عرضنا الدرس الأول المستفاد من تجربة المواجهة المسلحة بين الجماعة الإسلامية والدولة, وهو عن ثقافة الدولة المصرية فى التعامل مع العنف بين التفاهم وتصعيد القمع, ونعرض هنا لدرسين آخرين:
2- بين انتهاج العنف واستهداف التجميع والحشد .. تكامل أم تناقض؟
يمثّلَ عزلُ الحركات التى تنتهج العنف، وحرمانها من الدعم المجتمعي خطا ثابتا لدى أجهزة الدولة التى تسعى لقمعها واستئصالها, إذ تقوم هذه الأجهزة بتوظيف العنف المنسوب لهذه الحركات فى تشويهها لدى المجتمع، حتى تنفرد بها ويسهل تحطيمها.. وذلك وفق ما رصده الباحث جيل كيبل (انتصر النظام المصري – مثل السلطة الجزائرية – فى الحرب التى شنها عليه التيار الإسلامي الراديكالي عام 1992، وتمثلت وسيلة النظام فى ذلك في إيقاع هذا التيار فى شرك انحرافه الإرهابي الذى كان يبعد عنه شرائح كلما طال أمد الصراع.. كما أدى قيام أتباعه باغتيال المتعاونين مع السلطة من المرشدين والغفراء إلى قيام شرائح من السكان بالوقوف على الحياد أو مناصبتهم العداء بعد أن كانت فى السابق متعاطفة معهم.)[1]… وهو ما يعزز ما إنتهي إليه مكرم محمد أحمد – كرأي غير محايد بالطبع – من أن ( أهم العوامل التي ساعدت على إحباط مخططات الإرهاب أن تنظيماته لم تجد أي تعاطف شعبي، ولم تتوافر لها مساندة حقيقية من المجتمع)[2]
على أنه رغم ماتم إثباته من دور العنف فى تراجع دعم المجتمع للحركات الإسلامية الراديكإلية والتفافه حولها، فيبدو أن المشكلة أعمق من هذا إذا ارادت لمشروعها النجاح, فيبدو أن الحركة الإسلامية لديها أسباب أخرى ذاتية تعيق قدرتها على الانتشار والتجميع، وهو ما رصده المحلل عبد المنعم منيب: (هذه الحركات مازالت تعتمد فى عملها على أساليب تركز على تكوين صفوة أو نخبة محدودة، ولا تعبأ كثيرا بالأبعاد والأساليب التى من شأنها أن توسع القاعدة الشعبيه لها)[3].. ومن المفيد أن نثبت هنا أن باحثا مثل الأستاذ ياسر الزعاترة – فى تعليقه على مراجعات جماعات العنف الإسلامية – ورغم عدم رفضه إبتداءً للمواجهة المسلحة لأنظمتنا الاستبدادية، إلا أنه يتمسك بضرورة الحصول على تأييد شعبى عارم يصل إلى تحقيق حالة من الإجماع الشعبي عند السعي بالتغيير من خلال هذا المسار: (الأسباب الكامنة خلف فشل الخروج المسلح تتمثل فى غياب الظروف الموضوعية المتمثلة إبتداءً بغياب الإجماع الشعبي على ضرورة تغيير النظام ولو بالصدام المسلح … فللدولة القطرية قدراتها الأمنية الكبيرة التى تحول بين أي تنظيم مسلح- مهما بلغت قوته- وتحقيق الانتصار إذا لم يحظ بتأييد شعبي عارم)[4]
ولعل أحد الثمار الإيجابية للهزيمة التى لحقت بالجماعة الإسلامية فى التسعينات أن بدأ قادتها يلتفتون لأهمية كسب التأييد الشعبى لمشروعهم؛ ويمارس الدكتور طارق الزمر نقدا ذاتيا لأداء الجماعة الإسلامية فى تلك المرحلة: (الخطأ الذى وقعنا فيه هو استخدام منهج العنف المسلح لتحقيق التغيير الذى كنا نستهدفه فى نظام الحكم، بينما كان لابد من اللجوء للعمل الشعبي السلمي)[5] … وعلى ذات النسق يسير الشيخ رفاعى طه أحد مؤسسي الجماعة الإسلامية ومسئولها فى الخارج لسنوات ممتدة: (موقف الجماعات التى تقوم بالدعوة لله يقاس بمقدار ماتملكه من حق، ومدى نجاحها في جعل معركتها هى معركه شعبها)[6] بل إن الشيخ رفاعى يرتقى إلى مرحلة أكثر تقدما من مجرد إدخال عموم الشعب فى المعادلة، ويربط هذا المسار بمسار آخر لا ينفك عنه هو توثيق العلاقات والتفاهمات المتبادلة مع القوى السياسية المختلفة: (كلما نجحت الجماعة فى توضيح فكرتها، وأوجدت علاقات أفضل مع طوائف شعبنا، والقوى السياسية والإسلامية المختلفة، كلما ساعدها ذلك على الاقتراب من تحقيق أهدافها)[7]… بقى أن نذكر هنا أن صدور مثل هذا الطرح من هذه القيادات ليس مجرد محاولات للتجمل والتلطف، وانما هو حصيلة معاناة طويلة ومريرة امتدت لعقود من الزمان، وعلينا أن نقدرها فى هذا الاطار.
3- فخ التوريط فى العنف
الفخ كما هو معلوم أداة مقيِدة للحركة، ويقوم الصياد باستخدام الخداع لدفع فريسته للاندفاع إليها – بإراداتها الذاتية – حتى إذا ما وقعت فيها أضحت لا تملك من أمرها شيئا.. ويبدو أن قاده الجماعة الإسلامية قد أدركوا بعد تجربة مريرة أن الأمر لم يكن مجرد خطأ فى حساباتهم، ولكنه أمر تم ترتيبه بليل لدفعهم لأن يسلكوا مسار العنف أولا, ثم لتتم محاسبتهم على ذلك ثانيا, وهو ما انتبه إليه الأستاذ منتصر الزيات محامي الجماعة الإسلامية وعضوها السابق: ( كنت ومازلت أقول إن حالة العنف التى حدثت كانت فخا نُصب للجماعة الإسلامية ليسهل ضربها، والقضاء عليها، وتجفيف منابعها، وتقليل حجم التعاطف الجماهيري الذي كانت تحظى به الجماعة خصوصا فى الصعيد… وللأسف وقعت الجماعة فى الفخ)[8].
وهو ذات التقييم الذى انتهى إليه الدكتور طارق الزمر فى كتابه “مراجعات لا تراجعات” إذ يقول: ( لم يكن مدرجا فى حسابات الجماعة الإسلامية أن هناك قوى تسعى لاستدراجها لفخ الصدام، والذى يحقق أهدافها بامتياز، حيث تدار من خلاله عمليه تصفية الجماعة)[9]
ويشارك المهندس أسامة حافظ نائب رئيس مجلس شورى الجماعة الإسلامية الدكتور طارق الزمر فى هذه “الحكمة المتأخرة” إذ يقر فى أحد حواراته بعد ثورة يناير: (نظام مبارك نجح فى استدراج الجماعة الإسلامية واستفزازها لدائرة العنف المسلح بأعمال القتل والمطاردة لقادتها وأعضائها فى كل مكان)[10]
……………….
[1] ) جيل كيبل – الجهاد …ازدهار وانحسار الإسلام السياسي
[2] ) مكرم محمد أحمد, مؤامرة أم مراجعة ص 176
[3] ) عبد المنعم منيب, مقال في صحيفة ” الدستور” عن المواجهة بين النظام والجماعات الإسلامية, 22 – 7 – 2009
[4] ) ياسر الزعاترة, مقال الحركات الإسلامية بين السلاح والانبطاح, عن كتاب مراجعات الجهاديين, ص 252
[5] ) حوار في صحيفة الأخبار 9 – 10 – 2011
[6] ) حوار في صحيفة الشرق الأوسط عام 1999 – نقلا عن كتاب “شاهد على وقف العنف” – ص 287
[7] ) حوار في الشرق الأوسط عام 1999 – نقلا عن كتاب شاهد على وقف العنف – ص 287
[8] ) حوار مع نواف القديمي, كتاب حوارات الاسلاميين, ص – 104
[9] ) طارق الزمر, مراجعات لا تراجعات, ص 137
[10] ) حوار مع جريدة الأحرار المصرية, 29 – 8 – 2011
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات