تواترت خلال الأسابيع الأخيرة الماضية في تونس، دعواتٌ إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، تنهي الأزمة السياسية وتعيد القرار من جديد إلى الشعب في ظلّ الانقسام السياسي الحاد الطاغي في البلاد. وأمام صمت السلطات ويأس المعارضة من إمكانية تحقق هذه الفرضية، ينتظر كثيرون موعد الانتخابات الرئاسية الدوري المحدد في الدستور، في نهاية ولاية الرئيس قيس سعيّد الدستورية، خريف العام المقبل، وسط بروز مخاوف من التأجيل أو الإقصاء، بمعنى أن تكون الانتخابات شكلية.
ولا تستبعد شخصيات من المعارضة التونسية، تحدثت لـ”العربي الجديد”، سيناريو تأجيل الانتخابات الرئاسية عن موعدها المقرّر في خريف عام 2024، تحت عنوان “التدابير الاستثنائية” واستحالة تنظيم هذا الاستحقاق في موعده، فيما تطرح أيضاً فرضية إقصاء المنافسين عبر سنّ قانون انتخابي على المقاس أو عبر تشديد الضغط على المعارضين واستفزازهم بحسب تعبيرهم.
وبرأي المعارضة التونسية، فإنه لا جدوى من تنظيم انتخابات رئاسية من دون ضمانات احترام المعايير الديمقراطية الدولية من تنافسية ونزاهة واستقلالية، معبّرة عن هاجس إجراء انتخابات شكلية وصورية في سياق تكريس نفس المسار وللتغطية على تفاقم أزمة الحكم وتأزم الوضع السياسي.
وكان المتحدث باسم الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس، محمد التليلي المنصري، اعتبر أنه من السابق لأوانه الحديث عن إمكانية تأجيل الانتخابات الرئاسية المقررة في خريف 2024، مؤكداً في تصريح لـ”العربي الجديد” (2 يونيو الحالي) أن الانتخابات الرئاسية “دورية، وأعلن عنها رئيس الجمهورية، وتاريخها محدد مسبقاً”.
ومعلّقاً على المخاوف من التأجيل، اعتبر رئيس الجمعية العربية للعلوم السياسية والقانونية، أستاذ القانون الدستوري، شاكر الحوكي، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “تصريحات أعضاء هيئة الانتخابات غير ملزمة لرئيس الجمهورية ولا تمثل مواعيد جدّية ولا رسمية، وتبقى سلطة القرار حصرياً عند الرئيس سعيّد الذي يتحكم بجميع السلطات وتسيير كل دواليب البلاد”.
واستبعد الحوكي أن “يغامر سعيّد بتنظيم انتخابات رئاسية، حتى بعد تصفية جميع خصومه عبر الاعتقالات والتضييق على المعارضين والضغط على المنافسين”. وبيّن كذلك أن “هناك شروطاً ومعايير لإجراء انتخابات نزيهة وشفافة وديمقراطية، وهي غير متوفرة حالياً، ما يجعل إجراء انتخابات في هذا الوضع القائم، شكلية وصورية شبيهة بفترة ما قبل الثورة”.
وتوقف أستاذ القانون الدستوري عند “استمرار عدم وجود محكمة دستورية لمراقبة دستورية المسار والقوانين الانتخابية، على الرغم من دخول الدستور الجديد حيز النفاذ بعد استفتاء 25 يوليو 2022، والذي ينص على تشكيل محكمة دستورية من قضاة معينين من قبل رئيس الجمهورية، إلا أنه لم يتم تركيزها بعد”. وأضاف الحوكي كذلك أن “سعيّد لم يرفع حالة الاستثناء إلى اليوم، وبالتالي لا يستغرب أن يتخذ أي إجراء تحت أي عنوان لتأجيل الانتخابات أو إرجائها أو تنظيمها على مقاسه”.
بدوره، شدّد الأمين العام لحزب “التكتل من أجل العمل والحرّيات”، خليل الزاوية، في تصريح لـ”العربي الجديد”، على “وجوب توفر الشروط السياسية الانتخابية العامة لإجراء انتخابات”، معتبراً أن “الأجواء الحالية تتسم بالانغلاق من خلال المحاكمات السياسية وملاحقة المعارضين والصحافيين والنقابيين، فالجو العام لا ينبئ بانتخابات مفتوحة وتنافسية تحترم قواعد اللعبة الديمقراطية”.
وبرأي الزاوية، فإن “ما يؤكد أيضاً تردي الظرف العام، عدم اهتمام المواطن التونسي بالشأن العام والانتخابات، ما انعكس في الانتخابات التشريعية السابقة (ديسمبر 2022 ودورة ثانية في يناير الماضي)، فالظرف السياسي العام غير مهيأ، بالإضافة إلى التحفظات الكبرى على هيئة الانتخابات المعينة من رئيس الجمهورية والتي لا تتوفر فيها الاستقلالية الكاملة”.
وبيّن الزاوية أن “الوضع شبيه بفترة حكم (زين العابدين) بن علي بهيئة معيّنة من الرئيس ثم يعلن ترشحه ولا يوجد من يعارضه”. وبناء على ذلك، رأى الأمين العام للتكتل أنه “لا جدوى من إجراء انتخابات دون توفر الشروط والمعايير الانتخابية للنزاهة والاستقلالية والتنافسية بل هي خطوة إلى الوراء وإضفاء شرعية على المسار والمواصلة فيه”.
من جهته، قال القيادي في حركة “النهضة”، محسن السوداني، لـ”العربي الجديد”، إنه “إلى حد الآن ليس واضحاً إن كان رئيس الجمهورية سوف يؤمّن شروط المنافسة النزيهة. لكن هناك مؤشرات غير مشجّعة وتلقي بظلال الشك على الموضوع”. وأول تلك المؤشرات، بحسب السوداني، “الانتخابات البرلمانية التي كانت شكلية وجرت بعد الانقلاب وفي أجواء انقلابية ومناخ سياسي انعدمت فيه أدنى شروط المشاركة، وقد قاطعتها جل الأحزاب، وكانت نسبة الإقبال فيها ضعيفة جداً”. وبرأيه، فإن الانتخابات التشريعية الماضية “كانت الأضعف في العالم، وجاءت لتترجم موقف التونسيين المقاطع وفقدانهم الثقة في العملية السياسية وانسحابهم تماماً من الشأن العام”.
أما ثاني المؤشرات، وفق القيادي في “النهضة”، فهو أن سعيّد “لم يتحدث إلى حد الآن عن موضوع الانتخابات الرئاسية، والحال أننا دخلنا من الناحية النظرية في الزمن الانتخابي، حيث من المفترض أن تكون الساحة الآن غنيّة بالسجال حول هذا الموضوع. والحال أن الواقع غير ذلك”. ولفت السوداني إلى أن “هناك أيضاً خشية من أن يخلق الرئيس وضعاً سياسياً وأمنياً وقضائياً لا يسمح بالمشاركة ولا بالمنافسة”. وبرأيه، فإنه “ليس من شك في أن الاعتقالات التي طاولت العشرات من قيادات الصف الأول من الأحزاب تندرج في هذا الإطار، أي إخلاء الساحة وتهيئتها تماماً لمرور قيس سعيّد”. ولم يستبعد السوداني “أن يستكمل سعيّد هذه الأرضية بتغيير القانون الانتخابي بما يجعله دون سواه في طريق مفتوح”.
وحول المناخ العام الواجب توفرّه لإجراء الانتخابات الرئاسية، شدّد السوداني على أنه “يتطلب هدوء الأجواء والإجماع السياسي الوطني والتوافق على قواعد المنافسة وتوفير كل الشروط والضمانات للنزاهة والشفافية والتزام احترام النتيجة”. وأضاف: “أما ونحن نعيش في خضم وضع مشحون من الناحية السياسية بسبب الاعتقالات والملاحقات وغلق مقرات الأحزاب، واستهداف القضاء الذي يمثّل صمّام أمان للسلامة العملية الانتخابية، فلا يمكن الحديث عن انتخابات”.
من جهته، اعتبر المتحدث باسم حزب “حراك الإرادة”، عمر السيفاوي، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “إجراء انتخابات رئاسية في وضع يتسم بسلطة غير خاضعة للقانون وهيئة انتخابات معينة وغير مستقلة ووضع سياسي يتيم محاصرة المعارضة واعتقال رموزها ونشطائها والتضييق عليهم وغلق المقرات، هذا لا يؤدي إلى عملية سياسية وانتخابية سليمة ولا يحقق أهداف المعارضة ومطلبها في إعادة البلاد إلى سكّة الديمقراطية”.
وأشار إلى أن “إعلان هيئة الانتخابات عن موعد الانتخابات الرئاسية ليس منّة، بل هو موعد نهاية فترة 5 سنوات من حكم قيس سعيّد”. وبالتالي، برأيه، فإنه “ليس بجديد قانونياً ودستورياً مع نهاية الولاية تنظيم انتخابات، بل الجديد هو الوضع القائم في غياب ضمانات ومعايير النزاهة والشفافية والتنافس واستقلالية الهيئة الانتخابية، ما يجعل الحديث عن انتخابات من دون ذلك سابقا لأوانه بالنسبة للمعارضة”.
واعتبر السيفاوي أنه “لا جدوى من انتظار انتخابات أو المشاركة فيها في هذه الظروف القائمة وبهذه المعايير باعتبارها ستكون انتخابات شكلية ولن تؤدي إلى تداول الحكم ولا إلى استقرار سياسي أو إنقاذ الوضع واستعادة سلطة القانون وعلوية الدستور، بل ستكون تكريساً للوضع القائم واستمراراً في نفس المسار لا غير”.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات