يعمل الاحتلال الإسرائيلي بشكل حثيث لإنجاح مشاركته في مؤتمر “قمة إفريقيا – إسرائيل” الذي دعت إليها جمهورية توجو، والمنوي عقدها خلال الفترة 23–27 أكتوبر المقبل. وبالرغم من الأصوات المعارضة من القارة الإفريقية لمشاركة “إسرائيل” في المؤتمر، وخصوصاً الدول العربية والإسلامية منها، إلا أن شعوراً بالارتياح النسبي لدى “إسرائيل” يدفعها بالسير قدماً نحو المشاركة. ولعل الترحاب الذي شهده نتنياهو من بعض قيادات القارة في أثناء جولته في سنة 2016، هو ما يعطي هذا الشعور بالارتياح ولو نسبياً.
وفي المقابل فإن الأطراف المعارضة لمشاركة “إسرائيل” لم ترفع رايات الاستسلام، بل ما زالت تسعى بقوة نحو إفشال المؤتمر أو على الأقل إضعاف مستوى نجاحه.
القمة الإفريقية الإسرائيلية وتناقضات الموقف حولها
تعدّ توجو من أكثر الدولة الإفريقية قرباً من الاحتلال الإسرائيلي. وعلى ما يبدو فإن الرئيس التوجولي؛ فور جناسينجي لم يَحِد عن الخط الذي سار عليه والده سابقاً؛ حيث استقبل الرئيس السابق جناسينجي إياديما, رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق شامير سنة 1987، ومن الملفت للنظر أن هذه الزيارة سبقتها زيارة سرية قام بها بناد أفيتال؛ مدير شعبة إفريقيا بوزارة الخارجية الإسرائيلية عقب محاولة الانقلاب الفاشلة ضدّ إياديما في ديسمبر 1986، وهو ما يوحي بدور أمني لإسرائيل في توجو.
وفي السياق نفسه قام الرئيس فور جناسينجي خلال شهر أغسطس المنصرم بزيارة لتل أبيب هي الرابعة له، حيث استُقِبل من قبل رئيس الوزراء نتنياهو. وأثناء زيارة سابقة له لإسرائيل وفي معرض ردّه حول ما إذا كانت توجو تخشى الانتقام من دول شمال إفريقيا أو الدول العربية، قال إن توجو بلد صغير ولا تحصل على مليارات الدولارات من السعودية وقطر، وإن السكان المسلمين في البلاد صغيرون وغير نشطين، وبالتالي فإن الخطر السياسي منخفض.
ومن المتوقع أن يشارك في المؤتمر حسب التقديرات الإسرائيلية والدولة المضيفة للقمة ما بين 20–30 دولة إفريقية، منها كينيا، وتنزانيا، ورواندا، وأوغندا، وساحل العاج، وغينيا الاستوائية، وغانا، وزامبيا، وهي دول تسعى ديبلوماسياً إلى نجاح المؤتمر بين “إسرائيل” والقارة الإفريقية.
في المقابل، فقد أبدت المغرب معارضتها إلى جانب السودان وجنوب إفريقيا لعقد القمة، إلا أن هناك بعض المؤشرات التي توحي بأن “إسرائيل” تسعى إلى تخطي هذه العراقيل، من خلال خطوات قامت بها, وأخرى ما تزال تقوم بها ومنها: مشاركة نتنياهو في القمة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس” في يونيو 2017، وقد ألقى فيها خطاباً والتقى عددا من القادة الأفارقة. مع الأخذ بعين الاعتبار أن هناك بعض الدول التي ما يزال قرارها متأرجحاً، وأخرى قد تخضع لبعض الضغوط أو تجري تفاهمات مع جهات معارضة للقمة.
الخلفية التاريخية للعلاقات الإسرائيلية الإفريقية
نشطت الديبلوماسية الإسرائيلية منذ نشأتها في استخدام نظرية شدّ الأطراف؛ وعمدت إلى إقامة علاقات بالدول المحيطة بالعالم العربي، ومن بينها الدول الإفريقية، وهو ما حاولت “إسرائيل” القيام به في خمسينيات القرن الماضي، حيث عاشت هذه العلاقة منذ قيام دولة الاحتلال سنة 1948 فترة مزدهرة وصولاً إلى حرب يونيو 1967، وفي هذه المرحلة بدأت العلاقات الإسرائيلية تتضعضع مع العديد من الدول الإفريقية، ومنها أوغندا، وغينيا، والكونغو، وتشاد.
وأتت الحرب العربية الإسرائيلية سنة 1973 لتشكل نقطة تحول جديدة في العلاقات الإفريقية الإسرائيلية، حيث استخدمت الديبلوماسية العربية نفوذها في الحدّ من الطموح الإسرائيلي في إفريقيا، فقطعت معظم الدول الإفريقية علاقاتها مع الكيان الإسرائيلي باستثناء جنوب إفريقيا، التي كانت ما تزال تحت حكم نظام الفصل العنصري.
ولم تيأس “إسرائيل” من محاولات إعادة ترميم علاقاتها بالدول الإفريقية، ولعل من أبرز ما نجحت فيه استثمارها لتوقيع اتفاقية كامب ديفيد مع مصر، مما فتح لها العديد من الأبواب الموصدة في إفريقيا، التي لطالما انحازت للعالم العربي في صراعه مع الاحتلال الإسرائيلي، فوقّعت اتفاقية تعاون عسكري مع زائير (الكونغو الديمقراطية حالياً) سنة 1981، مهّدت لاستئناف العلاقات الديبلوماسية وتطوير تعاونهما عسكرياً وأمنياً. وبعد ذلك توالت الدول التي أعادت علاقاتها مع الكيان الإسرائيلي؛ ففي ثمانينيات القرن العشرين، استُؤنفت العلاقات الديبلوماسية بين “إسرائيل” وزائير في مايو 1982، وليبيريا في أغسطس 1983، وساحل العاج في فبراير 1980، والكاميرون في أغسطس 1980، وتوجو في يونيو 1987، قبل أن تستعيد العلاقات الرسمية، في تسعينيات القرن العشرين، مع نحو أربعين بلداً إفريقيا.
ومن الجدير بالذكر، أن الكيان الإسرائيلي استخدم خلال حقبة الثمانينيات أراضي السودان في زمن الرئيس جعفر النميري لنقل الآلاف من يهود الفلاشا، بمساعدة وضغط أمريكيين. وفي منطقة البحيرات العظمى لعبت “إسرائيل” دوراً بارزاً في الحرب الأهلية بين قبيلتي التوتسي والهوتو، فزودت الجيش البورندي والرواندي بالسلاح. وفي السياق نفسه، دعمت “إسرائيل” الحركة الانفصالية في جنوب السودان الذي انفصل لاحقاً عن السودان. كذلك ساندت أثيوبيا في صراعها مع الصومال. وقبيل إعلان استقلال أريتريا سنة 1993، قامت “إسرائيل” بافتتاح سفارة لها في العاصمة أسمرا, ولحقتها بعد ذلك أوغندا التي استأنفت علاقتها سنة 1994، وتنزانيا سنة 1995، بعد انقطاع دام أكثر من عشرين عاماً.
البعد السياسي والديبلوماسي في العلاقة الإسرائيلية الإفريقية
تسعى الديبلوماسية الإسرائيلية خلال السنوات القليلة القادمة للعودة إلى القارة الإفريقية، وتحقيق أعلى درجات النفوذ، حيث قام رئيس الوزراء الإسرائيلي في يوليو 2016 بجولة التقى خلالها رؤساء كل من أوغندا، وكينيا، وجنوب السودان، وزامبيا، ورواندا، ورئيس الوزراء الإثيوبي، ووزير الخارجية التانزاني، وهي كلها باستثناء زامبيا تقع على حوض النيل، الذي يُعدّ شريان الحياة لمصر، وهو ما يعدّ أحد المؤشرات لما تسعى إليه “إسرائيل” من محاصرة لمصر.
حددت الديبلوماسية الإسرائيلية على لسان نتنياهو غاياتها السياسية، إذ صرح بأنه يسعى من خلال تطوير العلاقات مع دول القارة إلى حشد التأييد الديبلوماسي الإفريقي في المحافل والمؤسسات الدولية، وقد لمست “إسرائيل” بعض النجاحات في هذا الصدد، حيث صوتت نيجيريا وبعض الدول الإفريقية الأخرى لصالح المرشح الإسرائيلي لرئاسة اللجنة القانونية في الأمم المتحدة خلال يونيو 2016، كما امتنعت نيجيريا خلال سنة 2014 عن التصويت على مشروع القرار العربي بمجلس الأمن، الداعي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي في مدة لا تزيد على ثلاث سنوات، وهو ما أسهم في إفشال تبني الأمم المتحدة للقرار.
وفي هذا السياق، ومما يدلّ على أن الاعتبارات الديبلوماسية تقع على رأس أولويات نتنياهو، فقد نقل أنه طالب السفراء الأفارقة في تل أبيب صراحة بالتصويت بشكل جماعي لصالح “إسرائيل” في المحافل الدولية. وكان ذلك أثناء مشاركتهم في حفل نُظّم، خلال سنة 2016، في الكنيست بمناسبة تدشين “لوبي إفريقيا” في البرلمان حيث قال “أعي أنّ ممثلي دولكم سيصوّتون في المحافل الدولية بما يتماشى مع مصالح إفريقيا، وأنا أرى أن مصالح إسرائيل ومصالح إفريقيا تقريباً متطابقة، ما يعني أن التصويت لصالح إسرائيل هو بالضرورة تصويت لصالح إفريقيا” .
البعد الأمني والعسكري
سعت “إسرائيل” إلى مدّ نفوذها الأمني في القارة الإفريقية بما يتوافق مع استراتيجيتها في توسعة دائرة الحماية إلى خارج حدود دائرة صراعها الجغرافية، حيث أسست قواعد عسكرية بحرية، ومراكز للمراقبة في أريتريا وأبرزها في أرخبيل دهلك. وحسب تقرير لوكالة الاستخبارات المدنية الأمريكية (ستراتفور) فإن “الوحدات البحرية الإسرائيلية تتمركز في جزيرة دهلك وميناء مصوع في البحر الأحمر، وهي مواقع تتسم بقدرة استراتيجية متميزة على رصد التحركات البحرية في مدخل البحر الأحمر”، مضيفة أن لـ”إسرائيل” أيضاً قاعدة تنصّت على قمة أعلى جبل في أريتريا “أمبا سواره”، الذي يرتفع عن سطح البحر نحو ثلاثة آلاف متر، وقد وصل عدد القواعد العسكرية الإسرائيلية في أريتريا إلى ستة قواعد. وتأتي أهمية التواجد الإسرائيلي في هذه المناطق لما يحققه من قدرات لمنع وصول السلاح إلى حركات المقاومة الفلسطينية، وكذلك مراقبة الدول المعادية لها بما فيها إيران.
وعلى المستوى العسكري، سجلت السنوات الطويلة من العلاقات الظاهرة والخفية بين “إسرائيل” والعديد من الدول الإفريقية تعاوناً عسكرياً متصاعداً، ويتلمس المراقب لهذا التعاون دور “إسرائيل” في تثبيت بعض الأنظمة القمعية في القارة، ولو على حساب حياة المدنيين، وفي إشارة إلى أسباب إطالة أمد الحرب الأهلية في جنوب السودان، ذكر تقرير بعثة مجلس الأمن الدولي إلى جنوب السودان في أغسطس 2015، أن البعثة وجدت أسلحة إسرائيلية الصنع. أضف إلى ذلك, السنوات الطويلة من التعاون بين دول ذات صراعات داخلية وخارجية و”إسرائيل”، فقد تمكنت شركة يافنيه الإسرائيلية —المتخصصة في صناعة الطائرات دون طيار— في سنة 2006 من إبرام صفقة مع نيجيريا، تضمنت تزويد نيجيريا بـ 15 طائرة حربية، وتدريب طيارين نيجيريين، وقد ألمح البعض أن هذه الصفقة هدفت إلى حماية منطقة غرب إفريقيا حيث تتوسع فيها أنشطة الشركات النفطية الأجنبية.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات