وقت أن كان “علي جمعة” مفتيًا لنظام مبارك, كان المركز القومى للدراسات القضائية يستعين به لإلقاء بعض المحاضرات على وكلاء النيابة العامة الجدد، وقد حكى لى نفرٌ منهم ممن عُيِّنُوا فى دفعاتٍ لاحقةٍ أنه أثناء إلقاء الشيخ إحدى المحاضرات بالمركز أرسل إليه أحد وكلاء النيابة سؤالًا مكتوبًا يسأله عما إذا كان يتلقى راتبه الشهرى بالدولار الأمريكى أم بالجنيه المصرى!
للأسف لم أستطع الوصول إلى شخص صاحب السؤال لأعرف السبب الذى دفعه إلى طرحه، إلا أننى ـ على وجه العموم ـ أعرف أن لضباط أمن الدولة والمخابرات حقًّا معلومًا فى تعيين أبنائهم فى النيابة والقضاء، فهل كان السائل أحد هؤلاء؟ وإن كان منهم فهل كان الدافع لسؤاله معلوماتٍ أفضى إليه بها أبوه فأراد الابن أن يحرج الرجل بما يعرف كلاهما أنه عين اليقين؟
لقد كان بإمكان الشيخ الذى من المفروض أنه يمثل سماحة الدين أن يتجاوز الأمر امتثالًا لقوله تعالى فى الآية (63) من سورة الفرقان ” وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا “, وامتثالًا لما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم فى حديث ابن مسعود ” لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الْفَاحِشِ وَلا الْبَذِيءِ ” إلا أن الرجل تناسى ذلك كله، كما تناسى أن من طرح عليه ذلك السؤال مجرد صبىٍّ فى عمر أحفاده أو أولاده، وراح يكيل من كلامه الثقيل الذى أتقنه بطريقة الأداء المسرحىِّ التى تدرب عليها بالمبالغة فى تفخيم الحروف ومطِّها، وكأن الناس لن تصدق أنه من رجال الدين إلا إذا فعل ذلك .
امتعض الشيخ كثيرًا وانتابته هيستيريا الغضب ووجه كلامه إلى الحاضرين من وكلاء النيابة قائلًا: إن من أرسل هذا السؤال ” عرص “، وكلمة ” عرص” جاءت من ( عَرَّصَ يُعرِّص تعريصًا فهو عرْص) واستطرد القول للحضور: إن نصفكم من رجال النيابة والقضاء ” حُرمجية ” يرافقون النساء، والنصف الآخر ” حرامية ” مرتشون، هذه هى صورة القضاء المصري من وجهة نظر المفتى الأسبق، ولا أدرى من أين جاء بذلك الإحصاء الفريد من نوعه، هل أدلى له به أحد ندمائه فى أجهزة الأمن المسئولة عن متابعة القضاة؟
انفجرت قاعة المحاضرة كالقنبلة الموقوتة فى وجه الشيخ سبًّا ولعنًا ودفعًا وركلًا حتى خلصه الأمن من بين أيدى أعضاء النيابة الغاضبين منه، وخرج من مركز الدراسات القضائية غير مأسوفٍ عليه بلا عودةٍ ربما لعدة دوراتٍ لاحقةٍ، وفقد الشيخ أحد موارده المالية الهامة التى تمولها أموال المعونة الأمريكية والمنظمات الأجنبية، لقد نسى الرجل نفسه حين هاجم أبناء النُّخَب من أعضاء النيابة العامة الجدد الذين يصدق فيهم المثل القائل “من له ظهر لا يُضرَب على بطنه”، المهم، أن الطرفين فضح كلاهما الآخر بما يعرفه عنه، وانتهت المعركة فى غير صالح “على جمعة ” بعد أن أهان نفسه ودنس بلسانه شرف منصبٍ لم يكن أبدًا أهلًا له فى يومٍ من الأيام.
رئيس محكمة المنصورة الابتدائية – مصر
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات