيد جماعات العنف استخدامها في تنفيذ عملياتها.
وخلال ما يقرب من 6شهور راح الجهاز يعيد ترتيب أوراقه مستغلا بعض العلاقات مع الخارج، وتم إرسال مجموعة كبيرة من ضباط أمن الدولة إلى الولايات المتحده الأمريكية لتشكيل ما سمي بعدها قوات مكافحة الإرهاب، ليأتي عام 1994 وقد حدث تغيير جذري في جهاز المواجهة داخل وزارة الداخلية استطاع من خلاله كسب زمام المبادأة )[7].
وكجزء من إستراتيجية المواجهة الشاملة فقد اعتمدت الدولة سياسة جديدة للسجون بدأت بإنشاء عدة سجون نائية ومحكمة لاستيعاب الأعداد المتزايدة من المعتقلين، واعتمدت منظومة من الإجراءات لمواجهة تمدد الأفكار المتشددة داخل السجون منها عزل القيادات والكوادر النشطة بعيدا عن باقي المعتقلين لتلافي تأثيراتهم حيث خصص لهم سجن شديد الحراسة بمنطقة طره، وإحكام الحصار الفكري والعقلي وعزل كافة المعتقلين – خاصة القيادات – عن سبل المعرفة وعن واقع الحياة, حيث تم إغلاق السجون تماما، ومنع زيارات الأهالي والمحامين، والصحف والراديو، وحتى الاقلام والأوراق.
9- مع بدء الدولة في تطبيق الاستراتيجية الأمنية الجديدة عام 1994 فقد حققت تقدما ملحوظا كانت بدايته مع النجاح في اغتيال طلعت يس همام؛ قائد الجناح العسكري للجماعة في أبريل 1994… وطبقا لتقييم الدكتور أحمد جلال عز الدين فإنه قد تم ( تخليص المدن الكبرى من العمليات الإرهابية ذات الأهمية، وبدأ الإرهاب يفقد صفته كإرهاب حضري، وتحول إلى نمط عمليات صغيرة تتجه لأهداف هامشية في بعض الأقاليم لمجرد إثبات الوجود، دون قدرة على تدمير النظام الاجتماعي كهدف مقصود لمثل هذه العمليات )[8].. وهو تقييم مقارب لما انتهى إليه هشام مبارك في دراسته عن جماعات العنف ( ابتداء من منتصف عام 1994 انخفضت معدلات العنف فلم تشهد القاهرة أحداث عنف مؤثرة، واختفى العنف من عدة محافظات مثل بني سويف، والفيوم، وقنا، وهناك وقائع عنف محدودة في أسيوط … وهو ما يؤشر إلى أن الحالة الذهنية بشأن إمكان إسقاط النظام قد تبددت.. مع ملاحظة وجود وقائع عنف في المنيا بهدف وقف أجهزة الأمن عن ملاحقة أفراد الجماعة هناك)[9].. ومما يعزز هذين التقييمين المتقاربين رواية عن الموقف من الجانب الآخر للمواجهة فيذكر المهندس أسامة حافظ؛ عضو مجلس شورى الجماعة– وكان مفرجا عنه منذ عام 1992 وحتي عام 1994 – ( أن الشيخ رفاعي طه مسؤول الجماعة بالخارج اتصل به تليفونيا عام 1994 ليعبر له عن رأيه بضرورة إيقاف العنف في تلك الفترة لا على أساس ديني بل لأنه – أي العنف – سيؤدي حتما إلى هلاك الجماعة )[10] وخلال عامي 1994 و1995 تمكنت قوات الأمن من قتل 191 عنصرا قتاليا من الجماعات بالإضافة إلى تحويل 120 قضية للمحاكمات حكم فيها على94 متهما بالإعدام, ونفذ الحكم في 70 منهم . ومع حلول منتصف عام 1995 ووفق تقدير الأستاذ مكرم محمد أحمد ( كان الواضح أن تنظيمات العنف وبخاصة الجماعة الإسلامية أصبحت أقل قدرة على المبادرة, وبدأت معدلات الجرائم في الانخفاض المتتابع، وامتنعت القاهرة على تلك الجماعات، وانحسر النشاط في عدد من بؤر الصعيد، وضمرت سطوة الجماعات في عدد من الأحياء الشعبية بالمدن بعد أن اقتحم الأمن مقراتهم في هذه الأحياء، وطردهم من المساجد التي كانوا يسيطرون عليها)[11].. وهو تقدير ينسجم مع خلاصة تقييم باحث محايد هو الدكتور عماد شاهين لحصيلة المواجهة في هذه المرحلة ( الجماعة الإسلامية أدركت أن العنف في دولة شرسة قمعية ليس أداة للتغيير، ورأى قادتها أن هناك خللا استراتيجيا، وأنهم سوف يخسرون في النهاية)[12].
10- مع حلول عام 1996 استمرت الدولة في سياستها الوقائية بمحاورها التي تشمل توسيع دائرة الاشتباه السياسي، وإحكام السيطرة على الحدود، والتضييق على العناصر الموجودة بالخارج لتحجيم فاعليتها وتقليص قدرتها على العمل الإعلامي بالخارج, مع استكمال الإجهاز على كوادر الجناح العسكري حيث تمت تصفية 37 فردًا منهم خلال ذلك العام. وقد أثر التقدم على هذه المحاور بالسلب على قدرات الجناح العسكري على الحفاظ على مستوى أدائه، ومن ثم ( فقد انخفضت عملياته المسلحة إلى 97 عملية خلال عام 1996 – مقارنة بـ183 عملية خلال العام السابق له – وبلغ عدد ضحاياها من رجال الشرطة 51 ضحية منهم 30 غفيرا) [13]… كما انخفض عدد حوادث مهاجمة السياحة إلى حادثين فقط .
وعموما فإنه وفق دراسة الدكتورة سلوى العوا ( بحلول عام 96/97 انتهى تاريخ الجماعة خارج السجون تقريبا، إذ آل أمر المواجهات وسياسة الدولة في القضاء على الجماعة، وكل من يمت لها … إلى أن خلا الشارع المصري من منتمٍ للجماعة الإسلامية أو ناشط فيها، اللهم إلا هارب أو مطارد غير قادر على مواصلة النشاط )[14]
……………………
[1]) سمير العركي – التنظيمات المسلحة في الحركة الإسلامية – المركزالدولي للدراسات المستقبلية
[2] ) حوار مع المصري إلىوم في 7 – 9 – 2012
[3] ) حوار مع الجريدة 4 – 12 – 2007
[4] ) هشام مبارك – الإرهابيون قادمون – ص 403
[5] ) ماهر فرغلي – الجماعة الإسلامية في مصر من العنف للمراجعات ص 164
[6] ) دراج وباروت – الحركات الإسلامية – ص 143
[7] ) عبد الرحيم على – المخاطرة – ص 34
[8] ) التقرير الاستراتيجي – مركز الأهرام للدراسات 1994 ص 425
[9] ) هشام مبارك – الإرهابيون قادمون ص 418
[10] ) ماهر فرغلي – الجماعة الإسلامية المسلحة في مصر ص 176
[11] ) مكرم محمد أحمد – مؤامرة أم مراجعة ص 176
[12] ) نقلا عن كريستان ساينس مونيتور – محيط 9 – 5 – 2013
[13] ) تقر ير مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجيه عن الحالة الدينية 1997
[14] ) د سلوى العوا – الجماعة الإسلامية المسلحة في مصر – ص 144
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات