العنف في مواجهة القمع .. الدروس العشرة من تجربة الجماعة الإسلامية (9)

8- بين فقه الشرع وفقه الواقع

فقه الواقع؛ تعبير له وقع إيجابي لدى أبناء التيار الإسلامي عموما، وهناك دائما شعور بالافتقاد لتوافره بالقدر الكافي للتعامل مع التحديات التي تواجه هذا التيار بالفهم والكفاءة الواجبة, وبالطبع, لم تكن الجماعة الإسلامية بعيدة عن هذا القصور؛ فالدكتور طارق الزمر يصارحنا بأن هذا النقص كان السبب وراء أخطاء الجماعة في المرحلة الماضية ( أهم أخطاء الـ 15 عاما الماضية إنما ترجع إلى عدم القراءة الدقيقة لتحولات الواقع)[1].. وبالطبع فهناك العديد من قيادات الجماعة الإسلامية من يستشعرون كذلك وجود هذا النقص ومنهم الدكتور ناجح إبراهيم إذ يروي أن ( الجماعة في بدايتها وقبل المبادرة كانت تنظر إلى النص الشرعي فقط وتهتم به وتدور حوله، وكان هناك قصور في النظر للواقع، وفي اعتبار فقه المصالح والمفاسد وفقه النتائج، وكانت تعتبر أن العمدة في الرأي الفقهي على النص فقط)[2].

غير أننا نختلف مع الدكتور ناجح إبراهيم فيما انتهى إليه؛ لا فيما يتعلق بالقصور في الاهتمام بفقه الواقع, فهو من المتفق عليه والمقطوع به، ولكن لأن عباراته يوحي ظاهرها بأن هذا القصور قد حدث لأن الجماعة كانت توجه جل اهتمامها لفقه النصوص؛ فمراجعة وقائع تجربة الجماعة الإسلامية تشير إلى أن الفقه الشرعي لم يكن أفضل حالا من فقه الواقع, من حيث دوره في توجيه مسيرة الجماعة في المرحلة الحرجة من مواجهتها العنيفة مع النظام المصري في التسعينات من القرن الماضي.

ويحكي لنا الدكتور صفوت عبد الغني في شهادة مؤلمة عن التنازع الذي كان يعتمل في صدره- وقت أن كان سجينا في قضية مقتل المحجوب – بالنسبة  للانحرافات الشرعية في الممارسات المرتبطة بعمليات العنف (الأخطاء الشرعية التي كانت تتم أثناء الممارسة؛ قتل النساء، وقتل الأطفال, إستهداف قطار تبع السياحة من الزراعات، قطار ماشي وبتضرب عليه كله, طيب الطلقات حتيجي في مين؟ كنت شاعر ان المسأله نتيجتها فشل ذريع على مستوى الواقع، وعدم تحقيق أهدافها, وانها في النهاية حتؤدي إلى غلطات ومفاسد كبيرة جدا)[3]. ويقول المهندس أسامة حافظ عضو مجلس شورى الجماعة ( لم يعد تغيير المنكر شاغلا كبيرا للجماعة بل الانتقام من الشرطة، ولم يعد للتساؤل عن الهد ف والمشروعية أولوية عند أفراد الجماعة، بل القيام بإلحاق خسائر بالخصوم)[4] .. وقد اثبتت الدكتورة سلوى العوا الشاهدتين السابقتين في دراستها, وانتهت هذه الدراسة إلى نتيجة قاسية بناءً على جماع هذه الشهادات: ( اتفق معي معظم من قابلتهم من القادة في حدوث مفارقة نهائية بين الشرع والممارسة في أنشطة الجماعة في فترة التخبط التي تلت عام 1992، وأيدت إجاباتهم على أسئلة المقابلات هذا المعني)[5].

ويمكن أن نتصور حجم الفوضى الذي شاب النشاط العسكري للجماعة من الناحية الشرعية من خلال حوار دار– بعد إطلاق مبادرة وقف العنف – بين الشيخ عاصم عبد الماجد عضو مجلس شورى الجماعة, والأستاذ ممدوح علي يوسف؛ مسئول النشاط العسكري بها حتي مطلع التسعينات وذلك وفق رواية الأخير: ( قال لي يا ممدوح احنا لما كتبنا في الأول كتبنا في دوافع الجهاد، ومكتبناش في موانع الجهاد.. احنا قصرنا في الجزئية دي … فأنا قلت: طيب كل المخالفات اللي أنا عملتها علشانك في الفترة دي، علشان اللي انت كتبته بالتحديد حتقول عنها ايه يوم القيامة؟ … فراح قال لي: ربنا يغفر لنا ويعفو عنا)[6]

والحقيقة أن مستوى الالتزام بالضوابط الشرعية في أعمال العنف قد أخذ في الانحدار باحتدام الصراع المسلح، وكذلك بالافتقار للعناصر ذات الوعي والإلمام بالعلم الشرعي على المستوي الميداني. ونسجل هنا رواية من الواقع للأستاذ ماهر فرغلي؛ أحد كوادر الجماعة في مركز ملوي, تسجل مفارقة مدهشة في الضبط الشرعي لانشطة “مجاهدي” الجماعة المحليين في سنوات التسعينات لا يملك المرء أمامها إلا الأسى: (كانت تعليمات الأمير لهم ألا يأكلوا من زراعات أحد، حتي التمر الذي يسقط من النخيل, ومع ذلك فقد كانوا يسفكون دم أفراد الشرطة بالبطاقة كما فعلوا في قطار أمام قرية الروضة, وتسبب ذلك في مواجهات ثأريه مع عائلات هؤلاء, وقتل نساء وأطفال.. من الذي كان يفتي بمثل هذه الأمور؟ الله أعلم)[7].

كما لا يملك المرء إلا الأسى أيضا عندما يقارن هذه الوقائع المحزنة بالكلمات المفعمة بالثقة التي رددها الأستاذ طلعت فؤاد قاسم؛ الناطق باسم الجماعة وقتها- في حوار مع جريدة “الحياة” عام 1993:( من يصدر فتوى بالقتل هي النخبة الشرعية في الجماعة الإسلامية، وهم مؤهلون شرعا للتصدي للفتوى، وهم قد حققوا درجة الاجتهاد التي حددها علماء الأصول، ولدينا في الجماعة الإسلامية عدد لا بأس به ممن حققوا درجة الاجتهاد يتجاوز العشرات)[8]

وختاما, فإن المحصلة التي نخرج بها من النظر في وقائع تلك المرحلة الحرجة لاتصب في اتجاه الحكم بتغليب الجماعة الإسلامية للاهتمام بفقه النصوص الشرعية على فقه الواقع أو العكس، ولكن في الحكم بطغيان الحركة والتلهف على الإنجاز على تحصيل الفقه وإمعان الفكر؛ شرعا وواقعا. 

…………………..

[1]) د. طارق الزمر, كتاب مراجعات لا تراجعات, ص21

[2]) حوار مع مجلة روز اليوسف, 5 – 9 – 2011, عن موقع الجماعة الإسلامية

[3] ) لقاء للمؤلفه مع الدكتور صفوت عبد الغني    كتاب الجماعة الإسلامية المسلح   ص  145                                   [4] ) الدكتوره سلوى العوا كتابالجماعةالإسلاميةالمسلحهفيمصرص140

[5] ) الدكتوره سلوي العوا  كتاب الجماعة الإسلامية المسلحه في مصر  ص  133

[6] ) د. سلوى العوا, كتاب الجماعة الإسلامية المسلحة في مصر, ص 206

[7] ) ماهر فرغلي  كتاب الجهاد الاسلامي في مص …من العنف إلى المراجعات ص 47

[8] ) حوار مع الحياه  30 – 8 – 1993

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …